"النووي" والسلاح... شراكة مصرية متنامية مع روسيا والصين

القاهرة تنوّع خياراتها في مواجهة تحولات سوق الطاقة والنظام الدولي

هيئة المحطات النووية المصرية
هيئة المحطات النووية المصرية
أعمال بناء محطة الضبعة النووية التي تعمل بتقنية روسية في مصر

"النووي" والسلاح... شراكة مصرية متنامية مع روسيا والصين

تمضي مصر في تسريع تعاونها النووي مع شركة روساتوم الروسية، في وقت تتزايد فيه تقلبات أسواق الطاقة العالمية وتتصاعد المخاطر الجيوسياسية التي تهدد إمدادات الطاقة.

وتسعى القاهرة من خلال هذا التعاون إلى تنويع مزيج الطاقة وخفض اعتمادها على الوقود الأحفوري، بما يعزز أمن الإمدادات ويحد من تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار الوقود، بالتوازي مع طموحها الأوسع لترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة وتنويع شراكاتها الدولية.

وتبني شركة "روساتوم" الروسية حاليا محطة الضبعة النووية، وهي منشأة بقدرة 4.8 جيغاواط في مدينة الضبعة الساحلية بمحافظة مطروح شمال غرب مصر. وتضم المحطة أربعة مفاعلات، بقدرة 1.2 جيغاواط لكل منها، وتستهدف القاهرة تشغيلها بالكامل في عام 2030، لتوفر نحو 10 في المئة من احتياجات البلاد من الكهرباء.

وتنتج مصر نحو 229 تيراواط ساعة من الكهرباء سنويا، وفق بيانات حكومية، فيما تعمل القاهرة على تعزيز قدرات الربط الكهربائي مع دول الجوار والأسواق الإقليمية، بما يتيح زيادة صادرات الكهرباء وترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة. وفي 2024 صدّرت مصر بالفعل نحو 1.11 تيراواط ساعة من الكهرباء، معظمها إلى ليبيا والأردن، وفق بيانات التجارة الدولية.

غير أن توليد هذه الكميات يفرض على البلاد أعباء مالية ثقيلة، بسبب استيراد الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء. وفي مارس/آذار من هذا العام، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن تكلفة توفير المنتجات البترولية التي تحتاجها الكهرباء تبلغ نحو 600 مليار جنيه مصري سنويا، بينما تدفع وزارة الكهرباء نحو 100 مليار جنيه منها، وفق تصريحات نقلتها تقارير محلية. ويعادل المبلغ نحو 11.5 مليار دولار بأسعار الصرف المستخدمة آنذاك.

إن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية تتسبب في معاناة اقتصادية للدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، مثل مصر

الخبير الاقتصادي المستقل علي الإدريسي

وتعتمد محطات الكهرباء المصرية بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، الذي وفر نحو 75 في المئة من إجمالي توليد الكهرباء في 2025، وفق وكالة الطاقة الدولية، فيما يأتي الجزء المتبقي من النفط والطاقة الكهرومائية ومصادر الطاقة المتجددة. ويُستخدم المازوت، وهو وقود نفطي ثقيل، كوقود بديل في بعض محطات التوليد، خصوصا عند تراجع إمدادات الغاز.

أزمة الوقود

تتحمل الحكومة المصرية معظم تكلفة توليد الكهرباء من خلال دعم الوقود، فيما يدفع المستهلكون الجزء المتبقي عبر فواتير الاستهلاك. لكن تصاعد التوترات الإقليمية، ولا سيما الحرب في إيران، دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع الحاد، وحول تكلفة توليد الكهرباء إلى عبء يصعب على الخزانة المصرية تحمله.

ويتفاقم هذا العبء مع تراجع قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، إذ تضطر البلاد إلى دفع مبالغ أكبر بالعملة المحلية مقابل الكميات نفسها من الواردات، وفي مقدمتها الوقود، بحسب اقتصاديين.

هيئة المحطات النووية المصرية
صور من تدشين محطة الضبعة النووية في مصر بالتعاون مع روسيا

وقال الخبير الاقتصادي المستقل علي الإدريسي: "إن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية تسبب في معاناة اقتصادية للدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، مثل مصر"، وأضاف في حديثه إلى "المجلة" أن ارتفاع أسعار الطاقة يعني زيادة تكلفة الإنتاج، ومن ثم فرض مزيد من الأعباء على عشرات الملايين من المستهلكين

ويبدو أن هذا الضغط أحد الأسباب التي تدفع مصر إلى تقليص اعتمادها على الوقود التقليدي والتوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية. وبحسب أليكسي ليخاتشيف، الرئيس التنفيذي للمجموعة الروسية، تتركز المحادثات الجارية بين الحكومة المصرية و"روساتوم" على توسيع محطة الضبعة.

 يبدو أن مساعي مصر لزيادة الاعتماد على الطاقة النووية ليست سوى تفصيل صغير في سياق إقليمي أوسع، تشهد فيه دول المنطقة تحولا تدريجيا من الاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة

وقال: "نجري محادثات مع الجانب المصري لإضافة مفاعلين آخرين إلى المحطة"، وذلك عقب اجتماع عقده مع وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري في موسكو أواخر أغسطس/آب.

وقال في وقت سابق من يوليو/تموز إن الحكومة المصرية تتفاوض مع مجموعته أيضا على إنشاء محطات طاقة أخرى صغيرة، من بينها محطات عائمة.

في المقابل، يبدو أن مساعي مصر لزيادة الاعتماد على الطاقة النووية ليست سوى تفصيل صغير في سياق إقليمي أوسع، تشهد فيه دول المنطقة تحولا تدريجيا من الاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يصافح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، موسكو، 3 أبريل/نيسان 2026

وأصبحت صفقة تعاون نووي بين السعودية والولايات المتحدة أحدث تجليات هذا التحول. فالصفقة، التي جرى التوصل إليها في يوليو/تموز، ستسمح للشركات الأميركية بتصدير التكنولوجيا النووية المدنية إلى المملكة. وتشمل مساعي مصر لتقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري زيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة، التي توفر حاليا نحو 12 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد.

وتطمح الحكومة إلى رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني إلى 42 في المئة بحلول عام 2030، ثم إلى 60 في المئة في عام 2040.

طموح مركز الطاقة

يخدم التوسع في الطاقة النووية والمتجددة هدفا اقتصاديا مهما، في وقت تمضي فيه مصر بخطة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة. وتستند القاهرة في هذا المسعى إلى موقعها الجغرافي عند ملتقى أسواق إنتاج الطاقة واستهلاكها، فضلا عن وجود قناة السويس على أراضيها.

كما تتطلع مصر إلى الاستفادة من الثروات الهيدروكربونية الكبيرة المكتشفة في شرق البحر المتوسط، ولا سيما الغاز الطبيعي، إذ تضم مياهها الإقليمية حقل ظهر، أكبر اكتشاف للغاز في المتوسط بموارد تتجاوز 30 تريليون قدم مكعبة.

تتطلع مصر إلى الاستفادة من الثروات الهيدروكربونية الكبيرة المكتشفة في شرق البحر المتوسط، ولا سيما الغاز الطبيعي، إذ تضم مياهها الإقليمية حقل ظهر، أكبر اكتشاف للغاز في المتوسط بموارد تتجاوز 30 تريليون قدم مكعب

ووصف الرئيس التنفيذي لشركة إني، كلاوديو ديسكالزي، التي اكتشفت الحقل بأنه سيغير "مشهد الطاقة" في مصر. وعندما بدأ الحقل الإنتاج في ديسمبر/كانون الأول 2017، بدأ إنتاج الغاز المصري في الارتفاع سريعا، مما ساعد القاهرة في وقف واردات الغاز الطبيعي المسال في 2018 والعودة إلى وضع المصدر الصافي للغاز في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

وتملك مصر أيضا محطتي إسالة في إدكو ودمياط، مما يمنحها دورا محوريا في معالجة وإعادة تصدير غاز المنطقة. كما تتطلع مصر إلى الاستفادة من الثروات الهيدروكربونية الكبيرة التي اكتُشفت في شرق البحر المتوسط، والتي منحتها اكتشافات ضخمة مثل حقل ظهر، إلى جانب بنيتها التحتية المتطورة للغاز، موقعا محوريا في تجارة الغاز الإقليمية.

وقامت استراتيجيا مصر على استغلال بنيتها التحتية للغاز، عبر استقبال الإنتاج المحلي والغاز من دول منتجة أخرى في المنطقة، ثم إسالتِه في منشآتها وتصديره إلى الأسواق الدولية. إلا أن التراجع الملحوظ في إنتاج الغاز الطبيعي، إلى جانب ارتفاع الطلب المحلي، وجه ضربة إلى طموح القاهرة في التحول إلى مركز إقليمي للغاز والطاقة.

وقال رمضان أبو العلا، المتخصص في أسواق الطاقة، لـ"المجلة": "إن انخفاض الإنتاج أثر سلبا في قدرة مصر على إرسال غازها إلى السوق الدولية، وأجبرها على الإسراع في تأمين واردات إضافية"، وأضاف أن هذا التراجع يهدد بتعثر حلم التحول إلى مركز للطاقة، رغم استمرار القاهرة في تكثيف جهودها لتحقيقه.

وهبط إنتاج مصر من الغاز الطبيعي من 6.5 مليارات قدم مكعبة يوميا في ديسمبر/كانون الأول 2021 إلى 3.9 مليارات قدم مكعبة يوميا في ديسمبر/كانون الأول 2025. ولا يلبي هذا الإنتاج الطلب المحلي البالغ 6.2 مليارات قدم مكعبة يوميا إلا بالكاد، فيما يرتفع الطلب إلى سبعة مليارات قدم مكعبة خلال فصل الصيف. وتحاول القاهرة تعويض النقص عبر زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، الذي تعالجه وتعيد تصديره.

وتعتمد في ذلك على سلسلة من صفقات الاستيراد التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات مع عدد من المنتجين الإقليميين، ولا سيما إسرائيل وقبرص. وتضع هذه الترتيبات قدرة القاهرة على موازنة علاقاتها مع القوى الإقليمية المتنافسة أمام اختبار، وخصوصا تركيا، التي تبني مصر معها تحالفا يزداد قوة.

تؤدي روسيا دورا مهما في مساعدة مصر على تنويع مصادر تسليحها، إذ كانت تمثل 20 في المئة من واردات الأسلحة الرئيسية المصرية في الفترة 2019–2023

ويرى خبراء أن التوسع في استخدام الطاقة النووية سيتيح لمصر توفير جزء من الغاز الطبيعي المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء وتوجيهه إلى التصدير. ومن شأن ذلك أن يوفر إيرادات إضافية ويدعم الطموح الأوسع للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.

التحالف مع موسكو

تبلغ تكلفة مشروع محطة الضبعة نحو 30 مليار دولار، يمول قرض روسي نحو 85 في المئة منها، أي قرابة 25 مليار دولار، على أن تسدد مصر القرض على مدى 22 عاما بعد استلام الوحدات النووية.

وتتيح تعديلات أُدخلت في يونيو/حزيران 2025 على اتفاقية القرض لمصر سداد مستحقاته بالروبل الروسي بدلا من العملات الأجنبية، في خطوة قد تخفف الحاجة إلى تدبير عملات أجنبية، ولا سيما الدولار، لسداد القرض. وتتجاوز أبعاد المشروع الحسابات الاقتصادية إلى اعتبارات سياسية تتصل برغبة القاهرة في توطيد علاقاتها مع موسكو، وتنويع شراكاتها الدولية، وتحقيق قدر أكبر من التوازن في علاقاتها مع القوى الغربية، بحسب محللين.

أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلادمير بوتين لدى استقباله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في الكرملين، موسكو، 9 مايو/أيار 2025

وتؤدي روسيا دورا مهما في مساعدة مصر على تنويع مصادر تسليحها، إذ كانت تمثل 20 في المئة من واردات الأسلحة الرئيسة المصرية في الفترة 2019–2023، بعدما بلغت حصتها 41 في المئة في 2017–2021. ويمنح هذا التنويع القاهرة هامشا أوسع في مواجهة اعتماد المنطقة الكبير على الموردين الغربيين، ولا سيما الولايات المتحدة، التي ترتبط سياستها في نقل الأسلحة إلى الشرق الأوسط بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل.

تعتمد مصر أيضا على الصين في الحصول على بعض احتياجاتها العسكرية، وإن كانت الصين لا تزال موردا أصغر مقارنة بروسيا والدول الأوروبية الرئيسة. ومع ذلك، يظل التعاون العسكري جزءا من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية مع موسكو وبكين

ويشغل الجيش المصري منظومة معقدة من المعدات العسكرية الغربية والشرقية، ويحصل من روسيا على بعض منظومات الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة والقطع البحرية.

وتعتمد مصر أيضا على الصين في الحصول على بعض احتياجاتها العسكرية، وإن كانت الصين لا تزال موردا أصغر مقارنة بروسيا والدول الأوروبية الرئيسة. ومع ذلك، يظل التعاون العسكري جزءا من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية مع موسكو وبكين، إذ بلغ التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 17.4 مليار دولار في 2024، فيما بلغ نحو 6.6 مليار دولار مع روسيا وفق البيانات المصرية. ويشير محللون إلى أن روسيا تتحرك انطلاقا من مصالح استراتيجية واضحة، إذ تخدم صفقة الضبعة مصالحها أيضا.

أ.ف.ب
صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤس نووية، ضمن العرض العسكري الصيني، في بكين خلال الاحتفال بذكرى الفوز على اليابان في الحرب العالمية الثانية، 3 سبتمبر/أيلول 2025

وتسعى موسكو إلى توطيد علاقاتها مع القاهرة، التي تمثل دولة محورية في الإقليم ازدادت أهميتها بعد خسارة روسيا موطئ قدمها في سوريا، إثر سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وقال الباحث السياسي محمد ربيع الديهي: "إن صفقة محطة الطاقة النووية كشفت رغبة البلدين في بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد".

وأضاف أن روسيا تساعد مصر في تنويع شراكاتها الدولية على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وقال لـ"المجلة": "إن التعاون الوثيق مع مصر يساعد روسيا أيضا في توسيع نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويفتح أمامها أسواقا مهمة في وقت تخضع فيه لعقوبات غربية قاسية".

font change

مقالات ذات صلة