لم تكن عودة أوروبا إلى اليونان القديمة مجرد عودة إلى كتب منسية، بقدر ما كانت عودة إلى صورة كاملة للإنسان والعالم. فعندما استعاد الأوروبيون الفلسفة والأدب اليونانيين، قرأوا أرسطو وهوميروس وسوفوكليس بوصفهم مصادر حية تساعدهم في إعادة التفكير في العقل والجمال والإنسان والحياة والمصير، أكثر مما قرأوهم بوصفهم جزءا من الماضي.
بدأت المرحلة الأولى من هذه العودة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حين انتقلت إلى أوروبا الغربية أجزاء كبيرة من الفلسفة والعلوم اليونانية، وكان أرسطو في قلب هذه العملية، ووصل كثير من كتبه إلى اللاتينية من طريق الترجمات العربية والشروح التي وضعها فلاسفة مثل ابن سينا وابن رشد، إلى جانب ترجمات مباشرة عن اليونانية. وهكذا أصبح أرسطو أحد المراجع الأساس للفلسفة المدرسية في المدارس الدينية والجامعات الأوروبية.
عصر النهضة
لكن هذه العودة كانت في البداية فلسفية وعلمية أكثر منها أدبية. أما الاكتشاف الواسع لهوميروس وأفلاطون والتراجيديين الإغريق والنصوص اليونانية الأصلية، فقد ازدهر في عصر النهضة، ولا سيما في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ومع انتقال العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا، وانتشار تعلم اليونانية، ثم سقوط القسطنطينية سنة 1453، ازدادت المخطوطات اليونانية حضورا في الغرب، وساعد اختراع الطباعة في نشرها وتوسيع دائرة قرائها. ومنذ ذلك الحين لم تعد اليونان عند الأوروبيين مجرد مصدر للفلسفة، إذ أصبحت نموذجا للحضارة بمعناها الأشمل. ففيها وجدوا الفلسفة والمسرح والشعر والتاريخ والنحت والعمارة والسياسة، وصار فهم اليونان جزءا من محاولة أوروبا فهم نفسها.



