كيف هزمت حركة "الشباب" قوات حفظ السلام؟

بعد ثلاث بعثات ومليارات الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة، بات فرع تنظيم "القاعدة" في الصومال اليوم أقوى من أي وقت مضى

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي بوروندي من بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) خلال دورية في مقديشو، في 11 يوليو 2017

كيف هزمت حركة "الشباب" قوات حفظ السلام؟

في يوليو/تموز، أعلنت بعثة الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأفريقي وقف تمويلها لمكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، المسؤول عن تزويد بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام بالخدمات اللوجستية والحصص الغذائية والوقود والإمدادات الطبية.

ومن المقرر أن يتوقف الدعم رسميا في 31 ديسمبر/كانون الأول، لتنتهي بذلك المساندة الأميركية لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال. وبعد نحو عقدين من التدخل العسكري في هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي، الذي أنهكته الحروب وعانى سنوات طويلة من الفوضى، وتحملت واشنطن الجانب الأكبر من تكاليفه، تبدو "حركة الشباب" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" اليوم أقوى من أي وقت مضى.

ويرى محللون تحدثوا إلى مجلة "فورين بوليسي" أن قرار إدارة ترمب وقف دعم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال وبعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام يعود، في جانب منه، إلى الحصيلة التي خلفها هذا التدخل وما أثارته من تساؤلات حول جدواه.

وكتب أبو بكر أرمان، المحلل السياسي والدبلوماسي الصومالي السابق لدى الولايات المتحدة، في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "على الرغم من خطاب المنقذ الذي طبع العقدين الماضيين، لم يضع المجتمع الدولي استراتيجية لهزيمة حركة (الشباب)، كما أنه لم ينفذ يوما أي تحرك بصورة منسقة".

أنشأت حركة "الشباب" سلطة موازية لها محاكمها الخاصة ونظامها الضريبي، تجمع من خلاله بين 100 و150 مليون دولار سنويا من الضرائب، في مقابل إيرادات حكومية لا تتجاوز 250 مليون دولار من المانحين والجمارك

في مارس/آذار 2007، انتشرت قوات أوغندية تابعة للاتحاد الأفريقي في العاصمة الصومالية مقديشو ضمن مهمة لحفظ السلام، بهدف دعم حكومة انتقالية هشة كانت تواجه تمردا إسلاميا مسلحا تتقدمه حركة "الشباب".

وخلال السنوات التالية، نجحت قوات الاتحاد الأفريقي في إخراج حركة "الشباب" من عدد من المدن والمراكز الحضرية الرئيسة في جنوب الصومال ووسطه، وفي مقدمتها مقديشو، لكن هذه المكاسب لم تؤد إلى إنهاء نفوذ الحركة، إذ واصلت فرض سيطرتها على مساحات واسعة من المناطق الريفية في جنوب البلاد ووسطها.

وفي تلك المناطق، لم تعد الحركة مجرد جماعة متمردة تعتمد حرب العصابات، بل تطورت إلى ما يشبه دولة الظل.

رويترز
مقاتلون من "حركة الشباب" يستعرضون مجنّدين جددا بعد وصولهم إلى مقديشو ، في 21 أكتوبر 2010

ومنذ عام 2007، أنفقت الولايات المتحدة نحو 3.6 مليار دولار على دعم بعثات الاتحاد الأفريقي المتعاقبة لحفظ السلام في الصومال، وذهب قرابة ملياري دولار من هذا المبلغ إلى مكاتب الدعم التابعة للأمم المتحدة، بينما قدم نحو 1.6 مليار دولار في صورة مساعدات ثنائية للدول الأفريقية المشاركة بقوات في الصومال، بحسب تقييم بحثي أصدره الكونغرس الأميركي في يوليو.

لكن جثرو نورمان، وهو باحث أول في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، يرى أن جوهر المفارقة يكمن في أن "المجتمع الدولي ركز على دعم بعثة قائمة، في حين ركزت حركة (الشباب) على بناء دولة".

ففي المناطق الخاضعة لسيطرتها، أنشأت حركة "الشباب" سلطة موازية لها محاكمها الخاصة ونظامها الضريبي، ومن خلال هذا النظام، تجمع الحركة ما بين 100 و150 مليون دولار سنويا من الضرائب، بحسب نورمان، بينما تزيد الإيرادات الضريبية للحكومة الصومالية بقليل على 250 مليون دولار، ويأتي معظمها من الرسوم الجمركية في ميناء مقديشو وتحويلات الجهات المانحة.

وقال نورمان: "نحن أمام حركة تمرد تمول نفسها بنفسها، وحكومة لا تفعل ذلك".

وبفضل هذه الإيرادات، وضعت حركة "الشباب" تقديم الخدمات للمدنيين ضمن أولوياتها، ما أسهم في الحد بدرجة كبيرة من انتشار المخدرات والجريمة في المناطق الخاضعة لإدارتها.

ركز المجتمع الدولي على دعم بعثة قائمة لحفظ السلام، بينما انصرفت حركة "الشباب" لبناء دولة موازية لها محاكمها ونظامها الضريبي في مناطق واسعة من الريف

ومنذ المراحل الأولى للتمرد، أدرك قادة الحركة أن ترسيخ حضورهم يتطلب بناء شرعية شعبية، إلى جانب فهم تعقيدات المجتمع الصومالي والتعامل مع بنيته القائمة في كثير من الأحيان على الروابط والانتماءات العشائرية.

وتمكنت الحركة من كسب تأييد مجتمعات محلية، ولا سيما في المناطق الريفية، بينما ظلت الحكومة الصومالية تصنف باعتبارها الأكثر فسادا في البلاد منذ عام 2006، وفقا لمنظمة الشفافية الدولية، وحتى في مناطق تخضع لسيطرة الحكومة، مثل مقديشو، يلجأ مدنيون إلى المحاكم الشرعية التي تديرها حركة "الشباب".

غيتي
مركبات مدرعة تابعة للاتحاد الأفريقي تمر بجانب مركبة شرطة في وسط مقديشو وسط مخاوف من عودة نشاط الجهاديين في الصومال وتصاعد هجمات "حركة الشباب" المسلحة، في 25 أبريل 2025

وقال نورمان إن هزيمة حركة "الشباب" لا تتوافق بالضرورة مع مصالح شريحة واسعة من الطبقة السياسية الصومالية، وأضاف أن تعاون القادة الإقليميين مع الحملة ضد الحركة "ظل محدودا حتى في ذروته"، إذ خشوا أن يمنح انتصار الحكومة على حركة "الشباب" السلطة المركزية شرعية أكبر، بما قد يتيح لها إقصاءهم من مناصبهم.

ولطالما أثار وجود القوات الأجنبية في الصومال حساسية وجدلا واسعين داخل البلاد، فقبل وصول قوات الاتحاد الأفريقي، شهد الصومال في ديسمبر/كانون الأول 2006 تدخلا عسكريا إثيوبيا دخل خلاله آلاف الجنود إلى البلاد، قبل أن تتلقى القوات الإثيوبية لاحقا غطاء جويا من الطائرات الأميركية المسيرة.

وكانت إدارة جورج دبليو بوش تسعى آنذاك إلى إسقاط اتحاد المحاكم الإسلامية، وهو تحالف من المحاكم الشرعية تمكن من بسط سيطرته على الحكم في الصومال، في أول حالة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول ينجح فيها الإسلام السياسي في ترسيخ موطئ قدم له في القارة الأفريقية.

وواجه عناصر قوة حفظ السلام الحالية التابعة للاتحاد الأفريقي، إلى جانب عناصر البعثتين اللتين سبقتاها في مواجهة حركة "الشباب"، اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القضاء، والإخفاء القسري، وارتكاب مجازر بحق المدنيين، فضلا عن استخدام الاغتصاب سلاحا في الحرب.

وتراكمت هذه الاتهامات على مدى عقود، ومع غياب العدالة والمساءلة، تصاعد السخط الشعبي تجاه قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي، وفي الوقت نفسه، ترسخ انطباع بأن الحكومة الصومالية تغض الطرف عن تلك الانتهاكات.

مع إعلان واشنطن وقف تمويلها لبعثة الاتحاد الأفريقي اعتبارا من 31 ديسمبر، بدأت القوات في مغادرة بعض مواقعها وسط شكوك في جاهزية القوات الصومالية لملء الفراغ

ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما شهدته بلدة بولو مرير عام 2024، حين أقدمت قوات حفظ سلام أوغندية تابعة للاتحاد الأفريقي على قطع رأسي مزارعين محليين في هذه البلدة الزراعية. وأثارت الحادثة موجة من الاحتجاجات، طالب خلالها السكان برحيل قوات الاتحاد الأفريقي عن المنطقة، وردت حركة "الشباب" بإصدار بيان أدانت فيه الهجوم وتعهدت بالرد والانتقام لمقتل المدنيين، في حين لا تزال القضية من دون معالجة من جانب الحكومة الفيدرالية، رغم مرور عامين على الواقعة.

وفي المقابل، ينظر كثير من الصوماليين إلى حركة "الشباب" باعتبارها قوة تدافع عن البلاد في مواجهة الخضوع للقوى الأجنبية والاحتلال، مستندة إلى إرث قومي طويل من المقاومة الدينية المسلحة للتدخل الخارجي، تعود جذوره إلى الحقبة الاستعمارية، وتوظف الحركة هذا الإرث في استقطاب الشبان وحثهم على حمل السلاح والانضمام إلى صفوفها.

أ.ف.ب
الدفعة الأولى من القوات الإثيوبية المغادِرة للعاصمة الصومالية مقديشو بعد أربعة أسابيع من مساعدتها في طرد "اتحاد المحاكم الإسلامية" من العاصمة، قاعدة أفيسيوني الجوية، الصومال، في 23 يناير 2007

ولا تكتفي حركة "الشباب" باستحضار تاريخ المقاومة الممتد إلى القرن التاسع عشر، بل تستثمر أيضا في ذاكرة أكثر حداثة، تشكلت خلال ما عرف باسم "الحرب العالمية على الإرهاب".

وقال نورمان: "قبل ديسمبر 2006، كانت حركة (الشباب) مكونا صغيرا ومتشددا داخل اتحاد المحاكم الإسلامية"، غير أن التدخل الإثيوبي، المدعوم دبلوماسيا واستخباراتيا من الولايات المتحدة، وما تلاه من ضربات جوية أميركية، شكلا نقطة تحول في مسار الحركة. وأضاف: "توسعت حركة (الشباب) بعدما قدمت نفسها باعتبارها حركة مقاومة، ويبدو أن كثيرا ممن انضموا إليها كانوا مدفوعين بسلوك القوات الإثيوبية أكثر من اقتناعهم بالمشروع الأيديولوجي الأوسع لتنظيم "القاعدة".

وثمة تطور أكثر إلحاحا يتمثل في نجاح حركة "الشباب" في استعادة معظم الأراضي التي خسرتها خلال حملة الجيش الصومالي بين عامي 2022 و2023. وفي هجوم مضاد عام 2025، وصل مقاتلوها إلى مسافة لا تتجاوز 45 كيلومترا من العاصمة مقديشو، وأجبر هذا التقدم الخاطف تركيا، أحد أبرز حلفاء مقديشو، على إرسال 500 جندي إضافي إلى الصومال، بينهم مشغلو طائرات مسيرة.

وتكشف استعادة الحركة لهذه المناطق أن عقدين من القتال والتدخلات المتعاقبة لم ينجحا في تحييدها، إذ لا تزال حاضرة بقوة وتشكل تهديدا جديا.

ومع إعلان الولايات المتحدة وقف دعمها لبعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، بدأت القوات بالفعل مغادرة بعض مواقعها.

وكانت برهاكبا في إقليم باي أول بلدة تنسحب منها القوات، وتعيش البلدة منذ عام 2014 تحت حصار تفرضه حركة "الشباب"، ما أبقاها معزولة عن محيطها، ومن المتوقع أن يتكرر المشهد في بلدات أخرى كثيرة قبل الموعد النهائي الذي حددته إدارة ترمب في 31 ديسمبر.

ويزداد المشهد تعقيدا في ظل غياب أي دولة قادرة على سد الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي، فتركيا لا تستطيع سوى تقديم الدعم الجوي، ولا تملك الإمكانات التي تتيح لها أن تحل محل قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. وبحسب المحلل السياسي أرمان، فإن حركة "الشباب" ستنتظر حتى يغادر آخر جندي أجنبي الأراضي الصومالية.

وفي قمة عقدت مؤخرا للدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال، دعت عدة حكومات إلى تمديد مهمة البعثة بين 18 و24 شهرا، في مؤشر إلى استمرار الشكوك بشأن مدى استعداد القوات الصومالية لتولي مسؤولية أمن البلاد بعد رحيل قوات الاتحاد الأفريقي.

وكتب أرمان: "ما تجيده حركة (الشباب) حقا هو ملء الفراغات حين تظهر".

font change