آنا باولا مايا لـ"المجلة": نحن محاصرون في عالم يستعبد فيه بشر بشرا آخرين

"على الأرض كما في باطنها" وصلت إلى البوكر

آنا باولا مايا لـ"المجلة": نحن محاصرون في عالم يستعبد فيه بشر بشرا آخرين

تكتب الكاتبة البرازيلية آنا باولا مايا عن العوالم القاسية التي نادرا ما تجد طريقها إلى الأدب، مثل المسالخ، ومواقع العمل الشاق، والأطراف المنسية للمدن حيث يعيش العمال المهمشون. ولدت عام 1977 في نوفا إيغواسو قرب ريو دي جانيرو، وتعد اليوم من أبرز الأصوات في الأدب البرازيلي المعاصر، إذ تحول لغة العمل والعنف الذي يمارس يوميا على المهمشين إلى سرد مكثف.

منذ روايتها الأولى، "ساكن الصدوع تحت الأرض"، الصادرة عام 2003، انشغلت مايا بتفاصيل العمل اليدوي وتعقيداته الأخلاقية، وهو اهتمام تجلى لاحقا في ثلاثية روائية بعنوان "ملحمة اثنين من الوحوش" الصادرة بين 2009 و2011 التي تناولت حياة أولئك الذين يؤدون أكثر الأعمال قسوة في المجتمع. وقد حازت أعمالها تقديرا نقديا واسعا، ففازت مرتين بجائزة ساو باولو للأدب، بينما لاقت روايتها "حرب الأوغاد" الصادرة عام 2007 إشادة نقدية في ألمانيا بوصفها من الأعمال اللافتة في أدب الجريمة الأجنبي. كما نالت ترجمة روايتها "من الماشية والرجال" جائزة "جمهورية الوعي" في بريطانيا عام 2024، ووصلت روايتها "على الأرض كما في باطنها" الصادرة عام 2017 إلى القائمة الطويلة لجائزة بوكر الدولية 2026 و ترجمت الى الإنكليزية عام 2025، مؤكدة حضورها القوي في المشهد الأدبي العالمي. هنا حوار معها.

في روايتك "على الأرض كما في باطنها"، تثير طقوس إطلاق سراح السجناء في ليالي اكتمال القمر، ثم مطاردتهم، تساؤلات حول السلطة والحرية. هل ترينها استعارة للمجتمع البرازيلي تحديدا، أم أنها تعكس حالة إنسانية أوسع تتجاوز حدود الجغرافيا؟

إنها حالة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا. خاصة في الوقت الراهن، إذ نشهد مطاردة البشر بعضهم بعضا عن بعد، سواء بسبب الحرب أو الهجرة. يبدو أننا جميعا، بطريقة أو بأخرى، مهجرون.

عبودية متجذرة

تدور أحداث الرواية في بيئة عقابية متجذرة في إرث العبودية في البرازيل. كيف جعلت هذا الإرث حاضرا كقوة فاعلة في النص، بدلا من كونه مجرد خلفية تاريخية؟

أعتقد أن الماضي حاضر دائما. ولهذا السبب فإن إرث العبودية الموصوف في بيئة السجن ثابت جدا. يمكنك أن تشعري بأن كل ما هو تحت الأرض ينعكس على ما فوقها.

العديد من الدول التي طبعها الخوف والاضطهاد والعقاب تدرك أن جزءا مهما من تاريخها مدفون مع أجدادها

 العديد من الدول التي طبعها الخوف والاضطهاد والعقاب تدرك أن جزءا مهما من تاريخها مدفون مع أجدادها.

NELSON ALMEIDA / AFP
الفنانة الفنزويلية ديبورا كاستيو تؤدي عرض "لاميثويلا" احتجاجا على الأنظمة الشمولية في ساو باولو، 17 مارس 2019

في الرواية، يظهر العنف كجزء من بنية الحياة اليومية، لا كحدث استثنائي. هل هو انعكاس لواقع برازيلي ملموس، أم استعارة عالمية لهشاشة الإنسان في ظل أنظمة السلطة؟

أثناء كتابة هذه الرواية، كنت أفكر في أننا، في البرازيل وفي كثير من أنحاء العالم، نقاد بصمت إلى أنظمة لا مفر منها. فعلاقة الإنسان بعمله، وخضوعه لأنظمة السلطة التي تسير شؤون هذا العالم، تملي علينا حياتنا، مهما كان نوع العمل الذي نقوم به.

NELSON ALMEIDA / AFP
امرأة تحمل على جسدها عبارة "لا للديكتاتورية مجددا" خلال مسيرة صامتة في ساو باولو إحياء لذكرى ضحايا العنف في عهد ديكتاتورية 1964، 29 مارس 2026

التاريخ المظلم للعبودية والاستغلال والقمع حاضر بقوة في رواياتك. هل كتاباتك إعادة سرد لهذا التاريخ، أم محاولة لتفكيكه وكشف آلياته المستمرة؟

مزيج من الاثنين. لكنني أعتقد أن هناك تركيزا على محاولة تفكيكه وكشف آلياته. العالم مظلم، ونحن جميعا محاصرون فيه. لا يهم إن كنت مستغلا أو مستغلا. الجميع يتأثر بهذا النظام القمعي المسمى بالدولة. "ميلكياديس" أحد شخصيات الرواية يسحق الرجال الذين يخضعهم، ولكنه في الوقت نفسه يسحق هو الآخر بنظام لا إنساني يدفعه إلى الجنون.

في عالم يزداد هوسا بقصص الخلاص، غالبا ما تتجنب أعمالك فكرة النهاية السعيدة. ما رأيك في قدرة الأدب على تحقيق شكل من أشكال العدالة؟ أم أن دوره يقتصر على فضح الظلم؟

أعتقد أن الأدب من الأماكن القليلة التي يمكن فيها تحقيق العدالة حقا. نادرا ما أكتب نهايات سعيدة، لأني أدرك أن الواقع الذي يكشف فيه سيستمر، بطريقة أو بأخرى، في مسارات بائسة.

تتجنبين البلاغة اللغوية، ومع ذلك يتمتع أسلوبك بلغة مشهديه آسرة. كيف تحققين هذا التوازن؟

أثناء الكتابة، أبذل قصارى جهدي لعكس البيئة المحيطة وخصائص الشخصيات في تسلسل سلس للفقرات.

 أعتبر جفاف نصوصي، حين يحدث، مرتبط ارتباطا وثيقا بالظروف الصعبة التي تعيشها شخصياتها. لكن هذه الشخصيات لا تستطيع تقييم حياتها بشكل شامل، لأنها محدودة بنطاق إدراكها. ومثلنا جميعا، عالقين في حياتنا اليومية، لا نستطيع قياس وجودنا حقا.

MARIE HIPPENMEYER / AFP
سجناء في سجن بينهيروس في ساو باولو ينتظرون السماح لهم بالدخول إلى زنازينهم بعد أعمال شغب ومحاولة فرار

عالم المهمشين

غالبا ما تكون شخصياتك من المهمشين مثل سجناء، عمال، جزارين. ما الذي يجذبك إلى هذه الأصوات؟ هل الكتابة بأصوات ذكورية في عوالم قاسية تجربة جمالية أم اختبار لحدود قوة اللغة؟

أقول كلا الجانبين. مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن اختيار أصوات محددة، كتلك الموجودة في قصصي، يسمح لي كفرد بالانتقال إلى عالم مختلف عن عالمي، ولكنه عالم أنتمي إليه أيضا. يتطلب الأمر تعاطفا للتحدث عن الآخرين دون إصدار أحكام عليهم.

دخلت روايتك ضمن القائمة الطويلة لجائزة بوكر الدولية، وهذا يضعها في سياق عالمي. كيف ترين استقبال القراء غير البرازيليين لهذا النص القاسي؟

أعتقد أن هذا النص يتناول قضايا ملحة في عصرنا. نص، في رأيي، سيفهمه القراء من مختلف أنحاء العالم. إنها قصة قاسية تناسب أوقاتا مضطربة.

حظيت ترجمة بادما فيسواناثان بإشادة واسعة. ما مدى مشاركتك في عملية الترجمة؟ هل تعتبرينها إعادة كتابة للنص؟

بادما مترجمة ممتازة. طلبت مني في بعض الأحيان، توضيح بعض النقاط في الرواية. كان ذلك بسيطا جدا.

نادرا ما أكتب نهايات سعيدة، لأني أدرك أن الواقع الذي يكشف فيه سيستمر في مسارات بائسة

 تمكن الترجمة الجيدة القارئ من الوصول إلى القصة بطريقة أقرب ما تكون إلى اللغة الأصلية، مع اختيار الكلمات المناسبة بدقة لتكون مفهومة في لغة أخرى. إنه عمل رائع حقا.

لو أردت تلخيص مشروعك الأدبي في جملة واحدة، هل هو كشف للقسوة، أم محاولة لاكتشاف شكل من أشكال الإنسانية الكامنة وراء طبقات العنف؟

أعتقد أن رواية "على الأرض كما في باطنها" تتناول كيف نعيش جميعا، سواء في الحاضر أو ​​الماضي. فنحن محاصرون في عالم يطارد فيه بشر بشرا آخرين، ويستعبدونهم ويدينونهم.

font change