سينما وسط الأنقاض... شقيقتان في غزة تتشاركان الدهشة مع الأطفال

شعاع نور في قلب الظلام

 AFP
AFP
أطفال فلسطينيون يشاهدون فيلما في سينما مفتوحة على شاطئ مدينة غزة ضمن مهرجان "سينما البحر"، 28 يوليو/تموز 2023

سينما وسط الأنقاض... شقيقتان في غزة تتشاركان الدهشة مع الأطفال

لم تكن السينما جزءا من تفاصيل غزة اليومية، حتى قبل الحرب. فمنذ عقود، اختفت دور العرض، وغابت ثقافة الذهاب إلى السينما عن الأجيال الجديدة، بينما بقيت الشاشة الكبيرة ذكرى يرويها الآباء أكثر مما يختبرها الأبناء. ومع الحرب، لم يعد الأطفال يفقدون السينما وحدها، بل فقدوا المدارس والمكتبات والحدائق والمراكز الثقافية، تلك المساحات التي تمنح الطفولة فرصة لتجربة العالم بعيدا عن الخوف.

منذ بدء الإبادة، تعرضت البنية الثقافية في قطاع غزة لتدمير واسع، فدمرت مراكز ثقافية ومكتبات ومسارح، وتوقفت الأنشطة الفنية والتعليمية التي كانت تمثل متنفسا للأطفال والشباب. وفي الوقت نفسه، تعطلت المدارس النظامية، ودمر عدد كبير منها، بينما تحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين، تاركة مئات الآلاف من الأطفال خارج العملية التعليمية للعام الثالث.

وسط هذا الفراغ، برزت مبادرات صغيرة تحاول أن تعيد شيئا من الحياة. من بينها مشروع "سينما هوس"، الذي أطلقته الشقيقتان شيماء وصفاء ضبان، في تجربة غير مسبوقة داخل غزة. ليس الهدف إنشاء دار سينما بالمعنى التقليدي، وإنما صناعة مساحة يلتقي فيها الأطفال حول فيلم، ويجلسون في الظلام لساعة أو ساعتين بعيدا عن أصوات الطائرات وأخبار الحرب. المشروع لا يدعي أنه يغير الواقع، لكنه يحاول أن يمنح الأطفال استراحة قصيرة منه.

شغف عائلي

غالبا ما تولد المبادرات الكبرى من أفكار بسيطة. وفي حالة "سينما هوس"، لم تبدأ الفكرة بمؤسسة أو تمويل، بل بعادة عائلية قديمة. تقول شيماء إن حبها هي وشقيقتها لمشاهدة أفلام الرسوم المتحركة سبق الحرب بسنوات، وكانت مشاهدة الأفلام جزءا من حياتهما اليومية. ومع اندلاع الحرب، بدأ السؤال يتشكل، حول بقاء هذا الشغف حبيس المنزل، بينما يعيش أطفال غزة عزلة غير مسبوقة؟ توضح: "قامت الفكرة على نقل هذه التجربة إلى مساحة أوسع، فقد أردنا فكرة خارجة عن المألوف، لنقل تجربتنا مع السينما لأطفال غزة".

إزالة الأنقاض التي أغلقت الممر المؤدي إلى موقع السينما استغرقت شهورا، ونفذت يدويا في ظل غياب الآليات الثقيلة.

وتتقاطع خلفية الشقيقتين مع طبيعة المشروع. فشيماء، خريجة تكنولوجيا معلومات، عملت قبل الحرب مصممة غرافيك مع شركات محلية ودولية، لكن الحرب قطعت عملها مع انقطاع الكهرباء والإنترنت. أما صفاء، خريجة اللغة الإنجليزية والترجمة، فقد بدأت ترجمة البرامج والأفلام وهي في السادسة عشرة، وهو ما دفعها لاحقا لدراسة الترجمة أكاديميا. قبل الحرب كانت تدير مشروعا إلكترونيا للمأكولات الكورية، لكنها اليوم تعيل طفلتين توأم بعد استشهاد زوجها في الأيام الأولى للحرب. بالنسبة إليهما، أصبح المشروع يجمع بين الشغف الشخصي ومحاولة خلق مصدر دخل، دون أن يفقد هدفه الأساسي، وهو منح الأطفال مساحة مختلفة عن واقعهم اليومي.

انستغرام
الشقيقتان شيماء وصفاء ضبان، مؤسستا "سينما هوس" للأطفال في غزة

تحديات شاقة

التحدي الأول الذي واجهته الأختان كان في إزالة الركام من الطريق المؤدي إلى المكان. تروي صفاء: "البداية لم تكن مع شاشة عرض أو أجهزة صوت، وإنما مع إزالة الأنقاض التي أغلقت الممر المؤدي إلى موقع السينما، وقد استغرقت العملية شهورا، ونفذت يدويا في ظل غياب الآليات الثقيلة".

لكن الركام لم يكن سوى البداية. فتوفير الكهرباء تحول إلى معضلة يومية. كان الخيار الأول هو الطاقة الشمسية، إلا أن أسعارها تجاوزت إمكاناتهما، فاعتمدتا على المولد الكهربائي، قبل أن تواجههما مشكلة الانقطاع المستمر للكهرباء. وبعدها لجأتا إلى مولد احتياطي، لكنه بدوره احتاج إلى وقود نادر وباهظ الثمن.

ولم تتوقف العقبات عند ذلك. فالإنترنت شبه معدوم في المنطقة نتيجة تدمير البنية التحتية. تقول صفاء: "أسهر طيلة الليل من أجل متابعة عملية تحميل الأفلام، فالإنترنت دائم التقطيع". أما تجهيز القاعة نفسها فكان تحديا آخر، إذ احتاجت التجهيزات إلى تغطية المكان بالشوادر والأقمشة والحديد لخلق مساحة مظلمة تصلح للعرض. وتشير صفاء إلى أن هذه المواد، رغم بساطتها، أصبحت مرتفعة الثمن بصورة غير مسبوقة بسبب منع دخول كثير من المواد الخام إلى قطاع غزة، فتقول: "دفعنا أموالا كبيرة في تجهيز أشياء بسيطة داخل السينما، وهذا استنزاف دائم يهدد قدرتنا على الاستمرار".

انستغرام
أطفال يشاهدون عرضا سينمائيا في "سينما هوس"

حتى بعد افتتاح السينما، لم تنته العقبات. فالحرب لا تتوقف عند لحظة القصف، بل تستمر في تفاصيل الحياة اليومية. تقول شيماء: "يستمر القصف المتكرر، رغم فترات التهدئة، مما يتسبب بأضرار متكررة للمكان والأجهزة". وتوضح أن كل ضرر يعني أعمال صيانة جديدة، وكل صيانة تعني توقف العروض مؤقتا حفاظا على سلامة الأطفال والعائلات. هكذا يبقى المشروع، يخوض معركة لوجستية يومية من أجل البقاء، وسط ظروف تجعل مجرد توفير الكهرباء والإنترنت تحديا يوميا.

ماذا يشاهد أطفال غزة؟

في مجتمع خرج أطفاله من واحدة من أكثر الحروب قسوة، يصبح اختيار الفيلم قرارا يتجاوز الذوق الفني. فالمحتوى قد يساهم في التخفيف من آثار الصدمة، أو يعيد إنتاجها. تقول شيماء: "نحرص على اختيار أفلام ترفيهية خالية من العنف أو المشاهد والألفاظ غير المناسبة للأطفال". وتوضح أن الفيلم لا يعرض قبل مشاهدته كاملا والتأكد من ملاءمته. هذه العملية، وإن بدت بسيطة، تعكس فلسفة المشروع، فالغاية ليست ملء وقت الأطفال، وإنما المساهمة في بناء سليم لمشاعرهم. ويعكس هذا الاختيار إدراكا بأن الأطفال في غزة لا يحتاجون إلى مشاهدة ما عاشوه بالفعل، بل إلى نافذة تفتح لهم عالما مختلفا، ولو كان خياليا.

يتفاعل الأطفال مع المكان، والشقيقتان، بحيث تصبح التجربة ممتعة وتعليمية في ذات الوقت. فتؤكد الشقيقتان أن المشروع ليس تجاريا بقدر ما هو مولد لتجارب إنسانية مع الأطفال. فالكثير من النقاشات تدار حول الأفلام على هامش العروض، وتتلقى الشقيقتان ترشيحات لأسماء أفلام من قبل الأطفال وأهاليهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومع الوقت تحولت التجربة إلى سينما تفاعلية ترفيهية تعليمية، تهتم بتأثر الطفل.

حين نرى أثر العرض على ملامح الأطفال، نعرف بأننا نجحنا في إخراج الحرب من خيالهم ولو لوقت قصير.

تركز شيماء خلال العرض على عيون الأطفال، تراقب النظرات وتتفاعل معها. تقول: "أعرف أن المحتوى أثر بالأطفال من الإيماءة والحركات والابتسامات". تضيف: "لا يضحك الطفل ولا يندهش مع المحتوى المكرر، بل ينطفئ وينكمش على ذاته. وحين نرى أثر العرض على ملامح الأطفال، نعرف بأننا نجحنا في إخراج الحرب من خيالهم ولو لوقت قصير". توضح: "كانت الحرب ببشاعتها، المحتوى المكرر الذي أراده الاحتلال لأطفال غزة لمدة ثلاثة أعوام".

استجابة وتفاعل

لا يمكن قياس المشروع بعدد التذاكر المباعة، بل بطريقة استجابة الأطفال للشاشة. تقول صفاء: "يتفاعل الأطفال بصورة لافتة مع العروض، ويظهر عليهم الاستمتاع طوال فترة المشاهدة، ما يشجعنا على الاستمرار رغم الصعوبات". وترى أن الإقبال كبير، لكن الظروف الاقتصادية تحد من قدرة كثير من العائلات على الحضور، حتى مع انخفاض سعر التذكرة. فالبطالة وانعدام مصادر الدخل يجعلان أي نفقات إضافية عبئا على الأسرة، كما أن صعوبة المواصلات والوصول بين المناطق تشكل عائقا آخر أمام كثير من الأطفال. ورغم ذلك، ترى الشقيقتان أن استمرار حضور الأطفال يحمل دلالة مهمة، فالحاجة إلى مساحة للترفيه والدعم النفسي لا تقل أهمية عن حاجات أخرى فرضتها الحرب.

MAHMUD HAMS / AFP
أطفال فلسطينيون يشاهدون فيلما خلال فعالية "مخيم السينما" في مخيم النصيرات، 26 يناير/كانون الثاني 2020

تعد "سينما هوس" فرصة نادرة للطفل في غزة، في ظل هدم معظم المنازل، وعدم وجود شاشات تلفاز، وإن وجدت، فلا كهرباء لتشغيلها. كما أن أسعار الهواتف النقالة في غزة أصبحت باهظة الثمن، بحيث لم يعد بقدرة الآباء اقتناؤها لأطفالهم. هذا ما يجعل ردات فعل الأطفال أمام الشاشة الكبيرة مثيرة للاهتمام. ويعد ارتياد السينما في الظروف الطبيعية نشاطا ترفيهيا عاديا، لكنه في غزة اليوم يحمل معنى مختلفا، إذ يخرج الطفل من مساحة النزوح والخوف إلى مكان معد خصيصا كي يجلس، ويشاهد، ويضحك، ويتفاعل مع أطفال آخرين.

تقول صفاء: "حدثني طفل عن رغبته في نقل الشاشة معه إلى الخيمة، ليستمتع بها أطول وقت ممكن، لكنه استدرك بأن ذلك لن يصلح، فالخيمة بالكاد تكفي أهله". طفلة أخرى أخبرتها: "كان لدي هاتف صغير، أشاهد عليه الفيديوهات والأفلام، لكن شاشته تلفت، ولم يعد بقدرة أبي تصليحها، لذا جئت إلى السينما لأحضر الأفلام التي أحب". فيما تخبرنا شيماء عن حادثة أغرب، حين اشترى أحد الأطفال تذكرتين لدخول السينما، سألته عن السبب، فأجاب: "واحدة لي، والأخرى لأخي الشهيد، لقد اعتدنا أنا وهو مشاهدة الأفلام معا، ولا أريد أن أشاهد الفيلم وحدي".

تجربة مستقبلية

يتجاوز المستقبل الذي تحلم به شيماء وصفاء استمرار العروض الحالية، إلى بناء مساحة سينمائية حقيقية للأطفال في غزة، مكان يمكن أن يصبح جزءا من الحياة الثقافية في المدينة بعد الحرب. فهما لا تنظران إلى "سينما هوس" باعتبارها مجرد مشروع ترفيهي مؤقت، بل كبذرة لتجربة جديدة، تجربة تقول إن الثقافة لا تختفي حتى عندما تدمر الأماكن التي تحتضنها، وإن الأطفال، حتى وسط الركام، ما زالوا بحاجة إلى القصص والصور والأحلام. بالنسبة إلى الشقيقتين، فإن قيمة المشروع لا ترتبط بالشاشة وحدها، بل بالمساحة التي تخلقها حولها: مساحة تجمع الأطفال بعيدا عن صور الدمار التي أصبحت جزءا من ذاكرتهم. تقول صفاء: "تسهم السينما في دعم الأطفال نفسيا، خصوصا في ظل انعدام الأماكن الترفيهية في غزة". وترى أن الطفل الذي يعيش الحرب يحتاج إلى لحظات يشعر فيها بأنه طفل، لا مجرد شخص يحاول النجاة.

انستغرام
سينما هوس

تقول صفاء: "لدينا حلم كبير، بأن نجهز سينما بإمكانات متطورة، ونعلم بأن ذلك صعب، لكنه ليس مستحيلا". أما شيماء فتقول: "أقل القليل، لطفل فقد أحد ذويه، أن يجلس في سينما معزولة عن أصوات الحرب، فالصورة في السينما قد تشعره للحظة بأن الحياة ستستمر".

في غزة، من المعتاد أن البقاء هو الأولوية اليومية. تأتي هذه السينما لتذكر بحقيقة أخرى، أن الإنسان لا يعيش بالغذاء والمأوى فقط. فهو يحتاج أيضا إلى الخيال، وإلى مساحة يرى فيها نفسه خارج حدود المأساة.

اشترى أحد الأطفال تذكرتين لدخول السينما، سألته عن السبب، فأجاب: "واحدة لي، والأخرى لأخي الشهيد."

ربما تكمن المفارقة الأكبر في مشروع "سينما هوس" في أنه يحاول تأسيس ثقافة سينمائية للأطفال في مدينة لم تمتلك أصلا تقليدا مستقرا لدور العرض. فالسينما هنا لا تعود امتدادا لصناعة قائمة، بل محاولة لخلق تجربة جديدة من الصفر. وقد تكون "سينما هوس" مشروعا صغيرا مقارنة بحجم الاحتياج الهائل في غزة. لكنها ربما تكمن قوتها في هذا الحجم تحديدا، فهي لا تدعي إعادة بناء القطاع الثقافي، بل تبدأ من مساحة محدودة جدا، من طفل يجلس أمام شاشة ويشعر للحظة أن العالم أوسع من حدود الحرب. لحظة كتلك هي العالم الجديد لطفل فقد مدرسته، ولم يعد يجد مساحة للتعبير والتجريب، بعدما هدم الاحتلال معظم المراكز الثقافية في غزة ودمر الحالة الثقافية كاملة. فليس من الغرابة أن يبحث طفل تستمر الإبادة في ملاحقته، عن لحظة واحدة مع السينما.

font change