ما الذي يكشفه تطهير شي جينبينغ لأرفع جنرال في الصين؟

زعيم البلاد يزيح قادة الجيش على نطاق لم تشهده منذ عهد ماو، مثيرا أسئلة حول جاهزية الصين للحرب

أ ف ب
أ ف ب
الزعيم الصيني شي جينبينغ يتفقد جنود جيش التحرير الشعبي في ثكنة عسكرية في هونغ كونغ يوم 30 يونيو 2017

ما الذي يكشفه تطهير شي جينبينغ لأرفع جنرال في الصين؟

على مدى العامين الماضيين، بدا أن هناك جنرالا واحدا في الصين بمنأى عن موجة التطهير الواسعة التي طالت كبار قادة الجيش. فقد كان تشانغ يوشيا، وهو أرفع الضباط بالزي العسكري، أكثر من مجرد صديق شخصي لزعيم البلاد "شي جينبينغ". كان من القلائل الذين يمتلكون خبرة قتالية فعلية، إذ شارك بتميز في حرب الصين مع فيتنام عام 1979. هذه الخلفية عززت مكانته كنائب أول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهي الهيئة التي تشرف على القوات المسلحة ويرأسها "شي". بعض المحللين رأوا في الجنرال تشانغ العقل المدبر لعدد من حملات التطهير الأخيرة. ومع ذلك، سقط هو نفسه في تطور يعد الأكثر دراماتيكية حتى الآن.

في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني، أعلنت وزارة الدفاع أن الجنرال تشانغ (75 عاما)، ومعه عضو آخر في اللجنة العسكرية المركزية هو الجنرال ليو تشنلي، وُضعا قيد التحقيق بشبهة ارتكاب "انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون"، من دون الكشف عن أي تفاصيل إضافية. الجنرال ليو، البالغ 61 عاما، يرأس دائرة الأركان المشتركة التي تشرف على العمليات والاستخبارات والتدريب. والأهم ارتباطه بعلاقات شخصية وثيقة مع الجنرال تشانغ، كما يُعتقد، كونه أيضا من قدامى المحاربين في النزاع الحدودي مع فيتنام.

(أ.ف.ب)
تشانغ يوشيا، النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية يحضر مراسم افتتاح المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في بكين يوم 4 مارس 2025

تشير هذه التحقيقات إلى أن "شي جينبينغ" قام، عمليا، بتفريغ القيادة العسكرية بالكامل في حملة تطهير غير مسبوقة منذ وفاة ماو تسي تونغ عام 1976. ورغم أن الجنرالين تشانغ وليو لم يُعزلا رسميا بعد من مناصبهما في اللجنة العسكرية المركزية، فان مثل هذه التحقيقات غالبا ما تعني الاحتجاز، وتتبعها عادة قرارات رسمية بالإقالة. وجرى بالفعل عزل أربعة من الضباط الآخرين في اللجنة من مناصبهم الحزبية والعسكرية. ونتيجة لذلك، لم يبق في الهيئة المشرفة على جيش التحرير الشعبي، الذي يضم نحو مليوني عنصر، سوى عضوين فاعلين، هما رئيسها شي جينبينغ، ورئيس جهاز الانضباط في الجيش الجنرال تشانغ شنغمين الذي أصبح نائبا للرئيس في أكتوبر.

تشير هذه التحقيقات إلى أن شي جينبينغ قام عمليا بتفريغ القيادة العسكرية بالكامل في حملة تطهير غير مسبوقة منذ وفاة ماو تسي تونغ عام 1976

وتعد التحقيقات الأخيرة الدليل الأبرز حتى الآن على حجم التحديات التي ما يزال "شي" يواجهها في مسعاه لتحويل جيش التحرير الشعبي إلى قوة قتالية حديثة بالكامل. فمنذ توليه السلطة، بدأ بمواجهة الفساد المستشري وضعف التركيز على القتال الحقيقي عبر إقالة عشرات الجنرالات وإطلاق عملية إعادة هيكلة واسعة للجيش. وبدأت موجة جديدة من التطهير تقريبا عام 2023، بدأت بـ"قوة الصواريخ" المسؤولة عن الترسانة النووية الصينية، ثم امتدت إلى فروع أخرى وإلى دوائر تطوير المعدات والدوائر السياسية في الجيش. ومع ذلك، ما يزال الفساد قائما، وإصلاحات "شي" الهيكلية لم تكتمل. ويمكن أن يكون استهداف الجنرال تشانغ مؤشرا على استياء "شي" من عدم تحقيق نتائج أفضل قبل الموعد الذي حدده للجيش في العام المقبل ليصبح قادرا على الاستيلاء على تايوان.

وهناك احتمال آخر يتمثل في تورط الجنرال تشانغ أو أفراد من عائلته في قضايا فساد سابقة، ربما خلال فترة رئاسته للدائرة المسؤولة عن تطوير الأسلحة والمشتريات بين عامي 2012 و2017، وهي دائرة لطالما ارتبط اسمها بالفساد. وقد تكون اتهامات قديمة عادت إلى الواجهة، أو ظهرت معلومات جديدة مع توسع تحقيقات فريق "شي"، أو نتيجة تسريبات من خصوم الجنرال تشانغ. إذ إن بعض الضباط الذين استهدفتهم حملات التطهير السابقة كانوا يُعدون من المقربين له.

أ ف ب
عناصر من جيش التحرير الشعبي الصيني المتمركزين في حامية هونغ كونغ يسيرون في عرض عسكري عقب تفقد الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2017

ويمكن أن تكون حملة التطهير الأخيرة ناجمة، جزئيا، عن قلق شي جينبينغ من اتساع نفوذ الجنرال تشانغ. ويقول دنيس وايلدر من جامعة جورج تاون في واشنطن، وهو محلل سابق للشأن الصيني في وكالة الاستخبارات المركزية، إن ما يجري هو "أكثر التطورات إدهاشا في السياسة الصينية منذ بدايات صعود شي إلى السلطة". ويرى أن كثيرا من حملات التطهير الأخيرة ارتبطت بصراع بين تيار يقوده الجنرال تشانغ ومجموعة أخرى بنت مسيرتها المهنية في شرق الصين، وبعض أفرادها خدموا هناك خلال فترة وجود "شي" في المنطقة. وتمكن تيار الجنرال تشانغ، الذي ضم عددا من أبناء القادة الثوريين البارزين، من فرض نفسه، الأمر الذي منحه سلطة غير مسبوقة، وجعله في الوقت نفسه مصدر قلق محتمل لـ"شي". ويقول وايلدر عن الجنرال تشانغ: "إنه رجل صلب، سليط اللسان، عجوز خشن الطباع، وعلى الرغم من تحالفه مع شي، لم يكن يوما تابعا له".

إن ما يجري هو أكثر التطورات إدهاشا في السياسة الصينية منذ بدايات صعود "شي" إلى السلطة

دنيس وايلدر، محلل سابق بوكالة الاستخبارات المركزية

وترتبط عائلة الجنرال تشانغ بعائلة "شي" منذ الحرب الأهلية الصينية، حين قاتل والداهما في صف واحد. والد الجنرال تشانغ أصبح لاحقا جنرالا بثلاث نجوم، فيما تولى والد "شي" موقعا مدنيا رفيعا. وأظهر "شي" ثقته بالجنرال تشانغ عام 2017 عندما أشرف على تعيينه في المكتب السياسي، الذي يضم نحو عشرين من كبار قادة الحزب الشيوعي، وعلى تسميته نائبا أصغر لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، ليصبح ثاني أعلى ضابط في البلاد. وفي عام 2022، ومع حصول "شي" على ولاية ثالثة كأمين عام للحزب، أصبح الجنرال تشانغ النائب الأول لرئيس اللجنة رغم بلوغه الثانية والسبعين، وهي سن كانت كفيلة باستبعاده وفق الأعراف السابقة للتقاعد.

أ ف ب
تشانغ يوشيا (في المقدمة)، النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، يؤدي اليمين إلى جانب أعضاء اللجنة العسكرية المركزية بعد انتخابهم في بكين يوم 11 مارس 2023

وإذا جرت إقالة الجنرال تشانغ رسميا الآن، فسيكون أعلى ضابط عامل يُعزل على يد "شي". وإذا فقد أيضا مقعده في المكتب السياسي، فستكون المرة الأولى التي يُطاح فيها بعضوين من المكتب خلال دورة واحدة منذ قمع احتجاجات "تيانانمين" عام 1989. وسيشكل ذلك رسالة قوية إلى أفراد الجيش والنخبة المدنية، خصوصا المنتمين إلى عائلات ثورية بارزة، مفادها أن الروابط الشخصية مع "شي" لا توفر حصانة. ولكن ذلك سيطرح تحديا أمام "شي": من الذي ينبغي أن يختاره ليحل محل جميع الجنرالات الذين أطاح بهم؟

أظهر "شي" ثقته بالجنرال تشانغ عام 2017 عندما أشرف على تعيينه في المكتب السياسي للحزب الشيوعي وتسميته نائبا أصغر لرئيس اللجنة العسكرية المركزية ليصبح ثاني أعلى ضابط في البلاد

منذ توليه السلطة عام 2012، يسعى "شي" إلى ترقية ضباط يجمعون بين الولاء السياسي والكفاءة العسكرية لقيادة عملية تحويل جيش التحرير الشعبي إلى قوة أكثر مرونة، قادرة على دمج العمليات البرية والبحرية والجوية والفضائية والإلكترونية. بدأ باستبدال الضباط الذين عينهم قادة سابقون، وفي السنوات الأخيرة اتجه إلى استهداف عدد من ضباط عينهم هو نفسه. وكثير من القادة المتبقين إما يفتقرون إلى الخبرة أو إن سمعتهم تضررت بسبب ارتباطهم ببعض القادة الذين طالهم التطهير. وتشير بعض التقييمات الغربية إلى أن هذه الاضطرابات بدأت تؤثر في قدرة الجيش على القتال.

أ ف ب
جندي من جيش التحرير الشعبي الصيني يقف للحراسة في ساحة تيانانمين قبيل انعقاد الجلسة العامة الثانية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني في 7 مارس 2024

 

منذ توليه السلطة عام 2012 يسعى "شي" إلى ترقية ضباط يجمعون بين الولاء السياسي والكفاءة العسكرية لقيادة عملية تحويل جيش التحرير الشعبي إلى قوة أكثر مرونة


وأشار التقرير السنوي الأخير لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) عن القوات المسلحة الصينية، والصادر في ديسمبر/كانون الأول، إلى أن عزل كبار ضباط الجيش "أحدث حالة من عدم اليقين بشأن الأولويات التنظيمية" وأنه "ترك أثرا واسعا في صفوف جيش التحرير الشعبي". مضيفا أن الفساد في مجال المشتريات الدفاعية أدى إلى "نواقص ملحوظة" في القدرات، من بينها أعطال في أغطية صوامع الصواريخ. وورد في التقرير: "من المرجح أن تؤدي هذه التحقيقات إلى اضطرابات قصيرة المدى في فعالية الجيش العملياتية"، ولكن التقرير استدرك: "ولكن قد يصبح جيش التحرير الشعبي- بدلا من ذلك- قوة أكثر كفاءة في المستقبل إذا استغل هذه الحملة لمعالجة المشكلات البنيوية التي تتيح استمرار الفساد". وعلى الأقل في هذه النقطة، يأمل "شي" أن يكون تقييم البنتاغون صائبا.

font change

مقالات ذات صلة