مصر تراهن على السيارات الكهربائية لخفض فاتورة الوقودhttps://www.majalla.com/node/331757/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%87%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D9%81%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%88%D8%AF
مصر تراهن على السيارات الكهربائية لخفض فاتورة الوقود
استراتيجيا تجمع بين توطين الصناعة وتحويل أسطول النقل والتوسع في الطاقة النظيفة
رويترز
صندوق شحن لسيارة كهربائية في محطة شحن تابعة لشركة "ريفولتا" بالقاهرة، في إطار الجهود الرامية إلى خفض استهلاك الوقود وتقليل البصمة الكربونية لمصر تدريجيا، 19 فبراير 2018
مصر تراهن على السيارات الكهربائية لخفض فاتورة الوقود
قررت الحكومة المصرية تسريع تبني السيارات الكهربائية، في مسعى إلى تقليل الاعتماد على واردات النفط والمنتجات البترولية، وتخفيف الضغوط الطويلة الأمد على موازنة الدولة.
ومع بلوغ فاتورة هذه الواردات 21 مليار دولار في السنة المالية 2024-2025، باتت السيارات الكهربائية تطرح نفسها بوصفها حلا عمليا للحد من نزيف العملات الأجنبية إلى الخارج، ومدخلا في الوقت نفسه إلى تحديث قطاع النقل المحلي.
وحسب اجتماع رئاسة مجلس الوزراء المصري في مايو/أيار الماضي، تتضمن الخطة التي تم إقرارها، تحسين كفاءة تشغيل أسطول السيارات الحكومية ليكون الجهاز الإداري للدولة نموذجا يحتذى به في تفعيل استراتيجيا النقل الأخضر.
ولا تعد استراتيجيا مصر في مجال السيارات الكهربائية جديدة تماما، فقد بدأت قبل سنوات عبر خطة للتصنيع المحلي، تستند إلى سلسلة من الشراكات مع كبار المنتجين، ولا سيما من الصين.
غير أن هذه الاستراتيجيا اكتسبت أهمية إضافية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة أخيرا، وما رافقها من ضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، الأمر الذي عزز الاهتمام بتقليل الاعتماد على الوقود وتطوير بدائل أكثر استدامة.
لا تعد استراتيجيا مصر في مجال السيارات الكهربائية جديدة تماما، فقد بدأت قبل سنوات عبر خطة للتصنيع المحلي، تستند إلى سلسلة من الشراكات مع كبار المنتجين، ولا سيما من الصين
فمصر، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط والمنتجات البترولية من دول الخليج، تضررت بشدة من تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
وتكشف الأرقام حجم الضغوط التي فرضتها الحرب على فاتورة الطاقة المصرية. ففي 18 مارس/آذار الماضي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن تكلفة واردات الطاقة ارتفعت إلى أكثر من مثلي مستواها منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، نتيجة اضطراب الأسواق وارتفاع أسعار الوقود عالميا. وتدعم البيانات الرسمية هذا الاتجاه، إذ ارتفعت واردات مصر من الغاز إلى نحو 8.9 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ4.9 مليار دولار في العام السابق، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. كما زادت فاتورة الواردات البترولية بنحو 23 في المئة، مما يعكس الأعباء المتنامية التي تتحملها المالية العامة لتأمين احتياجات البلاد من الطاقة.
وقد صعّبت الحرب وصول واردات الطاقة من الدول التي تستورد منها مصر وارداتها البترولية وخاصة السعودية والكويت والعراق، ورفعت تكلفتها على موازنة الدولة وعلى المستهلكين المحليين في الوقت نفسه.
وكانت واردات النفط والمنتجات البترولية، حتى قبل اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، تشكل عبئا ثقيلا على موازنة الدولة، المثقلة أصلا بضغوط واردات أساسية أخرى.
ويرى متخصصون أن فاتورة الاستيراد نفسها جعلت من السيارات الكهربائية طوق نجاة اقتصاديا محتملا، وهو ما يضع قرار الحكومة الأخير بالاستغناء عن العديد من السيارات المزودة محركات احتراق داخلي في سياق بالغ الأهمية.
وقال الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة حلوان رشاد عبده، في حديثه مع "المجلة" إن مصر لا تستطيع خفض استهلاك الوقود والتكاليف المرتبطة به من دون زيادة الاعتماد على وسائل نقل لا تعتمد على الوقود التقليدي.
وأضاف عبده: : "أصبحت فاتورة استيراد النفط والمنتجات البترولية مصدر قلق حقيقيا للحكومة المصرية، نظرا إلى حجمها الهائل.".
فاتورة باهظة
يمثل قطاع النقل نحو ثلث استهلاك مصر السنوي للطاقة، وهو ما يكشف حجم الضغط الذي تفرضه السيارات العاملة بالبنزين والديزل على موازنة دولة ترزح تحت أعباء اقتصادية جسيمة. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) لعام 2023، استحوذ قطاع النقل على 32 في المئة من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة في مصر، مقابل 28 في المئة للقطاع الصناعي، مما يجعل النقل أكبر قطاع مستهلك للطاقة في البلاد.
وتكفي جولة قصيرة في شوارع القاهرة، حيث لا تهدأ أبواق السيارات ولا تتوقف عوادمها عن نفث الدخان، لإظهار التكلفة البيئية الباهظة التي تتحملها مصر من أجل إبقاء هذه المركبات على طرقها.
وتعد العاصمة المصرية من بين أكثر مدن العالم تلوثا، إذ يُنسب إلى النقل البري نحو 33 في المئة من مستويات الجسيمات الدقيقة القابلة للاستنشاق، المعروفة باسم PM2.5، في منطقة القاهرة الكبرى، التي تضم أيضا محافظتي الجيزة والقليوبية.
وفي حلول أواخر عام 2025، كانت شوارع مصر تستوعب 11.05 مليون مركبة مرخص لها، تعمل غالبية الساحقة منها بمحركات احتراق داخلي. ويتركز أكثر من ربع هذه المركبات في القاهرة، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 10.5 ملايين نسمة، أي ما يقارب عدد سكان النروج وفنلندا مجتمعتين.
جهود حثيثة
تشكل الأعباء الثقيلة التي تفرضها مركبات الاحتراق الداخلي على جودة الهواء في مصر، وكذلك على موازنة الدولة، أحد الدوافع الرئيسة وراء سعي الحكومة إلى تقليص أعدادها وتشجيع التحول إلى السيارات الكهربائية.
وفي عام 2023، وفي إطار جهود توطين الصناعة، فعّلت مصر البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات، الذي يستهدف جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وزيادة المكون المحلي وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة، بما يدعم تحول البلاد إلى مركز إقليمي لإنتاج السيارات.
ناقلة النفط "بونغا كاستوري" (Bunga Kasturi) أثناء عبورها قناة السويس، بالتزامن مع احتفال مصر بالذكرى الـ150 لافتتاح القناة، 17 نوفمبر 2019
وتحتل السيارات الكهربائية موقعا محوريا في هذا البرنامج، الذي يطمح إلى تحويل مصر إلى مركز لتصنيع السيارات وتصديرها، مستفيدا من موقع البلاد الجغرافي ووفرة مواردها البشرية وتحسن مناخها الاستثماري.
ويهدف البرنامج كذلك إلى توسيع نطاق الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على المكونات المصنعة داخل البلاد، مع طموح إلى إنتاج ما لا يقل عن 10,000 سيارة كهربائية سنويا.
وترمي الشراكات التي أبرمتها مصر مع شركات صينية إلى تعزيز قدرات التصنيع والتجميع المحلي للسيارات، وزيادة الاعتماد على المكونات المنتجة محليا، في إطار استراتيجيا تستهدف تحويل البلاد إلى مركز إقليمي لصناعة السيارات والتصدير.
وفي الوقت نفسه، خفضت الحكومة الرسوم والتعريفات الجمركية على السيارات الكهربائية المستوردة ومكوناتها ومعدات محطات الشحن.
ويرى متخصصون في الصناعة أن هذه الإجراءات، وغيرها، تفتح المجال أمام توسيع إنتاج السيارات الكهربائية وتهيئة الظروف التي يمكن أن تجعل من مصر منتجا رئيسا في هذا القطاع.
يهدف البرنامج كذلك إلى توسيع نطاق الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على المكونات المصنعة داخل البلاد، مع طموح إلى إنتاج ما لا يقل عن 10,000 سيارة كهربائية سنويا
وقال نشأت حتة، رئيس قسم صناعة السيارات في اتحاد المستثمرين الأفرو - آسيويين، لـ"المجلة": "أصبحت السيارات الكهربائية خيارا استراتيجيا للحد من الآثار البيئية للاعتماد المفرط على مركبات الاحتراق الداخلي، وتقليص فاتورة استيراد الوقود التقليدي.".
وأضاف أن مصر، من خلال تشجيع تبني السيارات الكهربائية، تنخرط في اتجاه عالمي متصاعد، تكتسب فيه وسائل النقل الأقل تكلفة والأخف وطأة على البيئة زخما متزايدا.
التكلفة السياسية للوقود
لا تتوفر معلومات دقيقة عن حجم أسطول المركبات الإدارية الحكومية، الذي يتكون من المركبات التي يستخدمها المسؤولون الحكوميون، بمن فيهم الوزراء، والعاملون الإداريون في جهاز حكومي يوظف قرابة خمسة ملايين شخص.
وسيتم التحول إلى السيارات الكهربائية تدريجيا على مدى سنوات عدة، وسط آمال بأن يسهم ذلك في خفض الإنفاق على واردات الوقود، وتشجيع الجمهور على السير في الاتجاه نفسه.
ويقول اقتصاديون إن واردات النفط لا تنطوي على تكلفة اقتصادية فحسب، بل تحمل بعدا سياسيا أيضا.
مشهد لمركبات عالقة في ازدحام مروري في منطقة العتبة، وسط العاصمة المصرية القاهرة، التي تُعد أكبر مدينة عربية من حيث عدد السكان، وهي من بين أكثر مدن العالم ازدحاماً، 22 فبراير 2021
وقال البروفسور عبده: "إن ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية يجبر الحكومة دائما على رفع الأسعار على المستهلكين المحليين.".
"مصر، من خلال تشجيع تبني السيارات الكهربائية، تنخرط في اتجاه عالمي متصاعد، تكتسب فيه وسائل النقل الأقل تكلفة والأخف وطأة على البيئة زخما متزايدا"
نشأت حتة، رئيس قسم صناعة السيارات في اتحاد المستثمرين الأفرو - آسيويين
وأضاف: "يثير هذا الأمر غضب الرأي العام، ويسلط الضوء على التكلفة السياسية التي قد تترتب على ارتفاع الأسعار.".
وفي مساعيها إلى خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، تعول مصر أيضا على التوسع في الطاقة المتجددة والطاقة النووية. ففي منطقة الضبعة على ساحل البحر المتوسط، تُشيّد الحكومة أول محطة نووية في البلاد بالتعاون مع روسيا، بقدرة إجمالية تبلغ 4,800 ميغاواط. ومن المتوقع أن تدخل وحداتها الخدمة تدريجيا حتى يكتمل تشغيلها في حلول عام 2030، لتوفر نحو 10 في المئة من احتياجات مصر من الكهرباء.
وتطمح مصر كذلك إلى توليد 42 في المئة من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر متجددة في حلول عام 2035.
طريق وعر
غير أن التوجه الوطني نحو استخدام السيارات الكهربائية لا يزال يواجه سلسلة من العقبات. فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة لتوسيع نطاق هذا الاستخدام، يبقى الإقبال عليها محدودا.
ووفق بيانات المجمعة المصرية للتأمين الإجباري على المركبات، لم يتجاوز عدد السيارات الكهربائية المرخص لها في مصر 18,500 سيارة خلال الفترة بين 2021 و2025، وهو ما يعكس محدودية انتشارها مقارنة بحجم أسطول المركبات في البلاد. ومع أن هذا العدد واصل الارتفاع خلال عام 2026، فإنه لا يزال يمثل نسبة ضئيلة من إجمالي عدد المركبات في البلاد.
سائقون يقفون إلى جانب سيارات كهربائية مع بدء مصر تشغيل أول خدمة لسيارات الأجرة الكهربائية، في العاصمة الإدارية الجديدة، شرق القاهرة، في 16 مايو 2024
ويرى خبراء أن هذا الإقبال المحدود يعود إلى مشكلات تحد من حماسة الجمهور للسيارات الكهربائية، وفي مقدمتها نقص البنية التحتية الكافية للشحن.
ففي النصف الأول من عام 2025، لم يتجاوز عدد نقاط شحن السيارات الكهربائية 1,500 نقطة في أنحاء مصر كافة. ويغذي هذا النقص ما يصفه البعض بـ"قلق مدى الشحن"، خصوصا خارج المدن الكبرى، حيث يصبح العثور على نقطة شحن مهمة صعبة.
ووصف خبير صناعة السيارات جمال عسكر في حديثه مع "المجلة" طموح الحكومة في مجال البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية، بما في ذلك السعي إلى الوصول إلى 3,000 نقطة شحن، بأنه "متواضع".
وقال عسكر: "إن الطرق المؤدية إلى هذه النقاط تتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية التكنولوجية"، مضيفا أن "الطرق المؤدية إلى هذه النقاط تتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية التكنولوجية.".
في النصف الأول من عام 2025، لم يتجاوز عدد نقاط شحن السيارات الكهربائية 1,500 نقطة في أنحاء مصر كافة
وتخطط الحكومة لمضاعفة عدد نقاط الشحن، غير أن هذه الخطة تواجه تأخيرا، مما يترك مناطق واسعة خارج القاهرة والإسكندرية، المدينة الساحلية الرئيسة على المتوسط، مكشوفة أمام نقص واضح في خدمات الشحن.
ومن جهة أخرى، لا تزال السيارات الكهربائية أغلى من السيارات العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي، ولا سيما بالنسبة إلى المستهلكين العاديين الذين يواجهون ارتفاعا مستمرا في أسعار السلع الأساس، وسط تضخم مرتفع وضعف في القوة الشرائية للجنيه المصري.
وعلى الرغم من أن الحكومة تقدم دعما يصل إلى 50 ألف جنيه مصري (نحو ألف دولار) لمشتري أول 100 ألف سيارة كهربائية مصنَّعة محليا، فإن هذا الحافز يُنظَر إليه على نطاق واسع باعتباره غير كافٍ لتقليص فجوة الأسعار، إذ تتراوح أسعار السيارات الكهربائية في السوق المصرية بين نحو 500 ألف جنيه (10,000 دولار) و3 ملايين جنيه (60,000 دولار)، بحسب العلامة التجارية والطراز وحالة المركبة.
ولهذا يوصي خبراء بتقديم حوافز أقوى، وضخ استثمارات واسعة في البنية التحتية، وإطلاق حملات توعية تشجع المواطنين على اقتناء السيارات الكهربائية.
وقال عسكر: "إن مصر تتحرك، وإن ببطء، لتنفيذ استراتيجيتها الخاصة بالسيارات الكهربائية.".
وختم عسكر: "نحن أيضا بحاجة إلى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع تصنيع السيارات الكهربائية، إلا أن هذا الاستثمار لن يتحقق إلا في ظل نموذج شراكة يحقق الربح للطرفين في هذا المجال".