دورا كابرالوفا لـ"المجلة": الاستبداد الوحيد الذي أحترمه هو استبداد الشعر المعيش

روايتها الأحدث "التنويم المغناطيسي في ماريبور" حصدت جائزة الاتحاد الأوروبي

 Wikimedia Commons
Wikimedia Commons
الكاتبة التشيكية دورا كابرالوفا

دورا كابرالوفا لـ"المجلة": الاستبداد الوحيد الذي أحترمه هو استبداد الشعر المعيش

ولدت الكاتبة والصحافية التشيكية دورا كابرالوفا عام 1975 في برنو، وهي ابنة الشاعر المعروف زينو كابرال، درست الدراماتورجيا وكتابة السيناريو في أكاديمية ياناشيك للفنون المسرحية قبل أن تنتقل إلى برلين عام 2008 حيث تقيم وتكتب حتى اليوم. تتنوع أعمالها بين القصة القصيرة والرواية وأدب الرحلات. منذ بداياتها، اتسم مشروعها الأدبي بالتجريب وكسر الحدود بين الأجناس، جامعا بين السرد الروائي والتقرير الصحافي.

حصلت روايتها الأحدث "التنويم المغناطيسي في ماريبور" على جائزة الاتحاد الأوروبي للأدب 2026. كما ترشح كتابها للأطفال "السيد لا أحد والظلام الأبيض" لجائزة شريط ذهبي لأدب الأطفال عام 2022.

عرفت كابرالوفا بموضوعاتها التي تتناول قضايا اللاجئين والمهمشين، ورشحت مرات عدة لجائزة الصحافة التشيكية الألمانية عن تقاريرها التي كتبتها في برلين للمجلات والبرامج الوثائقية الإذاعية لإذاعة التشيك. وفي عام 2016، فازت بجائزة أفضل نص وجائزة ميلينا يسينسكا الخاصة، لتصبح كابرالوفا من أبرز الأصوات الإبداعية في الأدب الأوروبي المعاصر، إذ تعيد أعمالها تعريف معنى الكتابة بوصفها مقاومة للحدود وبحثا عن الحرية والهوية. ترجمت أعمالها إلى لغات عدة من بينها اللغة الإنكليزية كما صدرت أخيرا الترجمة العربية للمتوالية القصصية " الألم وفنون أخرى". هنا حوار "المجلة" معها.

في كتاباتك لا تلتزمين قواعد الجنس الأدبي الصارمة، هل هذا الرفض للحدود بين الأجناس الأدبية الصارمة هو انعكاس مباشر لحياتك كإنسانة تعيش بين هويتين ولغتين، أم أنه تمرد جمالي على نمط السرد التقليدي؟

لم يخطر في بالي حتى الآن أن إقامتي المزدوجة العيش في دول عدة قد تتسبب أيضا بفوضى في أسلوب كتابتي. بل أقول إنني أقدر في كتابتي الحرفية، والحرية، والحدس.

الأدب الجيد برمته ينبع من الشعر، فمنه تكمن جذوره. وربما تكمن جذوري أيضا في الكآبة والفكاهة ونظرة رقيقة للعالم

 وعندما تجتمع هذه العوامل الثلاثة، تكون النتيجة كتابة ليست تجريبية بالمعنى الحرفي، وفي الوقت نفسه لا تتقيد بنوع أدبي محدد. بالنسبة لي، هذه ليست أجندة فنية، بل هي عملية طبيعية وبحث عن شكل يجسد الشعر والنظام والحرية في آن واحد.

بالنظر أن التجريب في النص جزء أصيل في مشروعك الإبداعي، هل حصولك على جوائز أدبية مرموقة منحك شجاعة أكبر للاستمرار في هذا الأسلوب المغاير؟

كما ذكرت سابقا، لا أعتبر نفسي كاتبة تجريبية. فأنا أعشق الشعر وتقاليد الأدب الكلاسيكي والحديث على حد سواء. ولعل هذا التداخل بين الأجناس الأدبية يبدو واضحا، لأنني مقتنعة بقوة الشعر. أؤمن أن الأدب الجيد برمته ينبع من الشعر، فمنه تكمن جذوره. وربما تكمن جذوري أيضا في الكآبة والفكاهة ونظرة رقيقة الى العالم، نظرة تجمع بين التعاطف والجرأة.

 Wikimedia Commons
الكاتبة التشيكية دورا كابرالوفا

تجربة الانتقال

في كتابك "دفتر برلين"، تتحول التجربة الشخصية للعيش في مدينة جديدة إلى وثيقة أدبية للمساءلة والانتماء. حدثينا عن هذه التجربة وكيف حولت شعورا خاصا إلى نقاش عام حول الهوية؟

كتبت "دفتر برلين" وفي داخلي شعور بأنني بلا جذور. بالطبع، قد يبدو هذا القول مبتذلا بعض الشيء، وأنا أدرك جيدا أنني غادرت موطني بإرادتي – لم يكن نفيا – لذا أتردد في إظهار أي نبرة عدم رضا. لكن التجربة الأكثر إثارة بالنسبة لي كانت عملي كمعلمة وموجهة لأطفال اللاجئين خلال عامي 2015 و2016. كانت تلك التجربة بمثابة إعادة فتح لعيني على الواقع، إذ قمت بتصوير وثائقي شعري مع أطفال سوريين وألمان، مستوحى من رواية "أليس في بلاد العجائب" للكاتب لويس كارول.

كان الفيلم قائما أساسا على فرضية وجودية: من أنا؟ من أين أتيت؟ وإلى أين أذهب؟ كان الأطفال في غاية العفوية والصدق، وكانت الثقة المتبادلة بيننا نقية تماما، وربما يعود السبب في ذلك جزئيا إلى أن لغتي الألمانية ولغتهم لم تكن مثالية. كنا نبحث معا عن لغة مشتركة والكلمات الصحيحة لتسمية ما يجمعنا، بدلا مما يفرقنا.

أعتذر، لقد ابتعدت عن الكتاب لتناول الفيلم الوثائقي الإذاعي! لقد حصلت على جائزة الصحافة التشيكية-الألمانية عن ذلك العمل، لكن ما كان أكثر قيمة بالنسبة لي من الجائزة هو لقاء هؤلاء الأطفال وما تعلمته من خلال حواراتنا. ربما يجدر بنا في وجه عام أن نستمع أكثر لأولئك الذين لا يسمع صوتهم، لأولئك الصامتين والمهمشين الذين تكاد أصواتهم تكون غير مسموعة. ومن الضروري أيضا بالنسبة لي تجنب النظرة الأيديولوجية للعالم. فالاستبداد الوحيد الذي أحترمه تماما هو استبداد الشعر المعيش.

Photo by JOSEPH EID / AFP
لاجئون سوريون يصطفون أمام السفارة الألمانية في بيروت لتقديم طلبات الهجرة

مهاجرون ومنفيون

يحضر المهاجرون، المنفيون، والمهمشون بقوة في أعمالك. كيف يستطيع الأدب أن يمنح هؤلاء صوتا دون أن يقع في فخ الموعظة الأخلاقية أو المتاجرة بالضحايا؟ وهل تعتبرين اللغة نفسها شكلا من أشكال المقاومة ضد المحو؟

ثمة خطر الوقوع في فخ الوعظ الأخلاقي إذا استسلمنا لإغراء الأيديولوجيا أو الشعور بالتفوق الأخلاقي. المهم هو الشراكة والعفوية والفكاهة، فهي السلاح الفعال الوحيد ضد غطرسة السلطة. أعتقد أنه حتى في الألم شيء من المأساة الكوميدية.

ربما يجدر بنا أن نستمع أكثر لأولئك الذين لا يسمع صوتهم، لأولئك الصامتين والمهمشين الذين تكاد أصواتهم تكون غير مسموعة

 للأسف، يوجد ظلام دامس وشر مطلق في عالمنا أيضا، لكنني عاجزة عن وصفهما أو فهمهما، فالظلام الدامس يتجاوز حدود ما أستطيع تحمله ككاتبة وامرأة. نعم، إلى حد ما، اللغة دائما مقاومة للمحو، كما ذكرت، أو - بتعبير أبسط - وسيلة لإحياء الذكريات، لتأطير صورة. وهذا ينطبق حتى على اللغة بكل ما فيها من أساطير وأوهام.

غلاف "التنويم المغناطيسي في ماريبور"

في روايتك الأحدث "التنويم المغناطيسي في ماريبور"، اخترت أن تروي قصة المدينة من منظور "ذبابة منزلية"، ذلك الكائن الطفيلي، الصغير، والمحتقر. لماذا اخترت هذا المنظور تحديدا؟

كان السبب بسيطا: أردت كتابة نثر على النمط الوجودي، ولذلك اخترت منظور الذبابة، التي لا تعيش سوى أسبوعين. لأنني أنا أيضا عشت في ماريبور لأسبوعين. تظل الذبابة مخلوقا إلهيا، حتى وإن كنا نحتقرها. لقد انجذبت ببساطة إلى منظور هذا المخلوق المتواضع والبسيط.

الكتابة للأطفال

في قصتك للأطفال "السيد لا أحد والظلام الأبيض"، تتناولين مشاعر ثقيلة كالخوف واليأس. حدثينا عن تجربة الكتابة للطفل.

كتبت "السيد لا أحد والظلام الأبيض" من أجل ابنتي الصغرى، التي بدأت تخاف من الموت عندما كانت في العاشرة من عمرها تقريبا. ولهذا السبب أردت تحويل ذلك الخوف إلى وحش مادي ملموس، "السيد لا أحد"، الذي يهدد الأطفال وأمهم في القصة. وفي الوقت نفسه، هناك غموض ساحر، والأهم من ذلك كله، هناك حس من الدعابة والفكاهة، وبفضله تنتهي كل الأمور على نحو جيد.

غلاف "السيد لا أحد والظلام الأبيض"

لذا، فهي مرة أخرى قصة مروعة ومؤلمة، لكنها في الوقت نفسه قصة ساخرة ومتمردة، وأخيرا وليس آخرا، هي قصة عن الأمل. فبدون الأمل، مهما كان ضئيلا، لا يمكنني كتابة سطر واحد. أنا بحاجة إلى العزاء والأمان في كتاباتي وفي حياتي على حد سواء، وأجد هذا العزاء في الأدب وفي التفاعلات الإنسانية الطيبة مع الآخرين.

في كتابك "العودة إلى زيلاري"، قدمت قراءة معمقة لحياة الكاتبة التشيكية كفيتا ليغاتوفا. كيف أثر هذا الاشتباك الإنساني المباشر عليك ككاتبة؟

كان ذلك منذ زمن بعيد. كانت السيدة ليغاتوفا سيدة مسنة، وكاتبة من نوع مختلف تماما عني. كنت أكن لها احتراما كبيرا، لكن أسلوبنا في الكتابة مختلف تماما.

 RADEK MICA / MAFA / AFP
الكاتبة التشيكية كفيتا ليغاتوفا في منزلها بمدينة برنو

رغم عمق تجربة ليغاتوفا في سرد يتناول القرى التشيكية خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن شهرتها جاءت متأخرة جدا. كيف يتعايش المبدع مع فكرة أن القيمة لا تعني بالضرورة الانتشار؟

نحن جميعا مختلفون، فأنا أفضل الهدوء والسكينة عندما أكتب. يسعدني الاهتمام بالجوائز التي أحصل عليها، لكنه يشتت انتباهي في الوقت نفسه. أنا لا أكتب للبحث عن الاعتراف والتقدير، بل للتعبير عما أحتاج إلى التعبير عنه.

الإخراج والكتابة

إلى أي مدى تسيطر نظرتك الى الحياة كمخرجة على كتابة النص الأدبي؟

أحب المواقف الواقعية، لكن نظرتي لها كمخرجة تغيرها قليلا، وتضيف عليها طابعا فنيا يحولها إلى لحظات عبثية مخالفة للمألوف.

أنا بحاجة إلى العزاء والأمان في كتاباتي وفي حياتي على حد سواء، وأجد هذا العزاء في الأدب وفي التفاعلات الإنسانية

 تتحول الأشياء الصغيرة إلى أشياء كبيرة، ويتحول العالم إلى حكاية خرافية قاتمة تشعرك بالاطمئنان تحديدا لأنها منمقة بشكل واضح.

إلى أي مدى تأثرت بوالدك الشاعر البارز زينو كابرال والمعروف أيضا بالتجريب؟

غرس والدي داخلي حب الكلمات. لم يكن من هواة التجريب، بقدر ما كان يعشق اللغة بكل ما فيها من قوة وعظمة، وجرأة وعجز وسخرية. ورثت منه هذا الشغف، وسأظل ممتنة له إلى الأبد.

font change