لبنان المفتقد تستعيده أعمال نبيل نحاس في بينالي البندقية

المقياس الكوني والحالة الإنسانية

 الجمعيّة اللبنانيّة للفنون البصريّة
الجمعيّة اللبنانيّة للفنون البصريّة
نبيل نحاس وأعماله

لبنان المفتقد تستعيده أعمال نبيل نحاس في بينالي البندقية

يقدم الفنان اللبناني نبيل نحاس عمله "تعدد بلا حدود" في بينالي البندقية، ويمتد على طول 45 مترا، ويتألف من 26 لوحة أكريليك تتكامل لتشكل تركيبا بصريا بانوراميا يحيط بالمشاهد داخل فضاء عرض غامر. يستند العمل، بحسب البيان المرافق للمعرض، إلى فكرة العلاقة بين الإنسان والطبيعة والكون، وإلى إبراز الهوية اللبنانية بوصفها هوية متعددة الثقافات نشأت من تلاقي حضارات مختلفة عبر التاريخ.

غير أن عمل نحاس رغم قوته البصرية ووضوحه المفاهيمي، يفتح أيضا باب التساؤل حول الخطاب الذي يرافقه، خصوصا في ما يتعلق بتكرار مفاهيم مثل "التعدد" و"الوحدة في التنوع"، وهي أفكار باتت حاضرة بكثرة في سياق المعارض الدولية المعاصرة. ومن هنا يمكن قراءة العمل ليس فقط كاحتفاء بالهوية والتنوع، بل أيضا كمدخل لمناقشة مدى جدوى هذه المفاهيم اليوم وقدرتها على تقديم رؤية فنية جديدة.

خارج القدرية الفولكلورية

يعيدنا نبيل نحاس في تجهيزه الفني إلى ما قدمه سابقا من أعمال، حيث شكل عالمه مزيجا من المرجعيات الصوفية، الإسلامية والبيزنطية والرومانية وغيرها من الطبقات الثقافية التي احتضنها لبنان، حتى باتت جزءا من شخصيته وهويته البصرية. وإذا كانت تلك الأعمال تنضح بمشاهد متسعة الآفاق، متناغمة مع الكون اللامتناهي، ومحيلة على الاحتفاء بعظمته في تجلياته المجهرية واللامحدودة على السواء، حيث وجد لبنان، بنخيله وأرزه وزيتونه، روحه وجسده في سرد ذاته، فإن عمله الجديد يحمل أجواء تنحرف جزئيا عن محور الأمل والاحتفاء بالوجود، لا سيما أن جمع اللوحات جنبا إلى جنب أفقد بعضها كثيرا من خصوصيتها وقوتها البصرية. وقد أفضى هذا الجمع، ربما، إلى نتيجة معاكسة لما أريد له أن يكون، إذ بدا أقل قدرة على الإشارة، أمام المجتمع الدولي، إلى لبنان بوصفه فضاء جامعا لثقافات متعددة وتنوعات اجتماعية ودينية، ومحافظا، رغم ذلك، على هويته المشتركة وتماسكه.

حتى قبل وجود الفينيقيين بزمن طويل، تعددت الثقافات في لبنان وكان هذا البلد ذا طابع عالمي. هذا التنوع بالتحديد متأصل في هويتنا

يتألف التركيب الفني من رصف لوحات تبدو نوافذ مستطيلة شاهقة تطل على ذاتها، وتختنق بما يضطرب داخلها، وهذا يقودنا إلى ما يكاد يناقض ما قاله الفنان قبل أكثر من عشرين  عاما، وهي المقولة التي شكلت أسسا وضوابط عميقة لمسيرته الفنية الطويلة، حين قال "الطبيعة محور أعمالي. لن أتخلى عنها كمصدر إلهام ، لكن الطبيعة عندي لا تقتصر على البحر والأشجار، بل هي الكون بأسره، والمجرات والكواكب. لا أعرف إلى أين سيأخذني عقلي الباطن لاحقا، ولا أخطط لأي شيء في لوحاتي، لأنها مجرد رسوم عفوية نابعة من القلب وتعكس اهتماماتي والمعلومات المتراكمة لدي".

 الجمعيّة اللبنانيّة للفنون البصريّة
من أجواء المعرض

كلمات قالها الفنان، بدت أشبه بإمعان في متاهات سؤال أقرب إلى التبصر في المجهول منه إلى البحث عن إجابة مباشرة وسريعة، أو إلى صيغة توليفية ترضي الذائقة العالمية في المعارض الكبرى.

هذه الكلمات، لمن سبق أن  تعرف الى الفنان، لا تعكس فقط منطق عمله، بل أيضا روحه التي لا تنفك تدور حول تساؤلات كبرى، تنحو تارة إلى الدرامية، وتارة أخرى إلى قهر العدم الذي صنعه البشر في مقابل ما أبدعه الخالق. ويتنافر هذا القول، إلى حد ما، مع روحية ما قدمه في مناسبة مشاركته في بينالي البندقية، حيث بدا أن النص التقديمي الخاص به قد صيغ بتدخل من القيمين على الجناح اللبناني. ونورد هنا ما قاله الفنان حول التجهيز الفني، الذي حمل عنوانه أيضا قدرا من الالتباس بين "لا تسئ فهمي" و"تعدد بلا حدود": يقول الفنان "أفتخر بتمثيل لبنان في المعرض الدولي للفنون/بينالي البندقية 2026. إن ممارساتي الفنية متجذرة في تراث هذا البلد الثري تاريخيا والكثيف الطبقات". فعلى مدى آلاف السنوات، تميزت هذه الأرض بتنوعها الثقافي اللافت. حتى قبل وجود الفينيقيين بزمن طويل، تعددت الثقافات في لبنان وكان هذا البلد ذا طابع عالمي. هذا التنوع بالتحديد متأصل في هويتنا".

 الجمعيّة اللبنانيّة للفنون البصريّة
نبيل نحاس مع أحد أعماله

ليس التدخل المرجح من قبل القيمين على الجناح في صوغ البيان الذي قدمه الفنان، أمرا عابرا، فهو يبدو منسجما مع منطق المعارض الكبرى التي تميل إلى الغموض أكثر من التحديد، وإلى الرمزية أكثر من المساءلة المباشرة، وإلى إبراز الإيجابية اللامعة على حساب جوهر العمل الفني، وهو ما ينعكس سلبا على وضوح التجربة نفسها.

لذلك، حين تصف النصوص والكلمات الخاصة بالمعرض، لبنان، عبر مفاهيم مثل الغنى الثقافي، والانسجام في التعدد، لا يبدو الأمر تعبيرا عن عمق التجربة الفنية المقدمة بقدر ما يبدو صوغ خطابية محكمة، تخفي، خلف مراوغة لغتها، توترات لا تزال مفتوحة وغير محسومة. كما تبدو هذه البلاغة محاولة لدفع تجربة الفنان نحو مستوى من الاستعارات الدالة على التعايش، والتعدد الروحي، والتركيب الحضاري. ولو توقف الأمر عند حدود هذا الخطاب لكان أقل وطأة، غير أنه انسحب أيضا على رصف الأعمال جنبا إلى حنب ضمن قوالب لا تشبهها.

بدت هذه الصياغات منفصلة عن الواقع العاطفي والبنائي الذي انبثق منه العمل. فبدلا من أن تقدمه في تجرده الجمالي المعبر، أثقلته بادعاءات عن واقع انسجامي ولامع. وكانت النتيجة توترا واضحا بين صدق اللوحات، بما تحمله من مشقات التلاقي بين الكون و"صغائره"، وبين التفاؤل الساذج والمطمئن للغة المحيطة بها.

هذا التقديم "الراتق" للتكسرات التي تعيشها "أرزة لبنان" - ونستخدم هذا التعبير هنا من باب الإشارة إلى الفولكلورية السياحية - وكأنها، في مطلقها، تشوهات خلقية ينبغي إخفاؤها، لم ينجح في انتزاع نص الفنان من شعريته، ولا في الحد من قدرته على "مقارعة" البيان الصحافي المرافق للعمل، والانفلات من الأطر المرسومة له. فموضع الخلاف يكمن، أساسا، في الميل إلى تحويل التجربة الجمالية إلى أسطورة ثقافية مطمئنة. أما المتلقي، فسيعرف حتما كيف يخرج لوحات الفنان من قدريتها الفولكلورية.

 الجمعيّة اللبنانيّة للفنون البصريّة
عمل لنبيل نحاس

هندسة الفقد

ترتفع اللوحات المتلاصقة إلى أكثر من مترين فوق الأرض، بما يذكر بالزخارف الجدارية في القصور الفينيسية أو في الفضاءات الدينية. هذا التموضع يجبر المتلقي على النظر إلى الأعلى، فينقله جسديا من "الحيز الإنساني" الذي يطغى عليه الدمار، نحو تجربة أكثر روحانية وتأملية.

يبرز هذا العمل التركيبي المسافة المأسوية بين المقياس الكوني للكون والواقع الإنساني والوطني المتصدع الذي صنعناه ولا نزال نصنعه

هكذا يهيأ المتلقي لأفكار ومشاعر تتخطى العالم الحسي المباشر. لا يتبع عمل الفنان سردا خطيا، بل يتشكل كـ"تعدد أصوات" من الذكريات والرموز، مما يوحي بهوية مرنة، مرنة حد التهافت. وبهذا يحاول نحاس أن يقدم سردية مضادة لخطاب الكراهية الأحادي والانقسام الذي يطبع كثيرا من صراعات العصر الحديث، إلا أن هذا السعي التركيبي، وما يرافقه من تفكيك للوحات، سلب العمل شيئا من الفيض والانسيابية التي عرفت بها أعماله. وبدل أن يظهر التركيب الفني بوصفه احتفالا بالهوية والقدر المشترك، كما في مجمل أعماله المنفصلة المشبعة بشاعرية مفتوحة على الأقدار المأسوية منها والمشرقة، يبرز هذا العمل التركيبي المسافة المأسوية بين المقياس الكوني للكون والواقع الإنساني والوطني المتصدع الذي صنعناه ولا نزال نصنعه.

 الجمعيّة اللبنانيّة للفنون البصريّة
لوحة لنبيل نحاس

ففي أحد أطراف التركيب الفني تظهر أرزة الفنان الشهيرة. ومن المعلوم أنه بالنسبة إليه، تعد أشجار مثل الأرز رموزا دينية أو روحية للصمود والحياة. فهو حتى حين يرسم أرزا منهكا أو نخلة محترقة، فإنه يقدمهما من خلال استخدام مروحة لونية نابضة تكاد تكون كهربائية. فشجرة الأرز الهائلة في منجزه الفني نمت عند حافة العمل. لم تمتد أغصانها المضيئة بل "قطعت" لتتصل بلوحة ثانية فتحولت إلى جسر  متصدع بين الأرض والسماء. جسر تحور معناه ليصبح  كشاهد أبوكاليبتي على عنف العصر الحديث حيث يتكشف عالم مقدس تشوهه يد الإنسان. أرزة مقتلعة من سياقها، لكنها لم تسقط أرضا، بل واصلت احتضان كل متلق يملك قلبا محبا ومتجذرا في الأرض، حتى وإن كان على حافة محيط سام. تبدو هذه الرموز المقدسة ومن ضمنها الدائرة الحلزونية، وقد اختلت استدارتها الكاملة كي تتصل بلوحة أخرى تعثر فيضها البصري بين لوحتين  تابعتين للمشهد التركيبي نفسه. وهكذا تحولت أعمال الفنان المجموعة في عمل واحد إلى شذرات وإلى ملاذات ميتافيزيقية هشة، ورموز متضخمة لم تعد قادرة على احتواء قسوة الحاضر.

تراكم اللون: ضمادات الصدمة

تبدو طبقات اللون، المتراكمة في الأعمال المتجاورة كضمادات فوق الجرح، وصفا ماديا ونفسيا لسطح اللوحات. فقد استخدم الفنان الذهب، ذلك العنصر المرتبط تقليديا بالفنون البيزنطية والإسلامية بوصفه رمزا للضوء الإلهي والأبدية. غير أن الذهب، بين يديه، لا يظهر كعلامة خلاص بقدر ما يبدو قشرة متكلسة من الجمال تحاول إخفاء نواة قاتمة من الصدمة، إذ إن المادة المقدسة نفسها تبرز الفراغ الذي تسعى إلى ملئه.

أما الألوان، وخاصة "الليليات" العميقة والتدرجات المتوهجة المرتجفة، فهي المساحة التي تقيم فيها فعلا "ومضة الأمل". وهنا تكمن أهمية التمييز بينها وبين الأشجار. فبينما ترتبط أشجار الأرز والزيتون والنخيل بمكان محدد هو لبنان وتاريخه المأسوي، يبدو أن الألوان في أعمال نحاس تمثل المقياس الكوني ذاته. ذلك الأزرق الليلي العميق ليس مكانا، بل مناخ، اتساع يسبق الأنا الإنسانية ويبقى بعدها. وحين يضع نحاس ذهبا مشعا أو بنفسجيا نافذا فوق خلفية معتمة، فهو لا يرسم فحسب، إنما يؤكد أن الضوء لا يزال موجودا حتى داخل الفراغ. إنها برهنة حسية على وجود الخير، لا تعتمد على رمز مثل الشجرة كي تصبح حقيقية، بل تتحول إلى تردد داخلي يخاطب "القلب المحب" الذي ذكرناه آنفا. وإذا كانت الأشجار تتلاشى في لوحاته مثل غيوم كونية وطبيعية، بما يوحي بهشاشة الأسطورة التي تحملها، فإن الألوان الليلية تبدو أكثر دواما. إنها تمثل "الكون الإلهي" الذي يبقى ثابتا حتى حين تتبخر رموزنا الأرضية، الأرز، الوطن، البيت، تحت حرارة الجشع والكراهية.

 الجمعيّة اللبنانيّة للفنون البصريّة
أعمال نبيل نحاس في بينالي البندقية

في هذه الألوان، يسعى نحاس إلى الحفاظ على قدرة الإنسان على الدهشة أمام اتساع الكون وجماله. فالأمل، بالنسبة لمن لا يزال يحمل قلبا محبا، يكمن في الإحساس بالاتساع الكوني، وباللون ذاته الذي لا يمكن الظلمة أن تلتهمه بالكامل. إنه أمل شديد الوحدة، يعترف بأن الأشجار ربما هي في طور الاختفاء تحت ثقل الغيوم الاصطناعية السامة، لكن الجمال الليلي لا يزال قائما. وهكذا يبقى السؤال معلقا: هل تبدو الألوان هنا كأثر لشيء فقد، أم كبذرة لشيء قد يعود يوما ما؟

يوفر نبيل نحاس حيزا لما يمكن أن نسميه "اليتيم الكوني"، ذلك الإنسان الذي يشعر بموت الإنسانية، لكنه لا يزال يتوق إلى خير مطلق

من خلال إنشاء هذه الباحة الميتافيزيقية في البندقية، يوفر نبيل نحاس حيزا لما يمكن أن نسميه "اليتيم الكوني"، ذلك الإنسان الذي يشعر بموت الإنسانية، لكنه لا يزال يتوق إلى خير مطلق. فالأمل هنا يكمن في قدرتنا المستمرة على التعرف إلى الجمال الذي نفقده. في هذا السياق، يصبح "العالم المقدس" شبحا نراقبه وهو يبتعد. وبالنسبة لأولئك الذين لا يزالون يحملون قلبا إنسانيا محبا، تمنح اللوحات مساحة نبيلة للحداد على حقيقة أن المقياس الإلهي للكون سيواصل رقصته المثالية والمضيئة، حتى فيما يتلاشى الحيز الإنساني الذي شغلناه، كما تتلاشى الغيوم فوق أشجار الأرز في أعماله. إنها الشهادة الأخيرة المرتجفة لما يعنيه أن يكون الإنسان شاهدا على اللامتناهي، في اللحظة ذاتها التي يغلق فيها العبور عند العتبة الأخيرة.

font change

مقالات ذات صلة