مهرجان "نحب الحياة غدا" في غزة يفتح نافذة فرح للطفولة المسروقة

30 فيلما عالميا وعروض ترفيهية

Omar Al-Qattaa / AFP
Omar Al-Qattaa / AFP
نازحة تحمل طفلا خلال فعالية سينمائية للأطفال في مخيم الشاطئ، 23 نوفمبر 2025

مهرجان "نحب الحياة غدا" في غزة يفتح نافذة فرح للطفولة المسروقة

بين كتل الركام المتناثر في شوارع غزة، امتلأت الساحات الصغيرة بضحكات الأطفال وألوان البالونات، وأصوات الموسيقى المحملة حياة. هناك، على أرض خيمة مؤقتة، تجمّع آلاف الأطفال لحضور "مهرجان غزة السينمائي للأطفال" بعنوان "نحب الحياة، غدا"، مختلسين لحظات مسروقة من طفولتهم: شاشة كبيرة تعرض أفلاما، فرق موسيقية تغني، ومهرجون يقتنصون ضحكات رقيقة يطمح إليها الحاضرون. هذا الحدث رغم كل الخراب المحيط به، أصبح لحظة حية، نافذة مفتوحة على عالم مختلف، قصير إنما حقيقي، حيث الأطفال يرقصون، ويغنون، ويحلمون مجددا.

تستمر أنشطة المهرجان في دورته الأولى التي انطلقت في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، شهرا كاملا، يعرض خلاله أكثر من ثلاثين فيلما سينمائيا عالميا، جميعها تؤسس لحظات حلم جديدة مع جمهور الأطفال، وتهدف لإبعادهم عن قسوة الواقع. كما يضم البرنامج ورشا للدراما والتفريغ النفسي.

من بين العروض الفيلم الفرنسي الكلاسيكي “البالون الأحمر” (The Red Balloon) للمخرج ألبير لاموريس الذي يجسد البراءة وقوة الخيال في مواجهة الواقع. كما تضمنت قائمة الأفلام مجموعة من الأعمال المألوفة للأطفال، منها: “روبن هود” و”مستر بين” و”البرج” و”بوباي” و”المطلوبات الـ18” و”الملك والطير” و”ميكي ماوس”. هذه التشكيلة، بحسب المنظمين، صممت لتمنح الأطفال فرصة الهروب ولو للحظات من الواقع الصعب، وتعيد اليهم متعة المشاهدة والخيال، وتتيح لهم مساحة للتفاعل مع القصص والشخصيات التي يعرفونها ويحبونها.

مساحة للتعافي

المخرج مصطفى النبيه، المدير التنفيذي للمهرجان، بدا واثقا منذ البداية في شأن الهدف منه، فالفن وسيلة ناجعة للعلاج النفسي بعد الصدمة: "أطفال غزة عاشوا تجارب تفوق طاقتهم: فقدان الأهل، الخوف المستمر، العيش في الخيام، التجويع المتعمد. هذه الظروف سلبت منهم أبسط حقوق الطفولة، أي اللعب والحلم والخيال"، يقول النبيه لـ"المجلة"، موضحا كيف ترجم شعار المهرجان إلى واقع ملموس: “اخترنا ألوانا وألعابا وأغنيات تناسب الأطفال، وقدمنا باقة من الأفلام التي تمنح المتعة والقيم الإنسانية، لتعيد الى الطفل ثقته بالعالم وقدرته على الحلم".

اخترنا ألوانا وألعابا وأغنيات تناسب الأطفال، وقدمنا باقة من الأفلام التي تمنح المتعة والقيم الإنسانية، لتعيد الى الطفل ثقته بالعالم

مصطفى النبيه

هذه الطريقة الحالمة المراعية لخيال الطفل وأفكاره، تحجب جزئيا الصورة المشوهة التي رسمتها الحرب في غزة. وأصعب اللحظات، بحسب النبيه، "كانت عندما فقدت فرقة الكشافة كل أدواتها بالقصف، وأصبح أعضاؤها بين شهيد وجريح. لكن فريق العمل استعاض عن ذلك بما استطاع جمعه من أدوات، وصنع فرقة جديدة، وأقام عروضا في الهواء الطلق. كل شيء تم بجهود مجتمعية كبيرة، معتمدين على طاقات محلية لإنجاح الحدث، وتجاوز القيود اللوجستية والاقتصادية".

Omar Al-Qattaa / AFP
مرأة ترسم علم فلسطين على وجه طفلة خلال فعالية سينمائية في مخيم الشاطئ، 23 نوفمبر 2025

ويواصل النبيه عرض التحديات: "منذ الصباح نواجه تحديات متلاحقة: مولّد الكهرباء يتعطل، والسماعات التي حصلنا عليها بشق الأنفس احترقت، وفريق العمل نفسه منهك، كثير منهم يعيش في خيام، يعاني من المواصلات ومن الطرق الوعرة التي تسلكها عربات مهترئة. ومع ذلك، كل تحدٍ يتحول فرصة للبناء".

 ويوضح أن الرسالة الأساس للمهرجان كانت واضحة: "وسط الخوف الدائم من النزوح وتجدد الحرب، أردنا أن نقول: نحن نحب الحياة ونرفض الموت. جئنا لنغني للفرح، ولنمنح أطفالنا مساحات من الجمال والحب، ونساعدهم في التحليق بعيدا من هذه الجحيم إلى عالم طفولتهم المسروقة".

 يشير النبيه إلى أن تفاعل الأطفال كان غير مسبوق، وأصواتهم المبتهجة المتحمسة التي علت خلال العروض، تؤكد قدرة غزة على استئناف الحياة.

يقول: "ما زالت قلوب أطفال غزة فيها تبحث عن البهجة. لقد فوجئنا بالحضور الهائل، زهاء ثلاثة آلاف طفل شاركوا في الكرنفال الفني، وامتلأت الساحات بحماستهم. كان الأطفال يرقصون ويغنون ويلعبون كأنهم يحاولون الهروب من واقع قاسٍ أثقل طفولتهم".

لكنه لا يغفل أثر الحرب الطويل عليهم: "رغم الفرح، لا يمكن إخفاء آثار العنف: بعضهم صار يتعامل بعدوانية مع أقرانه، أو يسأل بإلحاح: هل ستعطوننا بالونات؟ هل سنحصل على ألعاب؟ هذا الشعور بالحرمان يكشف حجم ما فُقد من براءتهم، ومع ذلك، يذكرنا التفاعل العفوي بأن جذوة الحياة ما زالت متقدة فيهم".

نافذة تطل خارج الحرب

الطفل سالم نبهان، 12 عاما،  وجد في المهرجان فرصة للابتعاد عن آثار الحرب ولو لوقت قصير: "شعرت بأنني في مكان آخر… السينما تجعلنا موجودين، نفكر، نتعلم، ونشكل صداقات جديدة".

يأتي نبهان لمشاهدة الأفلام سيرا، قرابة كيلومتر، بين خيمته ومكان العرض، معتبرا أن كليهما خارج الواقع.: "ما زلت لا أصدق أنني مجبر على العيش داخل خيمة، جئت الى المهرجان كي أصدق نفسي". يبحث نبهان عن فرصة من خلال مشاركته في فعاليات المهرجان، ويأمل بأن يتعلم صناعة فيلم قصير: "لو نجحت في صناعة فيلم فسيكون عنوانه 'الخذلان'، سأحكي عن عالم متحضر ترك مجموعة مجرمين يسفكون دمنا". يستدرك: "أتمنى أن تكون في غزة قاعة سينما كما في كل بلدان العالم".

Omar Al-Qattaa / AFP
نازحون يشاركون في فعالية سينمائية وترفيهية للأطفال فوق أنقاض نادي الشاطئ، 23 نوفمبر 2025

أما هناء السوسي، 14 عاما، من جمهور المهرجان، فتعبر عن دهشتها بوجود مهرجان سينمائي للأطفال في غزة: "عندما تنطفئ الأنوار أحس أنني أدخل عالما آخر. تجذبني الشاشة الكبيرة إلى حدّ أظن بأن الشخصيات على وشك أن تلامس وجهي".

عندما تنطفئ الأنوار أحس أنني أدخل عالما آخر. تجذبني الشاشة الكبيرة إلى حدّ أظن أن الشخصيات على وشك أن تلامس وجهي

هناء السوسي

يبحث أطفال غزة عن نصفهم الحي، عن لحظات اكتفاء، وسط دروب مخيفة زجتهم بها حرب تفوق قدراتهم: "السينما تشعرني أنني ما زلت على قيد الحياة". تقول لنا.

العيش في مدينة اختفت ملامحها، وتعطلت شوارعها، يمحو أية محاولة للفرح هنا. لكن دقائق قليلة مع الألوان والحركة والخيال يمكن أن تسهم في العلاج النفسي. تقول السوسي: "أشعر بالراحة هنا، فكل قصة رأيتها في العروض، كنت أتخيل نفسي في داخلها".

Eyad Baba / AFP
أطفال يحتفلون في مخيم نازحين بالنصيرات بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، 9 أكتوبر 2025

مستقبل غامض

يربط المخرج السينمائي منتصر السبع الحدث بسياقه الأكبر، ويرى أن المهرجان لحظة ذهبية في ظل حياة معطلة يحياها المجتمع الغزي، فالتعليم متوقف، والحياة الثقافية تحتضر. يقول: "الأطفال في غزة عاشوا جحيما طوال الفترة الماضية. أي فعل ثقافي موجه لهم في هذا الوقت بالغ الأهمية. المهرجان يفتح لهم نافذة على العالم ويجعلهم يبتسمون ولو للحظات".

أما حول التحديات التي تواجه المهرجان أو أي فعل ثقافي يقدم في ظل الافتقار لمعظم مكونات العمل الثقافي، وتعقيد العثور على بدائل، فيقول السبع: "قوة المهرجان الحقيقية هي في قدرة فريق العمل على تنفيذ الأنشطة المختلفة رغم كل الصعوبات. نحن لسنا أقل خبرة من الفرق العربية والدولية، بل أحيانا أكثر إبداعا. نطمح بأن يصبح المهرجان في حجم قضيتنا". يعترف بسلسلة المخاوف التي تطول مستقبل السينما الموجهة الى الأطفال في غزة مستقبلا: "هناك مستقبل غامض في طريق سينما الأطفال بعد حرب غيرت كل شيء وعبثت بوعي المجتمع كاملا. اختيار الأفلام، ومن سيمولها، والضغط السياسي الدولي. علينا أن نكون أكثر وعيا ومهنية، وأن نمنع استغلال الحدث سياسيا".

Bashar Taleb / AFP
أطفال يطلون من وراء خيمة في مخيم نازحين بالنصيرات وسط الحرب، 7 اكتوبر 2025

كما يشير السبع إلى أهمية البعد التوعوي، والصوت المحاكي الذي تمنحه السينما للطفل، لا سيما كونها ملجأ للكثيرين: "الأفلام تمنح الأطفال فرصة للهروب من الواقع المرضي الذي فُرض عليهم، فهي تنقل قيم التعاون والمحبة، وتؤكد لهم أن الحياة والإنسانية هما الأصل، بينما الحرب مجرد استثناء قاس".

ويركز السبع على الرؤية المستقبلية: "أتمنى أن تصل السينما الى كل طفل فلسطيني، وأن يتحول المهرجان إلى تقليد سنوي، أو دوري، فهو قادر على إعادة ما سرقته الحرب والدمار، ولو للحظات".

كثير من المبادرات الثقافية في غزة لم يكتب لها الاستمرار، لعوامل عدة، وحين سألنا السبع عن أفق  استمرار أي مبادرة ثقافية أجاب: "إن توسيع الشراكات مع مؤسسات دولية، والعمل الجاد، والأفكار المبتكرة، هي ما يضمن استمرارية العمل الثقافي وتطوير برامجه، مع ضرورة إدخال برامج تشاف يشمل الفن التشكيلي والموسيقى والسينما".

الأفلام تمنح الأطفال فرصة للهروب من الواقع المرضي الذي فُرض عليهم، فهي تنقل قيم التعاون والمحبة، وتؤكد لهم أن الحياة والإنسانية هما الأصل 

منتصر السبع

في هذا السياق، يظهر المهرجان  كفعل استعادة وتذكر، يمنح الأطفال فرصة جديدة لملامسة الحياة من وجهها الجميل. ويأتي الفن بطريقة وظيفية كأداة للبقاء والفرح والمعرفة، ولإعادة ترتيب الأوراق المبعثرة. هو ليس ترفا بل لحظة تدخل إلى حياة الطفل المسلوب حقه في اللعب والحلم. السؤال يبقى: كيف يمكن هذه اللحظات أن تصمد وتؤسس لحياة لامعة؟

Omar Al-Qattaa / AFP
فعالية سينمائية وترفيهية لأطفال غزة على أنقاض نادي الشاطئ، 23 نوفمبر 2025

مهرجان "نحب الحياة، غدا" يفتح الباب أمام أسئلة جديدة عن دور الفن في النهوض من الخراب، وصناعة الأمل في أصعب الظروف، ويثبت أنه حتى في غزة، يمكن الطفل أن يعيش طفولته.

font change

مقالات ذات صلة