ميلاني تشينغ لـ"المجلة": نحن متشابهون في اختلافاتنا والأدب يكشف التناقضات

لا يستطيع الكاتب ادعاء تمثيل ثقافة كاملة

ميلاني تشينغ

ميلاني تشينغ لـ"المجلة": نحن متشابهون في اختلافاتنا والأدب يكشف التناقضات

تجمع الكاتبة الأسترالية ذات الأصول الصينية ميلاني تشينغ في أعمالها القصصية والروائية بين حساسية الطبيب ومخيلة الكاتبة. ولدت في مدينة أديلايد بأستراليا، ثم انتقلت إلى هونغ كونغ عام 1986، قبل أن تعود لاحقا وتستقر في ملبورن، وهو مسار انعكس بوضوح في كتابتها المنشغلة بأسئلة الهوية والانتماء والهشاشة الإنسانية.

لفتت تشينغ الانتباه منذ مجموعتها القصصية الأولى "يوم أستراليا"، التي وضعتها في صدارة الأصوات الجديدة في السرد الأسترالي. وترشحت روايتها الأولى "غرفة لغريب" لجوائز أدبية، أما روايتها الأحدث "الجحر" فنالت اهتماما نقديا ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة "دبلن الأدبية الدولية" 2026. في هذا الحوار، تتأمل تشينغ الكتابة بوصفها مساحة لفهم الإنسان، لا تمثيله، وللإنصات إلى ما يبقى خفيا داخل العائلة والفقد. هنا حوار معها.

اخترت أن تكتبي رواية "الجحر" عبر أصوات متعددة داخل العائلة الواحدة. ما الذي لا يمكن لصوت واحد أن يقوله عن الفقد، وهل اضطررت إلى توزيعه بين الشخصيات؟

عندما لا أكون منخرطة في الكتابة، أعمل طبيبة في طب الأسرة. ومن المألوف أن أتابع في عيادتي أفرادا من العائلة الواحدة. أحيانا تكون العائلة في حالة حداد على فقدان أحد أحبائها. ومن خلال ملاحظتي لتلك العائلات، أدركت أن الناس يحزنون بطرق شديدة الاختلاف. هناك من يريد أن يتحدث بلا توقف عن الراحل، وآخرون يفضلون عدم ذكره مطلقا. بعضهم يستغرق في العمل كنوع من الإلهاء، بينما يصاب آخرون بشلل كامل يجعلهم غير قادرين حتى على الاعتناء بأنفسهم، ناهيك عن مسيرتهم المهنية.

اكتشاف أننا لا نستطيع أبدا فهم شخص آخر فهما كاملا، يحدث صدمة أكبر لدى إسقاطه على العائلة

هناك من يقرأ كل ما كتب عن الموت، ومن يتجنب حتى سماع الكلمة. لذلك كان من المهم بالنسبة إلي، في "الجحر"، أن أقدم الى القارئ تجربة الحزن بمختلف أبعادها، وكذلك طابعها الانعزالي والداخلي والفردي العميق.

غلاف رواية "الجحر"

العائلة كوحدة متصدعة

هل كان تعدد وجهات النظر داخل النص السردي محاولة لفهم العائلة كوحدة متصدعة، أم للاعتراف باستحالة الوصول إلى حقيقة واحدة بعد الخسارة؟

بالطريقة نفسها التي يظل بها الأرنب الأليف في الرواية كائنا غامضا بالنسبة للبشر، يظل أفراد عائلة "لي" غامضين بعضهم تجاه بعض. هذا ينطبق على جميع البشر، لكن بما أن العائلة تمثل أكثر علاقاتنا حميمية وأكثرها كشفا لذواتنا، فإن اكتشاف أننا لا نستطيع أبدا فهم شخص آخر فهما كاملا، يحدث صدمة أكبر لدى إسقاطه على العائلة. من هنا، كان تعدد الأصوات وسيلة لإبراز استحالة النفاذ الكامل إلى عالم الآخر الداخلي، مهما بلغت درجة القرب.

هل أردت أن تكشف الرواية هشاشة مفهوم العائلة، أم قدرتها على الاستمرار رغم التشققات؟

في الحقيقة، أردت أن أكشف الأمرين معا. العائلات، شأنها شأن الألماس، شديدة الصلابة وفي الوقت نفسه قابلة للكسر. قوتها نابعة من روابطها، لكن ضربة واحدة في التوقيت والمكان الصحيحين قد تدمر هذه الروابط. حين نلتقي بعائلة "لي" في بداية الرواية، نجدها محطمة إثر صدمة حياتية مزلزلة. لكن مع تقدم السرد، نكتشف أن الأمل لم ينعدم. أحب أن أفكر في الأمر من خلال فن "الـكينتسوغي" الياباني، وهو فن ترميم الخزف المكسور باستخدام الذهب. قد لا يكون الإناء المرمم أقوى من الأصل، لكنه يصبح أشد تعقيدا، وربما أكثر جمالا.

جحر الأحزان

هل يمكن قراءة العنوان "الجحر" بوصفه استعارة للحزن نفسه، لا للعائلة فقط؟

في اللغة الإنكليزية، كلمة burrow "الجحر" هي اسم وفعل في آن. هي جحر الحيوان، وتعني أيضا أن يدفن المرء نفسه في شيء ما. أحببت هذا الالتباس، لأنه يصف عائلة "لي" بدقة. فهم مختبئون قسرا بسبب الجائحة، ومختبئون طوعا عن العالم. منزلهم، جحرهم، هو في آن واحد ملاذ وعلامة عزلة. وفي موضع ما من الرواية تقول إيمي، الأم، إنها لا تريد التخلي عن حزنها لأنه آخر ما يربطها بابنتها المتوفاة. نعم، الحزن يشبه الجحر: أحيانا يكون ملاذا مرحبا به، وأحيانا أخرى حفرة مظلمة، عميقة، وممحوة لكل شيء.

في كتاباتك يظهر دائما صراع الانتماء. هل ترين أن الأدب قادر على سد الفجوة بين الثقافات، أم أنه فقط يكشفها بوضوح أكبر؟

بوصفي شخصا من أصول مختلطة، أمضيت سنوات تكويني في هونغ كونغ وسنوات رشدي في أستراليا، كان الانتماء هاجسا طبيعيا وحتميا. نشأت على قصص معاناة والدي في التكيف مع وطنهما الجديد، وكنت طوال حياتي أميل إلى تعريف نفسي من خلال الجزء الذي كان في موقع الأقلية. هذه ليست تجربة فريدة. معظم الناس، في مرحلة ما، يعانون من صعوبة الانتماء، سواء بسبب المرض أو الطبقة أو التعليم.

الكتابة وسيلة لاستخراج ما في اللاوعي لفهم ذاتي ومكاني في العالم، أما الاقتراب من فهم الإنسانية، فأشعر به أكثر من خلال قراءة أعمال الآخرين

 أتجنب الشعارات العاطفية، بأن الأدب قادر على "سد الفجوة بين الثقافات"، وهو ما أراه ادعاء مبالغا فيه! لكن من بين الخيارين المطروحين، أميل إلى هذا الرأي. ما لاحظته في عملي الطبي، وحاولت إبرازه في كتابتي، هو التنوع الهائل داخل الثقافة الواحدة، والتشابه اللافت بين الثقافات المختلفة. نحن متشابهون في اختلافاتنا. الأدب، وخاصة السرد، قادر على كشف التناقضات، بشرط أن يكون القارئ منفتحا ومتأملا.

حدود التمثيل

رفضت سابقا فكرة تمثيل كاتب واحد لمجتمع كامل، واعتبرت ذلك عبئا غير واقعي. ما حدود تمثيلك لشخصيات من خلفيات ثقافية متنوعة في أعمالك، وكيف تتعاملين مع توقعات القراء حول ذلك؟

بعد صدور كتابي الأول "يوم أستراليا"، سألني صحافي "ما رؤيتك لأوستراليا؟" فوجئت تماما؛ بدا السؤال أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى حوار مع كاتبة. أدركت حينها، بوصفي واحدة من قلة من الكتاب الأستراليين ذوي الأصول الآسيوية، أن ثمة ضغطا، ليس من المجتمع بل من الإعلام الأبيض في معظمه، لأكون ناطقة باسم الثقافة الصينية. هذا بالطبع أمر عبثي. فالثقافة التي تضم أكثر من مليار إنسان لا يمكن اختزالها. يعرف الكتاب أن الشخصية الجيدة تشبه الإنسان الحقيقي. فهي معقدة ومتناقضة وفردية. هي تمثل نفسها فقط. بعض القراء ينزعجون من هذا، لأن شخصية تشبههم ديموغرافيا لا تشبههم فعليا. لحسن الحظ، لست معنية بإرضاء هذا النوع من القراء.

غلاف رواية "يوم أستراليا"

لا تتقنين اللغة الصينية، هل تعتبرين أن هذا خلق فجوة في علاقتك بتراثك؟

نعم. اللغة من أهم، وربما أهم، مكون من مكونات الثقافة. إنها وسيلة التواصل والفهم. يظل من أكبر ندم لدي أنني لا أتحدث الكانتونية. ليس لقلة المحاولة، بل لأنها لغة شديدة الصعوبة، ولأن متحدثيها في هونغ كونغ قد يكونون غير متسامحين مع الأخطاء.

بعد كل كتاب تصدرينه، هل تشعرين أنك اقتربت من فهم الإنسان أكثر، أم من قبول فكرة استحالة هذا الفهم؟

بعد كل كتاب، أشعر بأنني اقتربت قليلا من فهم نفسي، لا الإنسانية. الكتابة بالنسبة لي وسيلة لاستخراج ما في اللاوعي لفهم ذاتي ومكاني في العالم. أما الاقتراب من فهم الإنسانية، فأشعر به أكثر من خلال قراءة أعمال الآخرين، الكبار منهم والمعاصرين الأقل شهرة.

لحظة التحول

ما اللحظة أو التجربة التي جعلتك تدركين أن الكتابة ليست مجرد اهتمام عابر، بل هي مسار ممكن للحياة؟ وأي الكتب أو الكتاب كان لهم الأثر الأعمق في تشكيل وعيك الأدبي في تلك المرحلة، ليس على مستوى الأسلوب فقط، بل في طريقة النظر إلى الإنسان والعالم؟

كنت أكتب باستمرار خلال سنوات الدراسة الثانوية، لكن التحول الحقيقي حدث حين عثرت صديقة فضولية على إحدى قصصي في درج، وبدأت تقرأها، والأهم، تتفاعل معها. كانت تلك اللحظة، لحظة إدراك أن كلماتي قادرة على التأثير في شخص آخر، لحظة ساحرة وحاسمة. من الكتب التي تركت أثرا بالغا في تلك المرحلة رواية "مسيرتي اللامعة" لمايلز فرانكلن، إذ كانت المرة الأولى التي أقرأ فيها عن امرأة لا تريد من العالم شيئا أكثر من أن تكون كاتبة.

الأدب يسمح لي أن أبني عوالم كاملة انطلاقا من تلك اللمحات، وأن أطلق العنان لخيالي بلا قيود

ومن الصعب دائما إعداد قوائم حاسمة، لكن من بين الكتب التي أحببتها وأسهمت في تشكيل رؤيتي للعالم رواية "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز، و"سيد الذباب" لوليم غولدينغ، و"عالم جديد شجاع" لألدوس هكسلي، و"الهوبيت" لجيه. آر. آر. تولكين، و"أعرف لماذا يغرد الطائر المحبوس" لمايا أنجلو، و"أكثر العيون زرقة" لتوني موريسون، وبالطبع "واترشيب داون" لريتشارد آدامز، الذي يحضر بدوره في روايتي "الجحر". وهي كتب خالدة لأنها لا تجامل القارئ، إنهم لا يترددون في إظهار أفضل وأسوأ ما في الإنسانية للقراء.

غلاف رواية "غرفة لغريب"

بصفتك طبيبة، أنت على تماس دائم مع الفقد والمرض. ما الذي أتاحه لك الأدب ولم يكن ممكنا داخل الممارسة الطبية؟

الأدب يتيح لي مساحة من الفضول لا يسمح بها الطب. كطبيبة عامة، أرى لمحات من حياة الآخرين، وهو امتياز هائل، لكنها تظل لقطات عابرة. الأدب يسمح لي بأن أبني عوالم كاملة انطلاقا من تلك اللمحات، وبأن أطلق العنان لخيالي بلا قيود.

font change

مقالات ذات صلة