الاقتصاد المصري بين اختبارات 2025 ورهانات 2026 ... تعافٍ هش تخنقه الديون

استعادة الثقة وسط هواجس الانفاق الاجتماعي والاستثماري وتكلفة الاقتراض تستنزف 65 ي المئة من إيرادات الدولة

المجلة
المجلة

الاقتصاد المصري بين اختبارات 2025 ورهانات 2026 ... تعافٍ هش تخنقه الديون

لم يكن عام 2025 عاديا في مسار الاقتصاد المصري، بل جاء في سياق عالمي وإقليمي شديد الاضطراب، اتسم بتوترات جيوسياسية، وارتباكات في أسواق الطاقة، وتباطؤ متوقع في النمو العالمي. هذه العوامل فرضت ضغوطا مباشرة على الموازنة العامة والدين العام وتدفقات الاستثمار، لكنها لم تمنع الدولة من المضي في مسار اقتصادي استهدف استعادة الاستقرار النقدي وتعزيز النمو المستدام.

أبرز إنجازات العام المنصرم تمثلت في النجاح الواضح في احتواء التضخم، الذي تراجع معدله من مستويات تجاوزت 38 في المئة في فترات سابقة إلى نحو 12,3 في المئة في نوفمبر /تشرين الثاني 2025، مقارنة بنحو 24 في المئة في مطلع العام نفسه.

جاء هذا الانخفاض نتيجة مباشرة للسياسة النقدية الفائقة التشدد التي تطبقها لجنة السياسة النقدية منذ مارس/آذار 2024، المتمثلة برفع معدلات الفائدة، وتجفيف السيولة، وتعويم الجنيه المصري.

سجل الميزان التجاري المصري تحسنا ملحوظا خلال عام 2025، إذ تراجع العجز بنسبة 16% ليصل إلى 26,3 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر. ويعزى هذا التحسن إلى سياسات هدفت إلى تعزيز الصادرات

وقد انعكس هذا التحول إيجابا على سوق الصرف الأجنبي، إذ تراجعت ظاهرة الدولرة، واستقر سعر الجنيه، وتحول مسار الدولار من مستويات تجاوزت 51 جنيها إلى نطاق يلامس 47,65 جنيها، وسط تقديرات بأن ما جرى يمثل تعويما مدارا للسيطرة على سوق الصرف بعد تجريم التداول خارج النظام المصرفي.

تحسن التجارة والاستثمار وجدل حول بيع الأصول

على الصعيد التجاري، سجل الميزان التجاري المصري تحسنا ملحوظا خلال عام 2025، إذ تراجع العجز بنسبة 16 في المئة ليصل إلى 26,3 مليار دولار خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أكتوبر/تشرين الأول. ويعزى هذا التحسن إلى سياسات تجارية أكثر انفتاحا هدفت إلى تعزيز الصادرات العالية القيمة، وفتح أسواق جديدة، والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة، إلى جانب انتعاش السياحة والتحويلات المالية.

.أ.ف.ب
صورة جوية لمبنى بنك في مصر في وسط القاهرة، 9 فبراير 2023

في موازاة ذلك، شهد 2025 زخما غير مسبوق في صفقات الاستحواذ وبيع الأصول، سواء عبر البورصة أو من خلال الصناديق السيادية العربية. وشملت هذه الصفقات بيع حصص في "البنك التجاري الدولي"، وشركة "فوري"، وشركات الأسمدة الكبرى مثل "موبكو" و"أبو قير"، إضافة إلى صفقة "الشرقية للدخان". وجاءت هذه التحركات في إطار وثيقة ملكية الدولة، التي تستهدف تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد وإفساح المجال أمام القطاع الخاص.

وقادت شركات سعودية وإماراتية وقطرية معظم هذه الاستحواذات، في مؤشر واضح الى تنامي الثقة بالسوق المصرية. وساهمت هذه الصفقات في دعم احتياطيات النقد الأجنبي، لا سيما مع تحويل جزء من المديونيات إلى استثمارات مباشرة، وإن كان ذلك قد حمل "نكهة بيع الأصول"، مما أثار مخاوف شريحة من الرأي العام من تفريغ الدولة من أصولها الاستراتيجية.

توقع صندوق النقد الدولي نموا للاقتصاد المصري بنسبة 4,5 % خلال السنة المالية 2025-2026، فيما رفع البنك الدولي توقعاته للنمو إلى 4,3 في المئة

وقد برز هذا الجدل في ملف "شركة الحديد والصلب"، إذ تراجعت الدولة عن بيعها بعد ضغط شعبي واسع، وقررت تطوير مصنعها بدلا من تصفيته، في خطوة عكست حساسية التوازن بين الإصلاح المالي والحفاظ على رمزية الصناعة الوطنية.

الدين وتكلفة الاقتراض… التحدي الأخطر

على الرغم من المؤشرات الإيجابية، بقي الدين العام، خصوصا الخارجي، التحدي الأخطر أمام الاقتصاد المصري. فقد ارتفع الدين الخارجي بنحو 6 مليارات دولار منذ بداية عام 2025، ليصل إلى 161,2 مليار دولار في حلول نهاية الربع الثاني من السنة المالية الجارية، مقارنة بـ155,1 مليار دولار في الربع الرابع من عام 2024، وفق بيانات البنك المركزي ووزارة التخطيط.

.أ.ف.ب
المقر الجديد للبنك المركزي المصري، في العاصمة الإدارية 1 أغسطس 2023

وتستنزف فوائد القروض والأقساط أكثر من 65 في المئة من إيرادات الدولة، مما ينتج عجزا مزمنا في الموازنة، ويقلص قدرة الحكومة على التوسع في الإنفاق الاجتماعي والاستثماري. وشهد عام 2025 تغيير وزير المالية، في محاولة للسيطرة على مسار الدين الخارجي، عبر حزمة من الضرائب والتسهيلات الضريبية الهادفة إلى توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي.

غير أن هذه السياسات ترافقت مع زيادات في أسعار المحروقات، مرتين خلال العام، وارتفاع أسعار السلع والخدمات والنقل، والقروض الاستهلاكية، إضافة إلى زيادة الضريبة العقارية وإقرار قوانين أثارت جدلا واسعا، أبرزها قانون الإيجار القديم. كما شهد العام انتقال عدد متزايد من المستشفيات إلى القطاع الخاص، مع دخول استثمارات عربية في قطاعي الصحة والتعليم، مما زاد من المخاوف الاجتماعية المرتبطة بتكلفة الخدمات الأساسية.

2026 بين التفاؤل والهواجس الإقليمية والدولية

مع بداية عام 2026، تتقاطع التوقعات المتفائلة لمؤسسات التمويل الدولية مع واقع داخلي وإقليمي معقد. فقد توقع صندوق النقد الدولي نموا للاقتصاد المصري بنسبة 4,5 في المئة خلال السنة المالية 2025-2026، فيما رفع البنك الدولي توقعاته للنمو إلى 4,3 في المئة، مع إمكان بلوغه 4,8 في المئة في العام التالي، وعدلت وكالة "فيتش" توقعاتها إلى نحو 4,9 في المئة.

عبء الدين العام لا يزال مرتفعا، والاعتماد الكبير على السياحة والتحويلات يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية

الدكتور محمد فؤاد، عضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لدى مجلس الوزراء

وتستند هذه التوقعات إلى تحسن الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعافي القطاعات غير النفطية مثل السياحة والتصنيع والتصدير، إضافة إلى نمو الناتج المحلي بنسبة 4,77 في المئة في الربع الثالث من السنة المالية 2024/2025. غير أن هذه الآفاق الإيجابية تظل مشروطة باستدامة الإصلاحات، وعودة إيرادات قناة السويس إلى مستوياتها الطبيعية، في ظل تراجعها خلال عام 2025.

ويرى عضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لدى مجلس الوزراء، الدكتور محمد فؤاد، أن "عبء الدين العام لا يزال مرتفعا، والاعتماد الكبير على السياحة والتحويلات يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية، خصوصا مع تراجع إنتاج النفط والغاز وارتفاع فاتورة الاستيراد بنحو 11 مليار دولار". كذلك حذر في حديث إلى "المجلة" من أن "أي تصعيد إقليمي، لا سيما تجدد التوتر في غزة، قد ينعكس سلبا على سعر الصرف والنمو الاقتصادي".

.أ.ف.ب
صورة جوية لمدينة دمياط الساحلية في مصر، 28 مايو 2021

أما عضو مجلس إدارة "البنك المصري الخليجي" و"المصرف العربي السوداني" محمد عبد العال فتناول في حديث إلى "المجلة" بدء دورة التيسير النقدي التي انتهجها البنك المركزي المصري منذ أبريل/نيسان ومايو/أيار 2025، عبر خفض معدلات الفائدة تدريجيا، ليصل إجمالي الخفوضات حتى الآن إلى 725 نقطة أساس. وقال: "تشمل آثار هذه السياسة الإيجابية دعم الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، وتخفيف تكاليف التمويل على المشاريع، إلى جانب تأثيرها الإيجابي في سعر الصرف وتعزيز جاذبية الأسواق".

في المحصلة، يكشف مسار الاقتصاد المصري في عام 2025 عن مفارقة واضحة بين نجاح تقني في استعادة الاستقرار النقدي وبناء الثقة لدى الأسواق والمؤسسات الدولية، وبين تكلفة اجتماعية ومالية مرتفعة لا تنفك تثقل كاهل الدولة والمواطنين. ويظل التحدي الحقيقي في تحويل الاستقرار الكلي إلى نمو نوعي يشعر به المواطن، لا يقتصر على مؤشرات الاحتياطي والتصنيف الائتماني، بل ينعكس في فرص العمل وجودة الخدمات وحماية الطبقات الوسطى والأكثر هشاشة.

font change