هكذا أعاد الأوروبيون اكتشاف الحضارة اليونانية

السبيل لفهم أسئلة الحياة الجوهرية

 ARIS MESSINIS / AFP
ARIS MESSINIS / AFP
اكتمال القمر خلف معبد بوسيدون في رأس سونيون باليونان

هكذا أعاد الأوروبيون اكتشاف الحضارة اليونانية

لم تكن عودة أوروبا إلى اليونان القديمة مجرد عودة إلى كتب منسية، بقدر ما كانت عودة إلى صورة كاملة للإنسان والعالم. فعندما استعاد الأوروبيون الفلسفة والأدب اليونانيين، قرأوا أرسطو وهوميروس وسوفوكليس بوصفهم مصادر حية تساعدهم في إعادة التفكير في العقل والجمال والإنسان والحياة والمصير، أكثر مما قرأوهم بوصفهم جزءا من الماضي.

بدأت المرحلة الأولى من هذه العودة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حين انتقلت إلى أوروبا الغربية أجزاء كبيرة من الفلسفة والعلوم اليونانية، وكان أرسطو في قلب هذه العملية، ووصل كثير من كتبه إلى اللاتينية من طريق الترجمات العربية والشروح التي وضعها فلاسفة مثل ابن سينا وابن رشد، إلى جانب ترجمات مباشرة عن اليونانية. وهكذا أصبح أرسطو أحد المراجع الأساس للفلسفة المدرسية في المدارس الدينية والجامعات الأوروبية.

عصر النهضة

لكن هذه العودة كانت في البداية فلسفية وعلمية أكثر منها أدبية. أما الاكتشاف الواسع لهوميروس وأفلاطون والتراجيديين الإغريق والنصوص اليونانية الأصلية، فقد ازدهر في عصر النهضة، ولا سيما في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ومع انتقال العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا، وانتشار تعلم اليونانية، ثم سقوط القسطنطينية سنة 1453، ازدادت المخطوطات اليونانية حضورا في الغرب، وساعد اختراع الطباعة في نشرها وتوسيع دائرة قرائها. ومنذ ذلك الحين لم تعد اليونان عند الأوروبيين مجرد مصدر للفلسفة، إذ أصبحت نموذجا للحضارة بمعناها الأشمل. ففيها وجدوا الفلسفة والمسرح والشعر والتاريخ والنحت والعمارة والسياسة، وصار فهم اليونان جزءا من محاولة أوروبا فهم نفسها.

أصبحت "الأوديسة" رمزا للإنسان الذي يضل ويعاني، لكنه يرفض أن يفقد هويته

وكان الأدب اليوناني في قلب هذا الاكتشاف. فـ"الإلياذة" و"الأوديسة"، المنسوبتان إلى هوميروس، تمثلان ذروة الملحمة، بينما تمثل أعمال أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس ذروة التراجيديا، وبينهما فرق.

فالتراجيديا ليست مجرد قصة حزينة تنتهي بالموت. إنها تصور الإنسان حين يجد نفسه أمام قوة أكبر منه: القدر أو الآلهة أو القانون أو الأسرة أو نتائج أفعاله. وقد يكون البطل نبيلا وشجاعا، ومع ذلك يقع في خطأ أو يدخل في صراع لا يستطيع الخروج منه بلا خسارة. ففي "أوديب ملكا" مثلا يحاول أوديب الهرب من النبوءة، لكن أفعاله نفسها تقوده إلى تحقيقها. ومن هنا تنشأ المفارقة التراجيدية، الإنسان يعمل بإرادته، ثم يكتشف أن إرادته لا تكفي للسيطرة على العالم. أما "الأوديسة" فهي ملحمة العودة، وليست تراجيديا. انتهت حرب طروادة، ويريد أوديسيوس العودة إلى إيثاكا، إلى زوجته بينيلوبي وابنه تيليماخوس وبيته وملكه. لكن الرحلة تطول، ويواجه فيها البحر والآلهة والوحوش والإغراء والنسيان والموت. ولهذا تدور "الأوديسة" حول سؤال مختلف: كيف يحافظ الإنسان على نفسه وهو معرض للضياع؟ أوديسيوس يفقد رفاقه، ويحتجز بعيدا عن وطنه، ويمر بعوالم يمكن أن تنسيه غايته، لكنه يحتفظ بفكرة العودة. ولذلك أصبحت "الأوديسة" رمزا للإنسان الذي يضل ويعاني، لكنه يرفض أن يفقد هويته.

DENIS CHARLET / AFP
زائرة تلتقط صورا لتماثيل في معرض عن هوميروس في متحف اللوفر، لنس

أما "الإلياذة" فأشد قتامة. إنها لا تروي حرب طروادة كلها، بل تتركز على غضب أخيل وعلى الموت والمجد والفقد. أخيل يعرف أن المجد العظيم قد يكون ثمنه حياة قصيرة، وهكتور يعرف أن دفاعه عن طروادة قد يقوده إلى الموت. ولهذا تبدو "الإلياذة" أقرب في روحها إلى العالم الذي ستولد منه التراجيديا، وإن ظلت هي نفسها ملحمة.

 Wikimedia Commons
الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه

نيتشه والتراث اليوناني

هذا التمييز مهم لفهم فلسفة نيتشه. فقد بدأ حياته باحثا في الفيلولوجيا، فقه اللغة الكلاسيكية، وكان التراث اليوناني في صميم تكوينه. وعندما كتب "مولد التراجيديا" حاول الإجابة عن سؤال أساس: كيف استطاع شعب عرف الحرب والموت والقسوة وهشاشة الإنسان أن ينتج هذا القدر الهائل من الجمال؟

ما يسميه نيتشه "السذاجة الهوميرية" لا يعني السذاجة المعهودة. إنها قدرة الفنان على إقامة عالم مشرق فوق خلفية مظلمة من الألم والفناء

وكان جوابه أن الثقافة اليونانية قامت على توتر بين قوتين: الأبولونية والديونيسية. يمثل أبولون الشكل والوضوح والصورة والحلم والحدود والفردية، بينما يمثل ديونيسوس الاندفاع والموسيقى وتحطم الحدود والاتصال بالقوة العميقة والمخيفة للحياة.

وكان هوميروس عند نيتشه النموذج الكبير للفنان الأبولوني. وهذا لا يعني أن عالم هوميروس سعيد أو بريء من الألم، فهو يعرف الحرب والموت والقسوة والحزن، لكنه يحولها إلى صور واضحة وجميلة. فالجمال عنده هو وسيلة لمواجهة رعب الحياة. ولهذا فإن ما يسميه نيتشه "السذاجة الهوميرية" لا يعني السذاجة المعهودة. إنها قدرة الفنان على إقامة عالم مشرق فوق خلفية مظلمة من الألم والفناء.

لقد عرف اليوناني قسوة الوجود، وأحاطها بآلهة الأولمب والأبطال والأساطير والشعر. وهذا يصدق على "الإلياذة" و"الأوديسة" معا. وليس من الدقة اعتبار "الأوديسة" أبولونية و"الإلياذة" ديونيسية، لأن نيتشه ينظر إلى الملحمة الهوميرية كلها بوصفها فنا أبولونيا. ففي "الإلياذة" نجد الدم والموت والانتقام وتشويه الجثث، ومع ذلك تتحول هذه القسوة في شعر هوميروس إلى عالم له شكل وإيقاع وجمال.

أما "الأوديسة" فتظهر فيها القوة الأبولونية بطريقة أخرى. فأوديسيوس يحافظ على اسمه وهويته وهدفه وسط عالم يهدده بالضياع. إنه يواجه الإغراء والنسيان والفوضى، لكنه يظل متجها بخطوات ثابتة إلى بيته. ومن هذه الزاوية يمكن قراءتها بوصفها ملحمة الحفاظ على الهوية أمام التشتت.

LOUISA GOULIAMAKI / AFP
تمثال رخامي يصور أوديسيوس عُثر عليه في حطام سفينة أنتيكيثيرا

قلب الرعب

لكن التراجيديا، عند نيتشه، تذهب أبعد من هوميروس. فإذا كان هوميروس يجعل رعب الحياة قابلا للاحتمال من خلال الجمال، فإن التراجيديا تدخل إلى قلب الرعب نفسه. إنها تكشف سقوط الإنسان وعجزه ومصيره، ومع ذلك لا تنتهي إلى كراهية الحياة.

وهنا يظهر العنصر الديونيسي، قبول الحياة لا لأنها عادلة أو سهلة أو خالية من الألم، بل لأنها حياة. ولذلك يمثل هوميروس والتراجيديا طريقتين يونانيتين في مواجهة المشكلة نفسها، هوميروس يحول رعب الحياة إلى صورة جميلة، أما التراجيديا فتدخل إلى قلب الرعب ثم تستخرج منه ولاء للحياة.

 ARIS MESSINIS / AFP
جمهور يلتقط صورا قبل عرض أوبرا "ميديا" في مسرح "إبيداوروس" اليوناني القديم

ومن هنا نفهم لماذا عاد الأوروبيون إلى اليونان مرة بعد مرة. ففي عصر النهضة كانت اليونان مصدرا للمعرفة والجمال، ثم أصبحت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولا سيما في ألمانيا، نموذجا ثقافيا وفلسفيا عند فنكلمان وغوته وشيلر وهولدرلن وهيغل، ثم عند نيتشه وهايدغر.

طرح الإرث اليوناني مبكرا، واحدا من أكثر الأسئلة الإنسانية دواما: كيف يعرف الإنسان أن الحياة قصيرة ومؤلمة ثم يظل مع ذلك قادرا على حبها؟

لم يكن نيتشه يريد تقليد اليونانيين، بل التعلم منهم كيف يمكن الثقافة أن تواجه الحقيقة من غير أن تنهار أمامها. ففي "الإلياذة" يقف الإنسان أمام الموت والمجد، وفي "الأوديسة" يقاوم الضياع ويحاول العودة إلى نفسه وبيته، وفي التراجيديا يكتشف حدود إرادته أمام القدر والألم. وربما كان هذا هو سر بقاء إرث اليونان حاضرا في الثقافة الأوروبية: أنها طرحت مبكرا، واحدا من أكثر الأسئلة الإنسانية دواما: كيف يعرف الإنسان أن الحياة قصيرة ومؤلمة وغير مضمونة، ثم يظل مع ذلك قادرا على حبها؟

font change