مسيرات الألياف الضوئية... كيف تغيّر قواعد المواجهة؟

سلاح يتجاوز التشويش ويعيد تعريف المواجهة...

Sara Padovan
Sara Padovan

مسيرات الألياف الضوئية... كيف تغيّر قواعد المواجهة؟

في الحروب الحديثة، لا يختزل التفوق في امتلاك السلاح وحده، بل يتجسد أيضا في كفاءة التواصل مع مراكز القيادة، إذ لا يقتصر هذا التواصل على نقل الأوامر، بل يشكل منظومة حيوية تنظم إيقاع المعركة وتحول فوضى الاشتباك إلى فعل محسوب.

يكتسب هذا المعنى بعدا أكثر وضوحا مع ظهور ما يعرف باسم الطائرات المسيرة التي تعتمد على خيط من الألياف الضوئية، حيث يصبح الاتصال نفسه جزءا من بنية السلاح لا مجرد وسيلة مساندة له. فذلك الخيط الرفيع الذي يربط الدرون بمشغله، يضمن تدفقا مستمرا للأوامر والصورة دون تشويش، ويحول القرار من رد فعل متأخر إلى امتداد مباشر لإرادة القيادة في الزمن الحقيقي، بما يعيد تعريف العلاقة بين من يدير المعركة ومن ينفذها على الأرض.

بدأت فكرة استخدام الأسلاك في القرن التاسع عشر مع بدايات الحروب الصناعية، فقد كان "السلك المعدني" العمود الفقري للاتصالات العسكرية، إذ استخدمت الجيوش التلغراف ثم الهاتف الميداني لنقل الأوامر عبر كابلات تمتد بين المواقع والخنادق، مما منح ميزة حاسمة تتمثل في صعوبة التشويش أو التنصت مقارنة بالإشارات اللاسلكية التي كانت لا تزال بدائية ومعرضة للاختراق. وقد ظلت الفكرة الأساس، أي نقل الإشارة عبر وسيط مادي، حاضرة في التفكير العسكري لعقود طويلة.

وخلال الحرب الباردة، تطورت هذه الفكرة إلى مستوى أكثر تعقيدا مع ظهور الصواريخ الموجهة عبر السلك، بحيث كان الجندي يطلق الصاروخ ويبقى متحكما فيه عبر كابل رفيع يمتد خلفه حتى يصل إلى الهدف، مما وفر دقة عالية ومقاومة شبه كاملة للتشويش الإلكتروني. هذه الأنظمة كانت تمثل مرحلة انتقالية مهمة بين الاتصال الأرضي التقليدي والتقنيات الرقمية الحديثة.

تعتمد تلك الطائرات على كابل فائق الدقة تنسجه خلفها أثناء الطيران، يخرج تدريجيا من بكرة صغيرة ويظل متصلا بمركز القيادة حتى لحظة الإصابة

مع دخول القرن الحادي والعشرين، حاولت مؤسسات بحثية متقدمة مثل "دربا" الأميركية إعادة إحياء الفكرة في صورة أكثر تطورا من خلال مشاريع لذخائر يتم التحكم فيها عبر ألياف ضوئية، لكنها لم تصل إلى مرحلة الاستخدام الفعلي، ربما لأن البيئة القتالية في ذلك الوقت لم تكن تتطلب مثل هذا الحل بشكل ملح.

ثم جاء تحول جديد مع تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية، فأصبحت الحرب الإلكترونية عنصرا أساسا في المعركة، وبدأت أنظمة التشويش تنتشر بكثافة على الجبهات، سواء على المركبات أو حتى مع الجنود بشكل فردي، وهو ما جعل الطائرات المسيرة اللاسلكية عرضة للإسقاط أو فقدان السيطرة بسهولة. ليعود الحل القديم بثوب جديد، إذ بدأت روسيا أولا ثم أوكرانيا باستخدام طائرات تعتمد على كابل ألياف ضوئية يمتد خلفها أثناء الطيران.

انتقال سريع

انتقلت فكرة طائرات الكابلات الضوئية سريعا خارج الجبهة الأوكرانية، وبدأت ملامحها تظهر في الشرق الأوسط، خصوصا مع تقارير عن استخدام "حزب الله" لهذا النوع من الطائرات المسيرة في جنوب لبنان وضد أهداف إسرائيلية قرب الحدود، وهو ما يعكس كيف لم تعد دروس الحرب الروسية الأوكرانية حبيسة أوروبا، بل تتحرك بسرعة نحو ساحات أكثر حساسية وتعقيدا.

خرجت الألياف الضوئية من نطاقها كوسيلة اتصالات مدنية لتصبح أداة عملية للالتفاف على أنظمة الحرب الإلكترونية

بالنسبة إلى إسرائيل، تطرح هذه الطائرات تحديا مختلفا، فهي صغيرة الحجم، منخفضة التكلفة، صعبة التشويش، ولا تمنح أنظمة الدفاع التقليدية وقتا كافيا للتعامل معها، لكنها في الوقت نفسه ليست سلاحا مثاليا، إذ يظل الكابل الذي يمنحها ميزتها الكبرى نقطة ضعف محتملة إذا ما تعرض للانقطاع أو التشابك، لتجمع بذلك بين عناصر القوة والهشاشة في آن واحد.

AFP
جندي أوكراني يطلق طائرة مسيرة من طراز "شارك"، وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا

الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية هي في جوهرها تطوير مباشر للطائرات الصغيرة من فئة الرؤية بمنظور الشخص الأول، لكنها تختلف جذريا في آلية الاتصال. فبدل الاعتماد على موجات الراديو أو روابط الفيديو اللاسلكية، تعتمد تلك الطائرات على كابل فائق الدقة تنسجه خلفها أثناء الطيران، يخرج تدريجيا من بكرة صغيرة ويظل متصلا بمركز القيادة حتى لحظة الإصابة. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن مدى هذا النوع من المسيرات يدور غالبا حول عشرين كيلومترا، مع نماذج أكثر تطورا قد تصل إلى خمسين كيلومترا، بينما تعمل عادة على ارتفاعات منخفضة لتقليل فرص الرصد. أما من حيث الوزن، فهو يتأثر مباشرة بطول الكابل، إذ يمكن أن تزن بكرة بطول عشرة كيلومترات وحدها نحو 2.3 كيلوغرام، مما يرفع الكتلة الإجمالية للطائرة ويؤثر على أدائها.

لا تعد هذه الفكرة جديدة تماما في تاريخ التسليح، بل لها جذور واضحة في الصواريخ الموجهة سلكيا خلال الحرب الباردة، مثل الصاروخ الأميركي BGM-71 TOW الذي يجسد اسمه ذاته مبدأ عمله، إذ يطلق من أنبوب، ويتابع بصريا، وتنقل أوامر توجيهه عبر أسلاك دقيقة تمتد خلفه أثناء الطيران. وقد سبقه في ذلك الصاروخ الفرنسي SS.10 missile في خمسينيات القرن الماضي، ثم تبعته أنظمة أخرى مثل ENTAC وHOT، وكلها اعتمدت على الفكرة ذاتها: بقاء السلاح متصلا بمشغله لضمان تصحيح المسار حتى لحظة الإصابة.

لا تنبع قيمة هذه الطائرات المسيرة من قدرتها التدميرية وحدها، بل من قدرتها على تجاوز واحدة من أهم وسائل الحماية الحديثة، وهي التشويش الإلكتروني

أما الألياف الضوئية نفسها، فهي ليست تقنية عسكرية مغلقة، بل مادة مستخدمة على نطاق واسع في شبكات الاتصالات المدنية، تتكون من خيوط دقيقة من الزجاج أو البلاستيك تنقل البيانات عبر نبضات ضوئية عالية السرعة. ألا أن توظيفها في هذا السياق يحولها من وسيط لنقل الإنترنت إلى قناة اتصال عسكرية مباشرة بين المشغل والطائرة. ورغم سهولة الحصول عليها نسبيا، يظل التحدي الحقيقي في الجانب الهندسي، وتحديدا في تصميم بكرة خفيفة وفعالة تسمح بانسياب الكابل بسلاسة أثناء الطيران، دون أن يتعرض للقطع أو يعيق حركة المسيرة.

تكاليف أقل

الجديد إذن في حرب أوكرانيا لم يكن ابتكار فكرة السلاح المرتبط بسلك، بل نقل هذه الفكرة إلى طائرة مسيرة صغيرة ومنخفضة الكلفة نسبيا داخل بيئة قتال كثيفة التشويش. وبهذا التحول، خرجت الألياف الضوئية من نطاقها كوسيلة اتصالات مدنية لتصبح أداة عملية للالتفاف على أنظمة الحرب الإلكترونية. فعندما يكون الاتصال لاسلكيا، يمكن الخصم تعطيل الإشارة أو قطع بث الفيديو أو إرباك أنظمة الملاحة، أما حين يتم عبر كابل مادي مباشر، فإن قدرة التشويش الإلكتروني تتراجع بشكل واضح وتفقد جزءا كبيرا من تأثيرها.

AFP
جندي أوكراني يقوم بتركيب هوائي لنظام تشويش على إشارات الطائرات المسيرة فوق مركبة مدرعة رباعية الدفع

من حيث التكلفة، لا يمكن تحديد سعر موحد لهذه الطائرات، إذ يتغير وفقا لنوع المنصة، وطول الكابل، ودقة الكاميرا، وسعة البطارية، وحجم الحمولة المتفجرة، إضافة إلى أسلوب التصنيع. ومع ذلك، تظل الفكرة الأساس أنها أقل تكلفة بكثير مقارنة بالصواريخ أو الذخائر المتطورة. وتشير بعض التقديرات إلى أن سعرها قد لا يتجاوز مئات عدة من الدولارات إذا تم تصنيعها باستخدام مكونات تجارية وتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد مع كمية محدودة من المتفجرات. أما في أوكرانيا وروسيا، فقد ترتفع تكلفة بعض النماذج بسبب زيادة طول الكابل وتحسين جودة المكونات، لكنها تظل ضمن إطار ما يعرف بالحرب المنخفضة التكلفة، إذ يستطيع سلاح بسيط نسبيا تهديد أهداف تفوقه ثمنا وتعقيدا.

لا تنبع قيمة هذه الطائرات المسيرة من قدرتها التدميرية وحدها، بل من قدرتها على تجاوز واحدة من أهم وسائل الحماية الحديثة، وهي التشويش الإلكتروني. فهي لا تسعى إلى تقوية الإشارة ولا إلى المناورة هربا من أنظمة الحرب الإلكترونية، بل تتجاوز الفكرة من أساسها عبر الاستغناء عن الاتصال اللاسلكي كليا. ولهذا تبرز خطورتها في بيئات القتال القريب، خاصة عند استهداف الدبابات والعربات المدرعة ومواقع الجنود ونقاط المراقبة، بل وحتى أجهزة التشويش نفسها.

دخلت الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية إلى جبهة لبنان بوصفها أحد أبرز انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على الشرق الأوسط، بعدما أثبت هذا النوع قدرته على تجاوز التشويش الإلكتروني في تلك الساحة

غير أن هذه الميزة تتحول في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف واضحة، فالكابل الذي يمنحها الحماية قد يعلق في الأشجار أو المباني أو أسلاك الكهرباء أو الركام أو حتى مخلفات المعدات العسكرية المنتشرة على الأرض. كما يضيف هذا الكابل وزنا إضافيا، ويقلل قدرة الطائرة على المناورة، ويجعل مسارها أكثر حساسية لأي عائق. وكلما ازداد طول الكابل، اتسع المدى المحتمل، لكن في المقابل يرتفع الوزن وتزداد احتمالات التشابك أو الانقطاع. لذلك لا تعد هذه المسيرات مناسبة لجميع المهام أو البيئات، خاصة في المناطق العمرانية الكثيفة أو الغابات أو التضاريس المعقدة المليئة بالعوائق.

تحدٍّ جديد

دخلت الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية إلى جبهة لبنان بوصفها أحد أبرز انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على الشرق الأوسط، فبعدما أثبت هذا النوع قدرته على تجاوز التشويش الإلكتروني في تلك الساحة، ليظهر في المواجهة بين "حزب الله" وإسرائيل، لا كسلاح استراتيجي واسع النطاق، بل كأداة تكتيكية صغيرة تفرض تحديا عملياتيا معقدا.

وفي 13 أبريل/نيسان 2026، برز أول مؤشر ميداني واضح الى دخوله هذه الجبهة، بعدما سقطت إحدى هذه المسيرات في حديقة منزل بمدينة كريات شمونة عقب عبورها من الأراضي اللبنانية، ثم توالت المؤشرات بعد نحو أسبوعين، وتحديدا في 26 و28 أبريل/نيسان، مع تقارير عن استخدام هذا النوع في هجمات استهدفت قوات إسرائيلية في جنوب لبنان ومناطق قريبة من الحدود، وأسفرت، وفق ما نشر، عن مقتل جندي وإصابة عدد آخر، بينها هجمات أوقعت أكثر من عشرة مصابين، مما يعني أن المسألة تجاوزت مجرد الظهور التقني إلى دخول فعلي في معادلة القتال القريب على الجبهة الشمالية.

AFP

لا تكمن أهمية هذه الهجمات فقط في عدد الخسائر، بل في طبيعة التحدي الذي تفرضه. فهذه المسيرات صغيرة الحجم، ومنخفضة الارتفاع، وتعمل غالبا ضمن مسافات قصيرة أو متوسطة قرب الحدود، وتجمع بين انخفاض التكلفة وصعوبة التشويش والقدرة على إصابة أهداف تكتيكية مثل الجنود والمركبات ونقاط المراقبة والتحركات القريبة من خطوط التماس، كما أنها لا تحتاج إلى بنية عسكرية معقدة، إذ يمكن تصنيع بعض نماذجها أو تعديلها باستخدام مكونات تجارية إلى جانب كابل ألياف ضوئية ورأس متفجر محدود.

لا تمثل هذه المسيرات انقلابا جذريا في طبيعة الحرب، بقدر ما تعكس ابتكارا تكتيكيا جاء للالتفاف على مشكلة محددة داخل بيئة قتال معقدة

بالنسبة لإسرائيل، يضيف هذا النمط طبقة جديدة إلى التهديدات القائمة أصلا، والتي تشمل الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والقذائف ومضادات الدروع والطائرات المسيرة التقليدية، غير أن المسيرة الليفية تطرح سؤالا دفاعيا مختلفا، لأن التعامل معها لا يقتصر على التشويش، بل يتطلب حلولا مادية واعتراضا قريبا وتقليل نقاط الضعف على الأرض.

ولهذا بدأ الرد الإسرائيلي يتخذ مسارين متوازيين، الأول ميداني سريع يتمثل في تعزيز الحماية الفيزيائية للمركبات والمواقع، مثل استخدام الشباك والأقفاص المعدنية لتقليل تأثير الهجمات عند الاصطدام، وهي إجراءات لا تلغي التهديد لكنها تعكس تحولا في التفكير من تعطيل الإشارة إلى منع وصول الجسم ذاته. أما المسار الثاني فهو أكثر تقنية وتنظيما، ويركز على تطوير وسائل كشف واعتراض مناسبة لهذا النوع من الأهداف، من خلال دمج الرصد البصري والصوتي مع أنظمة اعتراض قصيرة المدى قادرة على التعامل مع أهداف صغيرة ومنخفضة وسريعة، مع طرح فكرة استهداف الكابل نفسه، رغم ما يحيط بها من صعوبات عملية تتعلق برؤيته والتعامل معه في الميدان.

لا تمثل هذه المسيرات انقلابا جذريا في طبيعة الحرب، بقدر ما تعكس ابتكارا تكتيكيا جاء للالتفاف على مشكلة محددة داخل بيئة قتال معقدة، فانتشار الطائرات المسيرة دفع إلى تطوير الحرب الإلكترونية كوسيلة لإيقافها، ثم جاءت المسيرات الليفية لتتجاوز هذا الحل، مما يضعنا أمام حلقة متكررة في منطق الحروب الحديثة، حيث يولد كل تهديد وسيلة دفاع، ثم يولد كل دفاع أسلوبا جديدا لتجاوزه، لتبقى هذه المسيرات حلقة إضافية في سباق مستمر بين أداة الهجوم ومنظومات التصدي لها.

font change