"التنغستن"... معدن استراتيجي للصناعة العسكرية الأميركية في "قبضة" الصين

العمليات العسكرية في إيران تهدد باستنزاف المخزونات المحدودة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
بحارة أميركيون يجهزون الذخائر على متن "أبراهام لينكولن"، 28 فبراير 2026

"التنغستن"... معدن استراتيجي للصناعة العسكرية الأميركية في "قبضة" الصين

يكشف سيل الذخائر الذي أمطرت به القوات الأميركية إيران حجم اعتماد آلة الحرب على معدن شديد الصلابة قد لا يكون مألوفا لكم من قبل، وهو التنغستن.

يتميّز هذا المعدن الفضي بكثافة استثنائية، وتفوق درجة انصهاره درجة انصهار جميع المعادن النقية الأخرى. وهو ما جعله عنصرا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه في الصناعة الدفاعية الأميركية، إذ يدخل في تصنيع كل شيء، من الذخائر الخارقة للدروع إلى فوهات الصواريخ.

وبحسب كريس بيري، رئيس شركة "هاوس ماونتن بارتنرز"، وهي شركة استشارية مستقلة متخصصة في تحليل المعادن، فإن التنغستن هو "معدن الحرب".

لكن المعضلة تكمن في أن الولايات المتحدة لا تنتج التنغستن تجاريا. ومع دخول اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط شهره الثاني، من دون أي مؤشرات إلى انحساره، يحذر محللون ومسؤولون تنفيذيون في القطاع من أن العمليات الأميركية تستنزف بسرعة الذخائر التي تعتمد على مواد مثل التنغستن، وهي مواد لا يمكن تعويضها فورا، ولا يسهل إيجاد بدائل لها.

(رويترز)
مدمرة أميركية تطلق صاروخ "توماهوك" خلال العمليات ضد إيران، 21 مارس 2026

وقفزت أسعار التنغستن بأكثر من 500 في المئة في أعقاب الصراع.

وقال بيني ألتهاوس، الشريك الإداري في شركة "كوف كابيتال"، وهي شركة استثمارية أميركية متخصصة في تطوير المعادن تعتزم إنشاء منجم للتنغستن ومصنع لمعالجته في كازاخستان، في إطار صفقة تحظى بدعم من الحكومة الأميركية: "تكشف لنا هذه التطورات بوضوح شديد أن سلسلة التوريد، ببساطة، لا تملك حاليا ما يكفي من التنغستن، ولا أحد يعرف حقا كيف يمكن ردم هذه الفجوة في المستقبل القريب".

العمليات الأميركية تستنزف بسرعة الذخائر التي تعتمد على مواد مثل التنغستن، وهي مواد لا يمكن تعويضها فورا، ولا يسهل إيجاد بدائل لها

وكما هي الحال في كثير من سلاسل إمداد المعادن حول العالم، تهيمن الصين على أسواق التنغستن العالمية بشكل كبير، إذ تتحكم في الإنتاج والاستيراد والاستهلاك. في المقابل، ظلت الولايات المتحدة متأخرة في هذا المجال، مع اعتماد أكبر على إعادة التدوير والاستيراد.

ويعود آخر عهد الولايات المتحدة بإنتاج التنغستن على نطاق تجاري إلى أكثر من عقد، فيما تسرع الشركات الأميركية خطواتها لإطلاق عمليات محلية. ومع أن واشنطن تحتفظ بمخزونات من المعادن الاستراتيجية، فإن التفاصيل الدقيقة لمحتويات هذه الاحتياطات لا تزال طي الكتمان.

ويكشف تحدي التنغستن مدى ارتهان الصناعة الدفاعية الأميركية لطيف واسع من المعادن والمواد الخام، من بينها العناصر الأرضية النادرة التي تهيمن الصين إلى حد كبير على سلاسل توريدها. وقبل الضربات التي شنتها القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير/شباط، كانت وزارة الدفاع الأميركية طلبت من شركات التعدين، بحسب ما أوردته وكالة "رويترز"، المساعدة في تعزيز المخزونات المحلية من المعادن الأساسية، وفي طليعتها التنغستن.

(أ.ف.ب)
بحارة أميركيون ينقلون ذخائر على متن حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في بحر العرب، 27 فبراير 2026

وازداد انكشاف هذه الهشاشة في الأشهر الأخيرة، بعدما نجحت الصين في توظيف هيمنتها على العناصر الأرضية النادرة ورقة ضغط في مفاوضاتها التجارية مع الولايات المتحدة. وحذر محللون من أن استمرار استنزاف الذخائر الأميركية المعتمدة على هذه المواد يمكن أن يضع واشنطن في موقف أكثر ضبابية قبيل المحادثات المقبلة مع بكين.

تهيمن الصين على أسواق التنغستن العالمية بشكل كبير، متحكمة بالإنتاج والاستيراد والاستهلاك

وقال كايل تشان، الخبير في السياسة الصناعية الصينية في مركز بروكينغز للأبحاث في واشنطن: "إن دل هذا كله على شيء، فهو أن استمرار التحركات الأميركية في حرب إيران يمنح بكين نفوذا أكبر على الولايات المتحدة في ملف العناصر الأرضية النادرة".

وأضاف تشان أن ذلك "يفاقم المأزق الذي سعت الولايات المتحدة إلى التهرب منه"، ثم تساءل: "من أين سنؤمّن الآن الإيتريوم أو النيوديميوم أو الديسبروسيوم التي تحتاجها أنظمة الصواريخ؟".

وقبل اندلاع حرب إيران، كانت أسعار التنغستن مرتفعة بالفعل. ثم جاءت إدارة دونالد ترمب وفرضت رسوما جمركية على عدد من منتجات التنغستن الواردة من الصين، فردت بكين في أواخر عام 2025 بفرض قيود خاصة بها على صادرات التنغستن ومعادن أخرى، وهو ما قال ألتهاوس إنه فجر "وضعا يائسا" في الولايات المتحدة.

(رويترز)
بحارة يجهزون مقاتلة "إف إيه-18 سوبر هورنت" على متن حاملة الطائرات لدعم الهجوم على إيران، 17 مارس 2026

ومع هذه الصدمة في الإمدادات، واصلت أسعار التنغستن ارتفاعها طوال عام 2025، وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية. ثم جاءت الحرب في الشرق الأوسط لتدفع الطلب على التنغستن المستخدم في أنظمة التسلح إلى مزيد من الارتفاع، وتضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد. وقال بيري إن أسعار التنغستن "أخذت ترتفع بوتيرة حادة".

استمرار التحركات الأميركية في حرب إيران يمنح بكين نفوذا أكبر على الولايات المتحدة في ملف العناصر الأرضية النادرة

كايل تشان، الخبير في السياسة الصناعية الصينية

وقالت غراسيلين باسكاران، مديرة برنامج أمن المعادن الحرجة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: "تتعرض هذه المواد لضغط هائل، فيما أوصدت الصين في وجهنا سبل الوصول إليها. بالتأكيد، نحن إزاء وضع يضعنا في دائرة خطر بالغ، تحت وطأة الطلب المتصاعد الذي يفرضه الصراع العسكري".

أما بالنسبة إلى إدارة ترمب، التي تحركت مبكرا لتأمين سلاسل توريد جديدة للمعادن الحرجة، فيبدو أن حرب إيران لن تفعل أكثر من تسريع الجهود الرامية إلى ترسيخ أمن التنغستن. واعتبارا من يناير/كانون الثاني 2027، تدخل حيز التنفيذ القيود التي تفرضها وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) على الجهات التي يجوز للمصنعين شراء التنغستن منها ضمن سلاسل التوريد الدفاعية، في إطار مسعاها إلى تقليص اعتماد الولايات المتحدة على منافسين أجانب مثل الصين.

أما على الصعيد الداخلي، فقد أعلن الرئيس الأميركي عن مخزون للمعادن الحرجة بقيمة 12 مليار دولار، ووجه استثمارات ضخمة إلى مشروعات التعدين المحلية، كما استحوذ على حصص في عدد من الشركات الخاصة. وخارجيا، مضت إدارة ترمب في نسج شراكات معدنية حول العالم، وروجت لدى عشرات الدول لفكرة إقامة تكتل عالمي لتجارة المعادن.

(أسوشييتد برس)
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس نيميتز" أثناء رسوها في خليج بنما، 30 مارس 2026

وفيما يخص التنغستن تحديدا، دعمت إدارة ترمب وروجت لاتفاق أبرمته "كوف كابيتال" مع حكومة كازاخستان، تتولى الشركة الأميركية بموجبه إنشاء منجم للتنغستن ومنشأة لمعالجته في هذا البلد الواقع في آسيا الوسطى، والذي لا يشكل ساحة مألوفة نسبيا للأعمال الأميركية.

تتولى شركة "كوف كابيتال" إنشاء منجم للتنغستن ومنشأة لمعالجته في كازاخستان، وهو بلد لا يشكل ساحة مألوفة نسبيا للأعمال الأميركية

وعند دخول المشروع مرحلة الإنتاج، يُفترض أن تبدأ واشنطن في جني ثماره. وقال ألتهاوس من "كوف كابيتال": "بما أننا حصلنا على دعم أميركي، وهو ما أسهم في تأمين المشروع، فإننا ملتزمون بإبرام عقود لتوريد الإنتاج إلى الولايات المتحدة وإلى الإدارة الأميركية".

كما خصصت وزارة الحرب الأميركية 6.2 مليون دولار لشركة "غولدن ميتال ريسورسيز" لتطوير مشروع للتنغستن في ولاية نيفادا. وتعد "غولدن ميتال ريسورسيز" شركة تابعة لـ"غارديان ميتال ريسورسيز"، التي أدرجت أسهمها في بورصة نيويورك أواخر الشهر الماضي.

وقال أوليفر فريزن، الرئيس التنفيذي لشركة "غارديان ميتال"، في بيان صحافي: "يمثل هذا تطورا مهماً وباعثا على التفاؤل لشركة (غارديان ميتال) ولفريقنا، مع بدء تداول أسهمنا في بورصة نيويورك للأوراق المالية". وأضاف: "نرى أن مشروعاتنا في نيفادا تحتل موقعا ملائما للإسهام في تعزيز إمدادات التنغستن المحلية في الولايات المتحدة، في وقت يتصاعد فيه التركيز على تأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة".

(رويترز)
تصاعد الدخان والنيران بعد انفجار في أصفهان- إيران، 31 مارس 2026

ومع كل هذا الزخم، لا تلوح في الأفق حلول سريعة لأزمة التنغستن الراهنة. فإعادة رسم سلاسل توريد جديدة لا تقتصر على اكتشاف مناجم إضافية، بل تتطلب بناء منظومة متكاملة من قدرات المعالجة والتصنيع، وهي عملية تحتاج إلى تمويل مستدام ووقت طويل.

لا حلول سريعة لأزمة التنغستن الراهنة.. فالأمر لا يقتصر على اكتشاف مناجم إضافية، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة من قدرات المعالجة والتصنيع

وقال بيري لمجلة "فورين بوليسي" إن الولايات المتحدة، ستحتاج على الأرجح إلى سنوات قبل أن تؤمن "سلسلة توريد للتنغستن، أو كتلة كافية منه، لا صلة للصين بها".

وهذا يعني، بحسب ألتهاوس، أن مخزونات التنغستن الأميركية الحالية، إن استُنزفت، فقد يطول أمد تعويضها، مضيفا: "من الصعب للغاية تعويضها، لأن عدد المناجم المنتجة له، والتي تستطيع الولايات المتحدة الوصول إليها، لا يكفي ببساطة". وتابع: "ستدخل مناجم أخرى إلى الخدمة، لكننا نتحدث هنا عن أفق زمني يمتد من ثلاثة إلى عشرة أعوام".

لكن مع استمرار الضغط الذي تولده حرب إيران على سوق التنغستن، تستعد الشركات لموجة أكبر من الاهتمام. وقال ألتهاوس: "أعتقد أن كثيرا من الأموال الاستثمارية ستتجه إلى التنغستن في المستقبل القريب".

font change

مقالات ذات صلة