كتاب جديد يروي تجارب نساء عربيات مع الذات والجسد والسلطة والألمhttps://www.majalla.com/node/329379/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%8A%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B3%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85
من يقرأ كتاب "ليس في النص ما يكفي من جسد: إثنوغرافيا ذاتية جمعية للنساء" يشعر أنه ينخرط في عملية الحفر ذاتها التي خاضتها الكاتبات، إذ نجحن في وصل الشخصي بالجمعي، والخاص بالعام، لتبدو القراءة تمرينا إثنوغرافيا تشاركيا، تتقاطع فيه التجارب وتتجاور الحيوات، وتنتقل عدوى الكتابة إلى القارئ بوصفها فعل مواجهة ومقاومة.
كأن قارئ الكتاب، وعلى نحو أدق ربما قارئة الكتاب، الصادر حديثا عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، تعيش هذه الآلام والأوجاع فعليا، تختنق تارة وتصرخ بـ"لا" في وجه مجتمع يضيق عليها، وتصاب تارة أخرى بالصداع والدوار حين تنخزها آلامها النفسية قبل الجسدية.
الكتابة كفعل مقاومة
يعد هذا الكتاب، الذي يضم نصوصا لتسع كاتبات، من الكتب القليلة من نوعها في العالم العربي في مجال الإثنوغرافيا الذاتية الجماعية، إذ يقدم مقاربات متعددة لتجارب النساء، تتراوح بين الأمومة والصحة والمرض والجمال، وصولا إلى الألم واللذة والهوية والمقاومة.
يسلط الكتاب الضوء على التناقضات التي تعيشها النساء بين الجسد بوصفه مساحة للحرية، وموضوعا للسلطة، عبر نصوص شخصية تتقاطع مع السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية الأوسع. وهو، في جوهره، محاولة لتأريخ هذه التجارب المجردة باعتبارها خبرات نسوية معيشة، تروى عبر الاعتراف بالمشاعر والصراعات وتدوينها كتابة، بوصفها فعلا يدفع بالتاريخ قدما ويؤسس لأفق إنساني أرحب.
يكشف الكتاب، عبر مجموعة من الأصوات النسائية، طبقات التجربة الجسدية والوجدانية التي تخوضها المرأة في مراحل عمرية مختلفة
وقد اعتمدت مشرفة ومحررة الكتاب، الباحثة الأنثروبولوجية مريم الدجاني، على الكتابة الإثنوغرافية الذاتية منهجا يزاوج بين السيرة ودراسة الثقافة، لاستيعاب أثر الأطر الأبوية والإمبريالية على حياتنا، حيث يلتقي الذاتي بالعام ليولد وعيا قادرا على التفكيك والتمرد، وفق ما أوردت في الكتاب.
الكتاب ثمرة ورشة "خريطة الجسد: نحو إثنوغرافيا ذاتية في مساحة آمنة للنساء"، وهي باكورة مشروع "تجلي" الهادف إلى إدماج الكاتبات والكتاب في التجربة الإثنوغرافية عبر ورش جماعية تنتج وعيا جمعيا.
يعتبر مشروع "تجلي" مبادرة بحثية أسستها في الأردن الصيدلانية والباحثة مريم الدجاني عام 2024 بهدف خلق مساحات للكتابة النقدية التأملية والبحث التشاركي.
وانعقدت الورشة بين يوليو/ تموز وأغسطس/ آب 2024، ليكون ثمرتها هذا الكتاب الذي ضم نصوص كل من: آلاء جانبك، أسيل فاخوري، تغريد أبو شاور، دانا جودة، رنيم أبو رميلة، ضحى أبو الزيت، علا خليل، مريم الدجاني، ويارا زريقات.
رحلة جسد المرأة من الطفولة إلى الأمومة
يكشف الكتاب، عبر مجموعة من الأصوات النسائية، طبقات التجربة الجسدية والوجدانية التي تخوضها المرأة في مراحل عمرية مختلفة، من الطفولة إلى الأمومة، مرورا بآلام الجسد وتحولاته. وتفتتح تغريد أبو شاور الكتاب بنصها "خزانة" الذي ترسم فيه صورة لامرأة أربعينية ترى في نضجها الجسدي والإنساني قدرة على سبر خفايا المرأة وانفعالاتها، بين الخوف والجرأة، وبين جسد ظل معلقا في خزانة تحجم الكثيرات عن الحديث عنه.
تصف أبو شاور هذا البوح بأنه "سير في حقل من الألغام"، لكنه يمهد في الوقت ذاته لمرحلة تعلن فيها المرأة مسكوتها الداخلي، لتنتقل الخبرة من واحدة إلى أخرى. وتشير إلى أن التفاصيل الصامتة تبدأ منذ وقوف المرأة أمام مرآة تعرض لها جسدا غريبا، يتحول تدريجيا إلى ملكية لغيرها، لكنه، رغم تبدلاته، يبقى في الأربعين مكمنا للجمال الإنساني.
امرأة فنزويلية تحمل طفلا أثناء دخولها إلى البرازيل عبر الحدود في باكارايما، ولاية رورايما، في 6 يناير 2026
في نص "حلم"، تعود يارا زريقات إلى طفولتها، إلى لحظة انكسارها الأولى حين وبختها الراهبة على تسريحة شعرها، مما دفعها إلى الانكماش والصمت، كما كثيرات تربين على أن الخوف نوع من الاحترام. وتستعيد تجربة الدورة الشهرية التي لم تتهيأ لها، ثم آلام إزالة الشعر في الطفولة، قبل أن تواجه لاحقا ثلاثة أكياس ضاغطة على كليتها وأمعائها وجهازها التناسلي، فتفتح عليها أسئلة مؤجلة حول جسدها وصمتها وأمومتها وحياتها نفسها. تجد يارا تعافيا في الكتابة والرسم والمشي المتأمل بين شجر الليمون وورد المجنونة في عمان
تؤكد الدجاني أهمية الكتابة بوصفها قيمة ووسيلة للتواصل وتجاوز قيود الصمت، فالكلمة فعل حرية ووجود، وقمعها أشبه بتقييد الجسد نفسه
تذهب دانة جودة في نص "معبر" إلى تجربة الحمل والولادة واكتئاب ما بعد الولادة، إذ ترى في الولادة تجربة يتقاطع فيها المادي بالميتافيزيقي، وتتغير معها علاقتها بذاتها وجسدها. وتصف الرضاعة باعتبارها "معركة وجود لا مجرد فعل تغذية"، وتبين أن اكتئاب ما بعد الولادة "ليس خللا هرمونيا" فحسب، بل "صدمة" تحول المرأة إلى أم قبل استعدادها.
وتشير إلى أن الألم في هذه المرحلة يتحول إلى أمراض تدفعها إلى إعادة التفكير في احتياجات جسدها. كما تكتب عن الاقتراب من سن "الأمل" بكل هباته الساخنة وتغيراته الهرمونية، مؤكدة أن الكتابة عن الجسد ليست موضوعا، بقدر ما أنها متاهة وتاريخ وأرشيف رمزي للألم.
الحكواتية المصرية ومؤسِّسة منصة "ونس الحكايات" لدعم النساء عبر ورش السرد القصصي، زارا عبد الله، تكتب ملاحظاتها قبل ورشة عملها في القاهرة، مصر، 3 مارس 2022
في "التحام"، ترى أسيل فاخوري أن تجربة الولادة فتحت أمامها أسئلة جديدة، وأن تغير جسدها دفعها إلى إعادة التعامل معه بوصفه جزءا منها لا مجرد انعكاس لها. أما ضحى أبو الزيت، فتركز في نص "اغتراب" على خيانة الجسد عبر المرض المناعي، قبل أن تتصالح معه وتتقبل قصوره، وتجد في الزراعة وخلق بيئة طبيعية مدخلا للشفاء والمقاومة.
قولبة الأنثى واختزالها في الجسد
تضيء رنيم أبو رميلة في "زوايا" على علاقة الجسد بدورة المرأة وأدوارها البيولوجية، كاشفة عن استمرار قولبة الأنثى واختزالها في مظهرها، واستباحة جسدها من قبل المحافظين وغير المحافظين على السواء. وفي "استرداد"، تستعرض علا خليل معادلتها بين العمل والدراسة والأمومة، وقرارها الواعي بالبقاء في المنزل بعد الولادة دون أن يعفيها ذلك من صراعها الداخلي. وتروي علا علاقتها بجسدها الذي تحافظ عليه بنظام صحي، لكنها تتفاجأ أحيانا بإهماله، وتؤمن بأن لا أحد وصي على نظرة المرأة الى ذاتها، لذلك تركت شعرها للشيب ورفضت "البوتوكس".
تعود آلاء جانبك في "تناغم" إلى التحولات التي أصابتها بعد بلوغها المبكر ومحاولاتها التأقلم معها، فيما تختم مريم الدجاني في "مقاومة" بالحديث عن العلاقة بين الجسد والعقل في الحكم على الأنثى، مؤكدة أن قيمة المرأة تبدأ من عقلها، فالجمال ليس إنجازا تتفاخر به المرأة، فهي لم تختر جسدها، بينما العقل إنجاز يمكن تطويره.
وتؤكد الدجاني أهمية الكتابة بوصفها قيمة ووسيلة للتواصل وتجاوز قيود الصمت، فالكلمة فعل حرية ووجود، وقمعها أشبه بتقييد الجسد نفسه.
امرأة تُرى من الخلف تقف أمام سياج من الأسلاك الشائكة في مخيم مؤقت جديد للمهاجرين واللاجئين في جزيرة ليسبوس، اليونان، 19 سبتمبر 2020
من الجسد إلى السلطة
وعن تفاصيل الورشة وما نتج منها من نصوص تقول الباحثة مريم الدجاني لـ"المجلة": لم تكن الورشة مجرد مساحة كتابة، بل مرآة للوعي. ففكرة "المرأة كجسم مضيف" لا تختزل بالحمل والولادة فقط، إنما تمتد إلى قدرة خلاقة تتحول، داخل بنى السلطة، إلى قناة هيمنة، فتغدو المرأة مستضيفة للمجتمع والتقاليد والرقابة الذاتية. هكذا تنتقل من الاستضافة البيولوجية الطبيعية إلى استضافة فكرية واجتماعية قسرية، لتصبح جسدا مضيفا للحياة وللسلطة معا.
الجسد، وفق الدجاني، ليس بيولوجيا فحسب، إنما هو نص سياسي تكتب عليه خطابات السلطة وطقوس الطاعة اليومية، في اللباس والمشي والكلام والصمت. إنه موقع صراع وسفر مقاومة.
الكتابة عن الحرية تصطدم بـ"استدخال السلطة"، حين تغدو المرأة رقيبة على صوتها ورغباتها، خوفا من سوء التأويل أو من الظهور خارج السرديات السائدة
وتشير الدجاني إلى أن إعادة تعريف "الاستضافة" مشروع تحرري يقوم على التمييز بين الإرادي والقسري، ورسم الحدود، والإنصات للجسد، واستعادة السيادة عليه بالتنفس والحركة والكتابة، لا بالتمرد عليه.
وحول منهجية الإثنوغرافيا الذاتية، توضح الدجاني أن الكتابة تنطلق من تحديد الموقع داخل النظام الاجتماعي الأوسع، بما يتيح تفكيك العلاقة بالذات والجسد، واستعادة التاريخ الشخصي، وفهم الأدوار الاجتماعية وشبكة العلاقات المحيطة.
أما عن اختيار هذا المنهج تحديدا، فتؤكد أنه يربط التجربة الفردية بالبنى الثقافية والسياسية الكبرى، ويفتح أفقا لكتابة تحررية تكشف السرديات الأصيلة، وتنمي وعيا ذاتيا أعمق وإحساسا بالتمكين، بوصفه خطوة أولى لفهم الموقع في خريطة الوجود.
وفي ما يتعلق بالتحديات، تلفت الدجاني إلى أن الكتابة عن الحرية تصطدم بـ"استدخال السلطة"، حين تغدو المرأة رقيبة على صوتها ورغباتها، خوفا من سوء التأويل أو من الظهور خارج السرديات السائدة، وهو ما تجلى في انسحاب إحدى المشاركات تعبيرا عن صراع بين رغبة التعبير الحر والخشية من القطيعة مع المألوف.
الأم والصورة النمطية: إعادة إنتاج القهر
وعن الصورة النمطية للأم ودورها في إعادة إنتاج نساء مقهورات، تقول تغريد أبو شاور، لـ"المجلة"، إن تلك الصورة، المحصورة بين الإنجاب والتربية داخل الأسرة الممتدة، "صنعت نساء مكرسات لنسخ أمهاتهن من دون تغيير، إذ كانت شروط التحول شبه غائبة، ولا تحدث إلا نادرا أو قسرا". وتضيف أن الأم، المأسورة بدورها الروتيني، "غدت عاجزة عن تقبل ابنتها في صورة جديدة، فيما ظل الحديث عن الجسد بين نساء العائلة محرما، فلا تتعرف الفتاة إلى جسدها إلا عند البلوغ، وبتفاصيل قاصرة لا تهيئها لمرحلة الزوجية اللاحقة، باعتباره أمرا معيبا".
وتصف أبو شاور الجسد بأنه "لغم مخيف وسر مخفي يسكت عنه"، فتعيش الفتاة صراعا داخليا بين الخوف والارتباك. وترى أن التساؤل عن الجسد كان يعد "إثما وحرجا زرعته الأمهات التقليديات"، مؤكدة أنها لو كانت أما لما أخفت عن ابنتها "حقيقتها وكينونتها ومعجزتها كامرأة ساحرة".
أما عن بناء المجتمع لحاجز الخوف لدى المرأة، فتوضح أبو شاور أن التحريم والمنع يتراكمان منذ الطفولة، لبنة فوق أخرى في اللاوعي، لتجد المرأة نفسها أسيرة جدران شيدت بتقاليد الآخرين، فيما تحاول بعض النساء هدمها أو إحداث شق يفضي إلى معرفة جديدة بالذات.
وفي ما يتصل بالموروثات الجسدية وهموم المرأة، ترى أبو شاور أن الجمال يظل أكثر ما يؤرق النساء، لانشغالهن بالنظر إلى ذواتهن في المرآة وفي عين الآخر، بما يفرض ضغطا نفسيا يدفعهن إلى مقاومة الزمن والعمر عبر التجميل والأنظمة الغذائية الصارمة، غالبا بلا جدوى. فالمجتمع، كما تقول، يفرض عليهن هذه المنافسة، وإلا واجهن تبعات قاسية، ليبقين عالقات في مطاردة جمال الشكل على حساب الجوهر.
امرأة تحصد أزهار القطيفة في حقل بمنطقة هيوماني بهانجيانغ على أطراف كاتماندو، 10 ديسمبر 2025
وعن نظرتها إلى علاقة المرأة بجسدها، خصوصا تحت ضغوط المجتمع، تقول يارا زريقات لـ"المجلة"، إن الأنثى تتعلم منذ الصغر، في سياق التنشئة العائلية اليومية، أن جسدها خاضع للتقييم والمراقبة، سواء عبر تعليمات مباشرة تتعلق باللباس والحركة والصوت، أو عبر تعليقات ضمنية تطبع مفاهيم "العيب" و"الخطر". وتوضح أن هذه السلطة لا تقوم عادة على عنف صريح، بل على لغة وصمت ونظرات تصحيح تتحول مع الوقت إلى رقابة داخلية.
نتيجة لذلك، تتكون، كما ترى زريقات، علاقة متوترة بين المرأة وجسدها، قائمة على الحذر والانفصال أكثر من الثقة والإنصات. فالجسد يختبر كشيء يجب ضبطه، لا كمساحة للإحساس والمعرفة. وينتج من ذلك انقسام بين الجسد كما يرى اجتماعيا وكما يعاش ذاتيا، لتصبح العائلة غالبا موقعا محوريا لإعادة إنتاج السلطة داخل التجربة الجسدية للأنثى.
حين نفصل الجسد عن الأحكام، يتحول من موضوع مراقبة إلى مساحة معرفة، ومن عبء اجتماعي إلى ذاكرة شخصية لكائن يتغير ويخطئ ويتحول
تتفق دانا جودة مع ما ذهبت إليه يارا زريقات، قائلة إن الجسد الأنثوي لا يرى كما هو، بل كما يراد له أن يرى. تحاصره الثقافة بتعريفات جاهزة، ويلبسه الدين تأويلات انتقائية، وتخضعه الأعراف لوظائف محددة: "طهر، عيب، فتنة، واجب، شرف…". فلا يسأل الجسد عما يشعر به، بل عما يمثله للآخرين، ويحاسب على شكله وصمته وصوته وحركته.
وعن إمكان فك طلاسم الجسد والمجتمع، ترى جودة عبر "المجلة"، أن ذلك يبدأ بإعادة الجسد إلى مكانه الطبيعي: كيانا حيا لا رمزا، وتجربة لا خطابا. ولا يبدأ التغيير من الجسد نفسه، بل من اللغة التي سجن فيها. وحين نفصله عن الأحكام، يتحول من موضوع مراقبة إلى مساحة معرفة، ومن عبء اجتماعي إلى ذاكرة شخصية لكائن يتغير ويخطئ ويتحول.