لحظة صينية جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي

نموذج جديد يضيق الفجوة مع أميركا

("المجلة")
("المجلة")

لحظة صينية جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي

تقلصت الريادة الأميركية في الذكاء الاصطناعي أمام الصين إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عام. ففي يناير/كانون الثاني 2025، هز إطلاق نموذج "ديب سيك آر 1" الأسواق الأميركية، وتسبب في تبخر تريليون دولار من قيمتها، بما في ذلك خسارة شركة الرقائق "إنفيديا" 17 في المئة من قيمتها لفترة وجيزة، فيما تراجع مؤشر ناسداك 3.1 في المئة خلال يوم واحد. ولم يكن قلق المستثمرين الأميركيين نابعا من جودة الذكاء الاصطناعي الصيني وحدها، بل من كونه متاحا مجانا. غير أن الضجة سرعان ما انحسرت. ومنذ ذلك الحين، باتت أسواق العالم تراهن أكثر فأكثر على أن الذكاء الاصطناعي لن يغير قواعد اللعبة فحسب، بل سيحقق أرباحا ضخمة أيضا.

واليوم، تعود المختبرات الصينية إلى إرباك منافسيها الأميركيين في سباق السيطرة على سوق نماذج الذكاء الاصطناعي. ففي 13 يونيو/حزيران، أعلن مختبر مقره بكين يعرف باسم "زيبو إيه آي" عن أحدث أنظمته، "جي إل إم 5.2" (glm 5.2)، واصفا إياه بأنه "خطوة أقرب إلى ذكاء متقدم متاح للجميع". ويعد هذا أقوى نموذج دُرب في الصين حتى الآن، كما يعمل بكلفة تقل عن عُشر سعر أحدث إصدارات "أنثروبيك"، "فايبل 5". وعلى غرار نماذج صينية أخرى، أتيحت أوزانه علنا، أي المعاملات التي تتيح للنظام الجديد "جي إل إم 5.2" أداء عمله.

وخلال الأسابيع الأخيرة، واجهت الشركات الأميركية ارتفاعا حادا في تكاليف الذكاء الاصطناعي، بلغ أحيانا آلاف الدولارات لكل موظف. وبدأ بعضها يضع ميزانيات خاصة للرموز، أي وحدات النص التي تعالجها النماذج. ثم في 12 يونيو، حظرت إدارة ترمب على غير الأميركيين استخدام "فايبل 5"، ما دفع "أنثروبيك" إلى وقف الوصول إليه أمام الجميع. وللمرة الأولى، أصبح الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم مرهونا بموافقة الحكومة الأميركية. ويمكن أن يدفع ذلك كله المستخدمين إلى البحث بجدية عن بدائل للذكاء الاصطناعي الأميركي. وسيجد كثيرون أن "جي إل إم 5.2" نموذج قادر وميسور الكلفة، كما سيرحبون بكونه خارج متناول إدارة ترمب.

(أ.ف.ب)
شعار شركة "زيبو" الصينية للذكاء الاصطناعي معروض على شاشة هاتف ذكي في بكين، 21 يناير 2026

فلنبدأ بالقدرات. تصنف شركة الأبحاث "آرتيفيشال آناليسيس" نموذج "جي إل إم 5.2" باعتباره أذكى نموذج مفتوح المصدر في السوق. كما يحتل النموذج، على نحو لافت، المرتبة الرابعة في قائمتها الإجمالية، خلف "شات جي بي تي 5.5" من "أوبن إيه آي"، ومتقدما على روبوت "جيميناي" من "غوغل". وفاجأ هذا النموذج كثيرين. ففي وقت سابق من هذا العام، كان المطورون الصينيون متشائمين إزاء احتمال أن تتفوق نماذجهم على النماذج الأميركية قبل عام 2030. لكن بعد إصدار "زيبو إيه آي"، كتب إيلون ماسك، الملياردير المعروف، على منصته للتواصل الاجتماعي "إكس" أنه يتوقع أن تضاهي الصين قدرات الجيل المتقدم الحالي بحلول مطلع العام المقبل. فرد تانغ جيه، الشريك المؤسس لشركة "زيبو إيه آي"، قائلا إن الأمر "لن يستغرق كل هذا الوقت".

المختبرات الصينية تعود لإرباك منافسيها الأميركيين في السباق نحو احتكار سوق نماذج الذكاء الاصطناعي

وعلى خلاف لحظة "ديب سيك"، لم تُبد الأسواق الأميركية حتى الآن اهتماما كبيرا بـ"جي إل إم 5.2". ويعود ذلك جزئيا إلى أن قياس قدرات النماذج الصينية بدقة أصبح أكثر تعقيدا. فلكي تصل "آرتيفيشال آناليسيس" إلى تقديراتها، أخضعت "جي إل إم 5.2" لعشرات الاختبارات المرجعية التي تعتمد على أسئلة شبيهة بالامتحانات لقياس ذكاء النموذج. ولا تزال أميركا، عبر "أنثروبيك"، تحتفظ بتفوقها في الأداء، إذ يتقدم نموذج "فايبل 5" على "جي إل إم 5.2" بنحو 17 في المئة بمتوسط مجموعة من مهام الاختبارات المرجعية. أما المعيار الآخر المهم، فهو الوقت الذي احتاج إليه "جي إل إم 5.2" ليبلغ هذا المستوى من الذكاء. فقد ظهر نموذج غربي قابل للمقارنة معه في فبراير/شباط، أي قبل نحو أربعة أشهر.

لكن الريادة الأميركية، في واقع الأمر، قد تكون أكبر من فجوة الأشهر الأربعة. فالنماذج مفتوحة المصدر، وكثير منها صيني، تميل إلى تحقيق نتائج أفضل في الاختبارات المرجعية العامة مقارنة بالاختبارات الخاصة، بحسب هافارد تفاييت إيله من مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية، وهي مركز أبحاث في النرويج. فالأسئلة المستخدمة في الاختبارات العامة تكون منشورة ومتاحة، بينما يحتفظ القائمون على الاختبارات الخاصة بتقييماتهم طي الكتمان. وكان تحليل نشره الدكتور تفاييت إيله قبل صدور "جي إل إم 5.2" خلص إلى أن النماذج الصينية تتأخر بنحو أربعة إلى ستة أشهر عن النماذج الأميركية في الاختبارات العامة. أما في الاختبارات الخاصة، فكادت الفجوة تتضاعف، لتصل إلى ثمانية أو عشرة أشهر. وتوصلت دراسة صادرة عن الحكومة الأميركية في مايو/أيار إلى فجوة مماثلة. ويقول الدكتور تفاييت إيله إن المختبرات الصينية تبدو، ربما من دون قصد، كأنها "تدرِّس من أجل الامتحان".

وفي اختبارين مرجعيين خاصين أُجريا حتى الآن، تظهر على "جي إل إم 5.2" السمات نفسها. فهو يتأخر بنحو سبعة أشهر في "ويرد إم إل" (WeirdML)، وهو مقياس للمهام غير المألوفة في تعلم الآلة التي تتطلب تفكيرا دقيقا لحلها، كما يتأخر عاما كاملا في "سيمبل بينش" (SimpleBench)، الذي يختبر الحس السليم بمحاولة خداع النماذج. غير أن هذا النمط لا يبدو ثابتا دائما. فقد أطلقت "آرتيفيشال آناليسيس" في 19 يونيو اختبارا جديدا يقيس أداء النماذج في مهام موظفي المكاتب، مثل فرز الملفات الفوضوية وتقييم المعلومات المتضاربة. ولم يكن بوسع "جي إل إم 5.2" أن يتدرب خصيصا على هذا التقييم. ومع ذلك، تفوق على "شات جي بي تي 5.5"، الذي لم يمض على ظهوره سوى شهرين. وتشير هذه النتائج، بحسب الدكتور تفاييت إيله، إلى أن الريادة الأميركية لا تزال مستقرة، ولكن هناك أدلة في الوقت نفسه على أن الفجوة لا تتسع كما توقع بعضهم.

واللافت في "جي إل إم 5.2" على نحو خاص أنه ينجح في مهام كثيرا ما تربك نماذج مماثلة. فالنماذج الصينية غالبا ما تتفوق في المجالات التي تكون فيها الإجابات الصحيحة والخاطئة واضحة، مثل الرياضيات والبرمجة، لكنها تميل إلى التعثر أمام المسائل المفتوحة، أو تلك التي تتطلب حكما مستقلا ومستمرا. ويعكس هذا النمط أحد أكبر التحديات التي تواجه الباحثين في الصين. فقد حرمت ضوابط التصدير المفروضة على الرقائق المتقدمة المختبرات الصينية من القدر الكافي من القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب أقوى النماذج. لذلك تميل هذه المختبرات إلى تعويض الفارق في مرحلة ما بعد التدريب، أي ضبط النماذج بدقة كي تتصرف بطرق محددة أو تتمكن من حل أنواع بعينها من المشكلات، بما في ذلك عبر استخدام بيانات يزعم أنها جُمعت من أنظمة أميركية من خلال عملية تعرف باسم "التقطير".

(رويترز)
مسؤولون من شركة "زيبو" للذكاء الاصطناعي وشركات تكنولوجية أخرى خلال مراسم إدراج في بورصة هونغ كونغ، 8 يناير 2026

ومع استمرار الشكوك بشأن القدرات الحقيقية للنماذج الصينية، يصبح السؤال التالي ضروريا: هل هي أرخص فعلا من منافساتها الأميركية؟ فشركة "ديب سيك" لا تتقاضى سوى 0.87 دولار لكل مليون رمز إخراج في نموذجها "ڤي 4" (v4)، بينما تتقاضى "أنثروبيك" 50 دولارا مقابل الكمية نفسها في "فايبل 5". وقد تبدو هذه الأسعار أكثر إغراء في أميركا، حيث خرجت تكاليف الرموز عن السيطرة في بعض الشركات. ففي يونيو، سجلت "ديب سيك" زيادة حادة في عدد الشركات الأميركية التي تدفع مقابل خدماتها، وفقا لشركة "رامب"المتخصصة في الفوترة. ويقال إن "مايكروسوفت" تدرس استخدام نموذج المختبر الصيني في روبوت الدردشة الرئيس لديها "كوبايلوت" (Copilot). غير أن الافتراض الأهم، وهو أن الذكاء الاصطناعي الصيني أرخص، يمكن أن يكون في كثير من الأحيان افتراضا خاطئا.

النماذج الصينية كانت متأخرة عن الأميركية بنحو 4 إلى 6 أشهر في الاختبارات العامة

وعلى الرغم من تنامي قوة النماذج الصينية، فإنها لا تترجم بالضرورة إلى كفاءة أعلى، فهي تستخدم عددا أكبر بكثير من الرموز للتفكير في إجاباتها. وأظهرت دراسة محدثة لـ"دوتشنغ" من جامعة "جورجيا تك" أن نموذج "ديب سيك" استهلك، عند تكليفه بالمهام نفسها، رموزا تزيد بـ23 مرة عما استهلكه منافسه من "أوبن إيه آي" للوصول لنتيجة مماثلة. وبسبب هذه الفوارق الكبيرة في الكفاءة، فإن مقارنة النماذج على أساس السعر لكل رمز لا تكفي، بل ينبغي النظر إلى الكلفة النهائية لجميع الرموز التي يستهلكها النموذج. وبهذا المعيار، تبين أن "جي إل إم 5.2" كان أعلى كلفة من أنظمة منافسة من "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" في اختبار مرجعي مخصص لهندسة البرمجيات.

وبعيدا عن معادلتي القدرة والكلفة، برز عامل ثالث أخذ يتصدر حسابات مستخدمي الذكاء الاصطناعي، وهو عامل الموثوقية. ففي تمام الساعة 5:21 مساءً بتوقيت بكين يوم 13 يونيو، أطلقت شركة "زيبو إيه آي" نموذجها الجديد، بعد يوم واحد فقط على قيام إدارة ترمب بإبلاغ شركة "أنثروبيك" بقرارها حظر استخدام نموذج "فايبل 5" على غير الأميركيين. وأعلن السيد تانغ حينها: "موقفنا هو الانفتاح الجذري"، موجها انتقادات إلى "الحصارات الخارجية"، مثل الحصار الذي فرضته شركة "أنثروبيك" والحكومة الأميركية، ومحذرا من أن مثل هذه الإجراءات تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي "قابلة للإلغاء في أي لحظة".

وتصدر معظم النماذج الصينية بصيغة مفتوحة المصدر، ما يتيح تنزيلها وتشغيلها محليا، بعيدا عن سيطرة الحكومات أو حتى المختبرات التي طورتها. ويمكن أن تلجأ الحكومة الأميركية يوما ما إلى تقييد الاستخدام المحلي للذكاء الاصطناعي الصيني. وفي الوقت الراهن، تحقق لجنتان في الكونغرس مع شركات تكنولوجيا أميركية على خلفية استخدامها نماذج صينية. وتواجه المختبرات الصينية قيودا من نوع آخر تمس موثوقيتها. فالنقص في القدرة الحاسوبية يجعلها أكثر عرضة لانقطاعات الخدمة، أو للتباطؤ حين يبلغ الضغط على أنظمتها مستويات مرتفعة.

(رويترز)
أشخاص أمام آلة ألعاب محشوة بدمى على شكل كركند خلال عرض لمنصة "أوتو كلو" المطورة من شركة "زيبو" في بكين، 13 مارس 2026

غير أن تسارع سباق الذكاء الاصطناعي سيضع الجهات التنظيمية في كل مكان أمام اختبارات جديدة في مجالي السلامة والأمن. وقد يتزايد خطر التدخل الحكومي المفاجئ على ضفتي المحيط الهادئ. فقد بدا "فايبل 5" قويا إلى حد دفع البيت الأبيض إلى اتخاذ هذا الرد. أما عدم تعرض النماذج الصينية، في الوقت الراهن، لخطر تنظيمي مماثل، فيوحي بأن الحكومة الصينية لم تر فيها بعد ما يثير قلقا كافيا للتحرك. وربما يكون ذلك أحد أوضح المؤشرات على أنها لا تزال متأخرة عن منافساتها الأميركية.

font change

مقالات ذات صلة