إيا غينبيرغ لـ"المجلة": محض حظ حصول كتاب ما على التقدير والاهتمام

مجموعتها "عزاء ضئيل" وصلت إلى قائمة البوكر

BENJAMIN CREMEL / AFP
BENJAMIN CREMEL / AFP
الكاتبة السويدية إيا غينبيرغ تلتقط صورة على السجادة الحمراء لدى وصولها إلى حفل إعلان جائزة البوكر الدولية 2024 في متحف "تيت مودرن" في لندن، 21 مايو 2024

إيا غينبيرغ لـ"المجلة": محض حظ حصول كتاب ما على التقدير والاهتمام

يبرز اسم الكاتبة السويدية إيا غينبيرغ بوصفه صوتا سرديا يراهن على التكثيف اللغوي وعمق الذاكرة بالإضافة إلى التجريب. ولدت غينبيرغ في ستوكهولم عام 1967، وبدأت مسيرتها في الصحافة قبل أن تبدأ مسيرتها الأدبية.

أصدرت روايتها الأولى "جمعة حلوة" عام 2012، وتبعتها برواية "وداع متأخر" عام 2013، ثم المجموعة القصصية "عزاء ضئيل" عام 2018 التي واصلت فيها مساءلة العلاقات الإنسانية تحت ضغط المال والخيارات الأخلاقية. غير أن التحول الأبرز في حضورها الدولي جاء مع روايتها "التفاصيل" عام 2022، العمل الذي أعاد تعريف موقعها في الأدب السويدي المعاصر ورسخ حضورها خارج الإطار الإسكندينافي إذ وصل الى القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية عام 2024 بالإضافة إلى جائزة دبلن الأدبية الدولية 2025، كما حصلت على "جائزة أغسطس للأدب" التي تعد أرفع جائزة أدبية في السويد عام 2022. دخلت مجموعتها القصصية "عزاء ضئيل" ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العالمية لعام 2026. هنا حوار معها.

نشرت روايتك الأولى "جمعة حلوة" بعد مسيرة مهنية في الصحافة. ​​حدثينا عن لحظة الإلهام والفكرة التي أسرتك آنذاك.

عملت صحافية لعشر سنوات تقريبا، وكنت قد مللت هذه الوظيفة. كما أخرجت أفلاما وثائقية، وعملت في مجال الاتصالات وما شابه. أثناء بقائي في المنزل مع أطفالي الصغار، وجدت أخيرا الهدوء والسكينة لأفكر في ما أريد فعله. كانت لدي بعض الأفكار وبعض القصص القصيرة تدور في ذهني، وبناء على بعضها، بدأت الكتابة الروائية.

غالبا ما تستكشفين موضوعات الذاكرة والعلاقات الإنسانية العميقة. حدثينا عن مشروعك الأدبي أو الرؤية التي تجمع أعمالك؟

للأسف، ليست لدي رؤية شاملة للكتابة على الإطلاق. أكتب كتابا واحدا في كل مرة، وعندما أنتهي من كتاب، يكون لدي مئات الأفكار، بعضها سيء وبعضها الآخر لا، تنتظر دورها فيّ لأن تكتب. لا توجد خطة محكمة، ولا مواضيع رئيسة مدروسة بعناية، أو أي شيء من هذا القبيل. لكن عندما أجلس للكتابة، أجد نفسي أكتب عن الذاكرة والناس.

التفاصيل

في روايتك "التفاصيل"، تبدو الشخصية الرئيسة عالقة في دوامة من الذكريات وهي تعاني من الحمى. من وجهة نظرك، إلى أي مدى تتناول الرواية فعل استرجاع الذكريات كأنه تجربة معيشية للراوية؟

أردت أن أجد طريقة للراوية لتتجاوز ذاتها، لتتجاوز "أناها" فقط، لتتحدث بصدق عن الآخرين دون أن تكون غارقة في ذاتها أو منغمسة في انعكاس صورتها الذاتية. في الوقت نفسه، وبشكل حتمي، تدور القصة حولها أيضا.

عندما نروي أشياء عن الآخرين، أو عن الطقس، أو العالم، أو التاريخ، فنحن نروي أيضا شيئا عن أنفسنا

 هذا ما يحدث عندما نروي أشياء عن الآخرين، أو عن الطقس، أو العالم، أو التاريخ، فنحن نروي أيضا شيئا عن أنفسنا. لذلك كان ترك الذكريات تطفو على السطح أثناء الحمى وسيلة جيدة لتجنب كتابة قصة متكاملة، ببداية ووسط ونهاية. ليست هذه هي الطريقة التي نتذكر بها الأشياء، أليس كذلك؟ ذاكرتنا مشوشة - أجزاء متناثرة هنا وهناك - تتخللها فترات طويلة من الحياة اليومية المنسية.

غلاف "التفاصيل"

الرواية مقسمة أربعة فصول، يركز كل منها على شخصية بارزة في حياة بطل الرواية. ما الذي ألهمك هذا البناء السردي المتعدد الأصوات؟

جاء تقسيم الرواية أربعة فصول، كل فصل يتناول شخصية من أربع شخصيات، بشكل طبيعي للغاية. نادرا ما نروي الأحداث من الألف إلى الياء، بل ننتقل بين المواضيع ونتحدث عن أهمها. ولأن الراوي هو نفسه، فإن الصوت هو الذي يتردد صداه في أرجاء الرواية. هذا الصوت هو ما يربط القصص بعضها ببعض.

خطرت لك فكرة هذه الرواية أثناء إصابتك بحمى كوفيد-19 عام 2020، عندما فتحت كتابا قديما ووجدت رسالة من الماضي البعيد. كيف تحولت تلك اللحظة الشخصية الصغيرة إلى رواية كاملة؟

غالبا ما تبدأ الروايات هكذا، بفكرة صغيرة تنمو وتتطور. ليس من السهل شرح ذلك بدقة. بالنسبة إلي، ظهرت شخصية تلو الأخرى، وكان الصوت الذي يروي قصة هؤلاء الأشخاص واحدا. كتبت المسودة الأولى ثم تركتها جانبا دون أن أعرف ما هي. ثم ظهرت المسودة التالية، وبينما كنت أكتب، شعرت بنبرة مألوفة. فواصلت الكتابة، وتحولت إلى نوع من الرواية.

هل استخدمت ملاحظات واقعية مثل المقابلات، أو الملاحظات الميدانية لتطوير أصوات شخصياتك، أم أنك اعتمدت كليا على الخيال؟

لم أجر أي بحث على الإطلاق، باستثناء سؤال بعض الأصدقاء عما إذا كانت الثلوج قد تساقطت في ستوكهولم ليلة رأس السنة عام 1999 أو في أي عام توقف الناس عن استخدام أجهزة النداء. إذا كتبت أن الربيع حل مبكرا عام 2000، فأريد أن يكون ذلك دقيقا. في رأيي، هذه هي أعظم ميزة للإنترنت بالنسبة للكتاب، إذ يمكنك التحقق بسرعة كبيرة مما إذا كانت سراويل الجينز المخملية موجودة في عشرينات القرن الماضي، وما إذا كانت مدرسة "سوتو زن" أو "رينزاي زن" هي الأقدم، وما إذا كان الخيار يحتوي على بروتين، وما أكثر أعراض اضطراب الشخصية غير المستقرة عاطفيا شيوعا. تفاصيل كهذه يجب أن تكون صحيحة، في رأيي.

عزاء ضئيل

تحتوي مجموعة القصص القصيرة "عزاء ضئيل" على كلمات متكررة مثل الظلم والحقيقة والثورة، لتكشف عن الصراعات التي تعاني منها شخصيات قصصك. حدثينا أكثر عن هذا الكتاب.

أردت كتابة كتاب عن المال، وفكرت في طرق مختلفة لتناول هذا الموضوع. في النهاية، كتبت قصصا عدة تدور حول المال. بالنسبة لهذا الكتاب، فقد أجريت بحثا معمقا، وقرأت كتبا وتحدثت إلى الناس. على سبيل المثل، حاولت فهم ماهية المال، ولكن للأسف دون جدوى.

غلاف "عزاء ضئيل"

في هذه المجموعة، يصبح المال إطارا أخلاقيا يكشف هشاشة العلاقات. هل كنت مهتمة بتفكيك مفهوم "القيمة" ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل من الناحية الإنسانية أيضا؟

لا أعتقد أن القيمة عندما يتعلق الأمر بالمال هي نفسها القيمة عندما يتعلق الأمر بالأشخاص، إلا من الناحية الدلالية البحتة.

لغتنا مشبعة بالمصطلحات الاقتصادية، فنتحدث عن الاستثمار في العلاقات، ونقيس الوقت بالمال

 لكن من المثير للاهتمام كيف أن لغتنا مشبعة بالمصطلحات الاقتصادية، فنتحدث عن الاستثمار في العلاقات، ونقيس الوقت بالمال ونسمح لهاتين الوحدتين بالتداول معا، رغم أن وقتنا محدود للغاية، والمال في جوهره شيء مختلق.

 BENJAMIN CREMEL / AFP
الكاتبة السويدية إيا غينبيرغ تلتقط صورة مع كتابها "التفاصيل" على السجادة الحمراء لدى وصولها إلى حفل إعلان جائزة البوكر الدولية 2024 في لندن، 21 مايو 2024

في عصر تهيمن فيه الرواية على الجوائز الكبرى، ما الذي تقدمه لك القصة القصيرة ولا تقدمه الرواية؟ هل تعتبرينها شكلا أكثر تحديا أم أكثر حرية؟

أعتقد أن كتابة رواية أصعب من كتابة قصص قصيرة. فالقصة القصيرة أشبه بنزهة أو سباق سريع، بينما الرواية أشبه بماراثون، على الأقل بالنسبة إلي. لكن في هذا الكتاب، ترتبط القصص بطريقة تشبه الرواية، فهي تتداخل في نهايتها أو تتداخل في ما بينها. في هذا المعنى، كان كتاب "عزاء بسيط" أشبه برواية من حيث العمل نفسه.

الجوائز

دخلت روايتك "التفاصيل" ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر الدولية عام 2024، كما دخلت مجموعتك القصصية "عزاء بسيط" الى القائمة الطويلة للجائزة نفسها لهذا العام. أخبرينا المزيد عن الأفكار التي تتبادر إلى ذهنك عند تلقيك الخبر.

فوجئت جدا في المرتين. دهشت حقا. لكن، بالطبع، يتعلق الأمر بالترجمة، لذا يعود الفضل في ذلك إلى كيرا جوزيفسون، مترجمتي إلى الإنكليزية. إنها مترجمة رائعة بكل معنى الكلمة.

في رأيك، هل يسهم الترشيح المتكرر لجائزة مرموقة كجائزة بوكر، في زيادة وعي الكاتب بمكانته على الساحة العالمية، أم أن مكانة الكتاب الحقيقية لا تكتسب من خلال الجوائز؟

الترشيحات والجوائز لا علاقة لها بي أو بكتاباتي. يعلم الجميع أن الأمر، إلى حد كبير، محض حظ حصول كتاب ما على التقدير أو الاهتمام، تماما كما هو الحال عندما تتجاهل أو تنسى بعض الكتب الرائعة. هناك بضع روايات أخرى أود كتابتها. إنها وظيفة، مهمة يومية، وهذا ما أحاول تركيز جهودي عليه.

وصلت إلى القائمة المختصرة لجائزة بوكر الدولية للنصوص المترجمة. إلى أي مدى ترى الترجمة شريكا خفيا في هذا التقدير الدولي؟

لا أستطيع بما فيه الكفاية تأكيد أهمية المترجمين. في السنوات الأخيرة، تشرفت بلقاء عدد منهم. جميعهم رائعون. عباقرة بلا شك، ولكن عملهم أيضا بالغ الأهمية لانفتاح المجتمع.

تزيد الترجمات الشفافية والتواصل والتفاهم العابر للحدود، والمترجمون جسور حية وضرورية للغاية في عالمنا اليوم

تزيد الترجمات الشفافية والتواصل والتفاهم العابر للحدود، والمترجمون جسور حية وضرورية للغاية في عالمنا اليوم. كما قلت: بدون مترجم - في هذه الحالة، كيرا جوزيفسون، لا جائزة بوكر. أنا سعيدة جدا بالمشاركة في هذه الرحلة.

ما المشروع الذي تعملين عليه حاليا، وكيف يختلف موضوعه أو أسلوبه عن أعمالك السابقة؟

أعمل على رواية جديدة، لكنني لا أعرف الكثير عنها بعد. أعيد كتابة الصفحتين الأوليين في غالبية الأحيان، فأضيف بعض التفاصيل وأحذف معظمها. لدي فكرة واضحة عن أسلوب الرواية وطاقتها، ولكن ليس أكثر من ذلك. آمل أن تكون مختلفة عما كتبته سابقا. أحاول الكتابة بأسلوب جديد في كل مرة.

font change

مقالات ذات صلة