لعقود طويلة، بقيت كابلات الإنترنت البحرية بعيدة عن الأنظار، مدفونة في أعماق المحيطات على مسافات تصل إلى آلاف الأمتار تحت سطح البحر. غير أن هذه الشرايين المصنوعة من الألياف الضوئية تنقل اليوم نحو 99 في المئة من الاتصالات الرقمية العابرة للقارات، لتشكل العمود الفقري للإنترنت العالمي، والحوسبة السحابية، واقتصاد الذكاء الاصطناعي الآخذ في التوسع. وتمتد هذه الشبكة على نحو 1,8 مليون كيلومتر من خلال نحو 700 نظام كابلات بحرية، تربط الأسواق المالية العالمية، وحركة التجارة الدولية، ومراكز البيانات السحابية، والحكومات، والشركات، ومليارات المستخدمين حول العالم. كما تدعم تدفق البيانات والمعاملات الرقمية التي تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات يوميا.
وفي ظل النمو المتسارع للطلب العالمي على البيانات، اكتسبت البنية التحتية لهذه الكابلات أهمية استراتيجية غير مسبوقة. فقد تضاعفت السعة الدولية لنقل البيانات أكثر من مرتين منذ عام 2021، فيما أصبحت الكابلات الحديثة تضم ما يصل إلى 48 زوجا من الألياف الضوئية، مما يتيح قدرات نقل هائلة. ويستغرق إنشاء كابل بحري واحد نحو عامين، بتكلفة تصل إلى مئات ملايين الدولارات، في وقت يتوقع أن تتجاوز الاستثمارات في مشاريع الكابلات البحرية الجديدة 13 مليار دولار بين عامي 2025 و2027، لمواكبة الطلب المتزايد على الخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولا تقل الجغرافيا أهمية في هذه المنظومة. فقد تحولت الممرات البحرية الضيقة، مثل القناة الإنكليزية، ومضيق ملقة، والمياه المحيطة باليابان، وخصوصا البحر الأحمر، وقناة السويس، إلى مسارات حيوية لا غنى عنها لحركة البيانات العالمية. وبرزت مصر باعتبارها واحدة من أهم عقد عبور الكابلات البحرية في العالم، إذ تربط أوروبا وآسيا وأفريقيا عبر عشرات الأنظمة الدولية.
غير أن الصراعات الإقليمية الأخيرة كشفت هشاشة هذه البنية التحتية الحيوية. فقد أظهرت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتأثيراتها على منطقة الخليج العربي، إلى جانب التوترات الأمنية المستمرة في البحر الأحمر، كيف يمكن الاضطرابات الجيوسياسية أن تهدد استقرار الإنترنت العالمي حتى من دون استهداف الكابلات بشكل مباشر. فالعمليات العسكرية، والانتشار البحري العسكري، والقيود المفروضة على الملاحة، وتعليق عمليات مد الكابلات أو إصلاحها، قد تؤخر أعمال الصيانة لأسابيع أو حتى أشهر، وترفع في الوقت نفسه تكاليف بناء الكابلات والتأمين عليها. ومن شأن أي اضطراب طويل الأمد أن يحد من مرونة الشبكات، ويعيد توجيه حركة البيانات إلى مسارات أطول، مما يؤثر في الخدمات الرقمية، والمعاملات المالية، والاتصالات السحابية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل على نطاق عالمي.
في موازاة ذلك، تشهد ملكية الكابلات البحرية تغيرات عميقة. فبعدما كانت شركات الاتصالات والائتلافات المدعومة حكوميا تمثل القوى الرئيسة في هذا القطاع، أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة، في مقدمها "غوغل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" و"أمازون"، تقود استثمارات تصل إلى مليارات الدولارات، لتمويل أو امتلاك حصص في أنظمة كابلات بحرية حديثة، بهدف تعزيز سيطرتها على البنية التحتية العالمية التي تدعم منصاتها السحابية وخدمات الذكاء الاصطناعي.
ويجسد مشروع "ووترورث" لشركة "ميتا"، الذي يمتد على أكثر من 50 ألف كيلومتر، إلى جانب توسع محفظة "غوغل" المستمرة في إنشاء كابلات بحرية خاصة، واقعا جديدا: إذ بات التحكم في البنية التحتية الرقمية يوازي في أهميته الاستراتيجية السيطرة على خطوط أنابيب الطاقة وممرات التجارة البحرية.