الاستراتيجية الأميركية... بين اجتثاث "البعث" واجتثاث "حزب الله"

إنهاء قدرته على ممارسة وظيفة "الحزب الحاكم" في لبنان

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أنصار "حزب الله" يرفعون علم الحزب خلال إحياء الذكرى الثانية لمقتل زعيمها حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 سبتمبر 2026

الاستراتيجية الأميركية... بين اجتثاث "البعث" واجتثاث "حزب الله"

ما يرشح من مناخات السياسات الأميركية في لبنان، أو من التصريحات الأميركية المتصلة بالوضع اللبناني، يوحي بأن واشنطن تتجه إلى مقاربة تتجاوز مسألة نزع سلاح "حزب الله"، إذ تشمل أيضا تجفيف نفوذ "الحزب" داخل مؤسسات الدولة، في الأجهزة العسكرية والأمنية وفي الإدارة العامة، وصولاً إلى تحييد شبكاته البشرية والسياسية داخل هذه المؤسسات، وذلك لشلّ قدرته على التأثير في مفاصل الدولة الأساسية. وهو ما يجعل المقاربة الأميركية أقرب إلى محاولة إعادة بناء الدولة اللبنانية على قاعدة إخراج "حزب الله" من المواقع التي راكم فيها نفوذاً واسعاً خلال العقدين الماضيين.

ذلك كله في وقت يبدو مسار التفاوض اللبناني-الإسرائيلي، برعاية أميركية، عالقاً، أو مؤجلا إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ولاسيما أن مبدأ "الخطوة مقابل خطوة" الذي قامت عليه العملية التفاوضية لم ينجح في إنتاج مسار قابل للاستمرار. ومع تعطل المفاوضات أو إبطائها أو تأجيلها، لم يعد نزع سلاح "حزب الله" يبدو العنوان الوحيد للسياسة الأميركية في لبنان، إذ إن الواقع الجديد، حيث لا حرب مفتوحة ولا تفاوض مستمرا، يوحي بأن واشنطن ربما اكتفت في الوقت الراهن بممارسة ضغط على إسرائيل لمنع توسيع الحرب إلى حرب شاملة، وقد يكون ذلك بالتوافق مع إسرائيل نفسها، لكن من دون أن يعني ذلك أن واشنطن مستعدة لممارسة ضغط إضافي على تل أبيب لوقف القصف المستمر في جنوب لبنان فضلا عن عمليات التجريف والتدمير.

وهنا تظهر طبيعة التفاهم الأميركي-الإسرائيلي في هذه المرحلة، إذ ليس المطلوب أميركياً وقف استهداف "حزب الله"، وإنما منع تحول هذا الاستهداف إلى حرب شاملة جديدة. وفي المقابل فإن هذا النمط يسمح لإسرائيل بمواصلة الضغط العسكري على "حزب الله" من دون أن تكون مضطرة إلى خوض معركة كاملة معه، ولاسيما في حال استمر في الامتناع عن الرد. وهذا يعني أن ثمة ضوءا أخضر أميركيا أمام إسرائيل لمواصلة عمليات القصف في لبنان، واستهداف البنية العسكرية لـ"حزب الله" وتدمير منشآته، شرط أن لا يؤدي ذلك إلى انفجار مواجهة أكبر تخرج وتيرة المواجهة الأميركية-الإيرانية عن السيطرة الأميركية. وقد شهد جنوب لبنان خلال الأيام الماضية تصعيداً إسرائيلياً، ردا على ما قاله الجيش الإسرائيلي عن إرسال "حزب الله" مسيرة مفخخة باتجاه جنوده، لكن الأخطر توسيع المجال الجغرافي للاستهداف الإسرائيلي، بما يؤشر إلى أن تل أبيب قد تكون بصدد التحضير لعمليات عسكرية في مناطق إقليم التفاح وجبل الريحان بعد تحييد مواقع "الحزب" في علي الطاهر، وبالتالي يكون الهدف الإسرائيلي تحييد مراكز "الحزب" في كامل الجنوب اللبناني.

يذكّر المسار الأميركي في لبنان بتجربة اجتثاث حزب "البعث" في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003

وفي السياق، فإن تصريح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا إلى ضم مناطق في جنوب لبنان وصولاً إلى الليطاني، يكشف عن قابلية سياسية إسرائيلية واضحة، وخصوصاً داخل المعسكر اليميني، لتحويل لبنان إلى اختبار لاستراتيجية التصعيد والتوسع الجغرافي الإسرائيلية، وهذه الاندفاعة الإسرائيلية لا تحظى بالضرورة بغطاء أميركي كامل، ولكن يكفي أن تؤمّن واشنطن هامشا واسعا من الحركة العسكرية لإسرائيل، مع إبقاء سقف العمليات تحت مستوى الحرب الشاملة، لكي يصبح القصف الإسرائيلي المستمر أداة ضغط موازية للمسار السياسي الذي تقوده واشنطن، وبالتالي هناك تكامل في الأدوار بين واشنطن وتل أبيب بالرغم مما يصدر أحيانا عن الإدارة الأميركية، وعن الرئيس ترمب شخصيا، للضغط على إسرائيل لخفض التصعيد في جنوب لبنان. ففي مقابل الضغط العسكري الإسرائيلي تمارس الولايات المتحدة ضغطاً على الدولة اللبنانية لكي تضغط بدورها على "حزب الله"، ليس في المجال العسكري وحده، وإنما في المجال السياسي والمؤسساتي أيضاً، بما يشمل تحييد كوادر محسوبة على "الحزب" داخل الأجهزة الأمنية والإدارة العامة، أو تقليص قدرته على التأثير في القرار داخل مؤسسات الدولة.

أ ف ب
الرئيس اللبناني جوزيف عون أثناء اجتماع مع نظيره القبرصي نيكوس خريستودوليديس في القصر الرئاسي في نيقوسيا خلال زيارته الرسمية الأولى إلى الجزيرة الواقعة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​في 9 يوليو 2025

من هذه الزاوية تحديداً، يذكّر المسار الأميركي في لبنان بتجربة اجتثاث حزب "البعث" في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003. صحيح أن السياقين مختلفان جذرياً، فلبنان لم يكن دولة الحزب الواحد على الطريقة العراقية أو السورية في ظل حزب "البعث"، ولكن التشابه بينهما يكمن في الهدف الأميركي الأوسع، أي إسقاط قدرة "الحزب الحاكم" على التحكم بمفاصل الدولة، وهذا لا يقتصر على نزع السلاح أو النظام السياسي، وإنما يتطلب إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بحيث لا تعود الشبكات المرتبطة بالقوة المهيمنة المستهدفة قادرة على التحكم في الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة العامة.

والحال فإن "حزب الله" قد راكم خلال أكثر من عقدين نفوذاً واسعاً داخل الدولة اللبنانية وكانت المفاصل الأساسية في القرار السياسي والأمني داخلها مرتبطة بالدرجة الأولى بقدرته على فرض أجندته عليها. ولذلك فإن "اجتثاث حزب الله" بالمعنى الأميركي قد لا يعني حل "الحزب" كتنظيم سياسي أو اجتثاثه من المجتمع اللبناني، وإنما منع قدرته على السيطرة والتحكم بمفاصل الدولة، وتحويله إلى مجرد قوة سياسية موجودة في السلطة ولكنها محرومة من أدوات القوة التي سمحت بالتأثير في قرارات الدولة.

المطلوب، وفق هذا المنطق الأميركي، أن تتشكل بنية أمنية إقليمية متحركة تحت المظلة الأميركية، بحيث لا تعود حماية المصالح الأميركية ومواجهة خصوم واشنطن في المنطقة مهمة تقوم على القوة الأميركية وحدها

لكن في المقابل، لا يبدو أن "حزب الله" أو إيران مستعدان للتسليم بهذه المعادلة، إذ إن تصريحات الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم والتي تؤكد أن إسرائيل لم تستطيع القضاء على "الحزب"، إلى جانب المواقف الصادرة عن "الحرس الثوري" الإيراني، في الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام السابق لـ"الحزب" حسن نصرالله، والتي ذهبت في الاتجاه نفسه، تعكس تمسكاً من قبلهما بمقولة أن الضغوط الإسرائيلية والأميركية لن تؤدي إلى استسلام "الحزب" أو خروجه من المعادلة اللبنانية. وهذا يعني أن لبنان سيبقى خاضعاً، في المرحلة المقبلة، لمنطق صراع أوسع بين واشنطن وإسرائيل من جهة، و"حزب الله" وطهران من جهة أخرى، فيما تقبع الدولة اللبنانية بين المعسكرين من دون أن تمتلك حتى الآن الوسائل الفعلية لرسم طريق ثالث يخرج البلاد من هذا الصراع ومن هذا المأزق.

والمفارقة أن الولايات المتحدة، في الوقت الذي تبدو فيه أكثر انخراطاً في محاولة إعادة رسم التوازن الداخلية اللبنانية، تستعد لسحب قواتها من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول الجاري، منهية بذلك وجوداً عسكرياً بدأ مع غزو العراق عام 2003. وهو ما يطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة الاستراتيجية الأميركية في المنطقة؛ فهل نحن أمام استراتيجية انخراط متزايد أم أمام استراتيجية انسحاب أميركية؟ وربما لم يعد قياس هذه الاستراتيجية ممكناً من خلال حجم الوجود العسكري الأميركي المباشر وحده، فالتحول الأهم يتمثل في قدرة الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، على التأثير في البيئة الأمنية والعسكرية الإقليمية من خلال القدرة على تنفيذ الهجمات والوصول إلى أهداف في مناطق مختلفة، من دون الحاجة إلى نشر قوات برية كبيرة فيها.

أ.ف.ب
أنصار "حزب الله" أثناء متابعتهم خطابا متلفزا لزعيم الحزب، نعيم قاسم، خلال مراسم أقيمت لإحياء الذكرى السنوية الثانية لمقتل الزعيم السابق حسن نصر الله، وذلك في الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 سبتمبر 2026

ومن هذه الزاوية تصبح حرية الحركة الإسرائيلية أكثر أهمية من السيطرة على الأراضي بحد ذاتها، إذ إن احتلال إسرائيل لمواقع في جنوب لبنان يساهم في تثبيت واقع أمني جديد يمتد، بصورة أو بأخرى، إلى جنوب سوريا، لكن القيمة الاستراتيجية الأكبر بالنسبة إليها تتمثل في قدرتها على استهداف أراضٍ في جنوب لبنان أو جنوب سوريا ساعة تشاء. المحك الرئيس لإسرائيل هنا هو حرية الحركة، أي قدرتها على العمل عسكرياً في المجال الإقليمي من دون أن تكون مضطرة إلى الانجرار إلى حرب شاملة.

والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة في المجالين السياسي والاقتصادي، فإذا كانت واشنطن لا تستطيع إلغاء النفوذ الإيراني في دول مثل العراق ولبنان، حيث يشكل هذا النفوذ عاملاً رئيساً في تحديد مستقبل الوضع السياسي، فإنها تستطيع، في المقابل، أن تجعل، من خلال الضغوط السياسية والاقتصادية، قيام وضع مستقر في هذين البلدين أمرا في غاية الصعوبة لا بل أمرا مستحيلا، وبذلك يصبح النفوذ الإيراني نفسه فيهما نفوذاً هشاً ومعرضاً للاختلال والاهتزاز في أي لحظة، حتى من دون وجود عسكري أميركي دائم.

ومن هنا يمكن فهم البحث الأميركي عن بنى أمنية وعسكرية إقليمية لا تكون بديلاً عن الحضور الأميركي، وإنما تسمح لواشنطن بتخفيف التزاماتها الأمنية والعسكرية المباشرة في المنطقة. المطلوب، وفق هذا المنطق الأميركي، أن تتشكل بنية أمنية إقليمية متحركة تحت المظلة الأميركية، بحيث لا تعود حماية المصالح الأميركية ومواجهة خصوم واشنطن في المنطقة مهمة تقوم على القوة الأميركية وحدها، وإنما على شبكة من التحالفات الإقليمية تتقاطع مصالحها مع المصلحة الأميركية وتعمل ضمن توازنات أمنية لا تخرج عن سيطرة واشنطن.

تبقى ممانعة "حزب الله" وإيران للتسليم بالشروط الأميركية عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل هذا المسار، فتجدد المواجهة المفتوحة مع إيران و"حزب الله" ليس الخيار الأنسب بالنسبة لواشنطن

عليه يبدو لبنان مسرحاً أساسياً لاختبار هذا التحول الأوسع في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، والذي يقوم على استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني لإعادة تشكيل موازين القوى، بالتوازي مع تخفيف الحضور العسكري الأميركي المباشر والاعتماد بصورة أكبر على ترتيبات أمنية إقليمية تعمل تحت المظلة الأميركية. فواشنطن لا تحتاج، وفق هذه المعادلة، إلى وجود عسكري واسع في كل ساحة لكي تحافظ على قدرتها على التأثير فيها، ما دامت قادرة على الضغط على الحكومات، وتعطيل قيام ترتيبات مستقرة لمصلحة خصومها، وفرض كلفة سياسية واقتصادية عليهم، فيما تحتفظ إسرائيل بحرية الحركة العسكرية والأمنية ضمن هامش واسع تحت السقف الأميركي. ومن هنا تكتسب الساحة اللبنانية أهمية خاصة، لأن نجاح هذه المقاربة الأميركية يتوقف، إلى حد كبير، على قدرة الولايات المتحدة على إعادة صياغة موقع "حزب الله" داخل الدولة من دون الحاجة إلى استئناف الحرب الموسعة بينه وبين إسرائيل أو إلى تحمل الكلفة السياسية لاحتلال إسرائيلي  طويل الأمد، وقد كان الموقف السعودي من تصريحات سموتريتش المذكورة أعلاه مؤشرا على رفض حلفاء واشنطن العرب لسياسات إسرائيل التوسعية.

أ.ف.ب
رفع علم مشترك يجمع بين علمي الولايات المتحدة وإسرائيل في كيبوتس "ميسغاف عام" الإسرائيلي الواقع في الجليل الأعلى، بالقرب من الحدود اللبنانية، وذلك في 20 سبتمبر 2026

لكن ذلك كله لا يعني أن هذا المسار الأميركي محكوم بالوصول إلى إخراج كامل لـ"حزب الله" من المعادلة اللبنانية، فعدم إغلاق باب التفاوض مع إيران يترك احتمالاً قائماً لأن تشمل أي تسوية إقليمية مقبلة لبنان وترتيباته الداخلية، بحيث يجري التوصل إلى صيغة تجمع بين تغيير الوضع الأمني في الجنوب وتجفيف الحضور العسكري لـ"حزب الله" هناك، وبين إعادة بناء التوازنات داخل السلطة اللبنانية على نحو يمنع "الحزب" من العودة إلى موقع القوة المهيمنة على مفاصل الدولة، من دون أن يعني ذلك إلغاء حضوره السياسي. وقد تكون هذه هي النقطة التي تجعل المقارنة مع تجربة اجتثاث حزب "البعث" في العراق مفيدة ومحدودة في الوقت نفسه، لفهم كيف تفكر واشنطن في لبنان، إذ من المستبعد أن تفكر في استئصال "حزب الله" من الحياة السياسية، وإنما في إنهاء قدرته على ممارسة وظيفة "الحزب الحاكم" في لبنان، مع إبقائه جزءاً أساسياً من السلطة وفق الصيغة اللبنانية القائمة على المحاصصة الطائفية.

وهذا التصور أو المسار الأميركي سيكون، في حال حصوله، جزءاً من الاستراتيجية الأميركية الأوسع في الإقليم، وليس ملفاً لبنانياً منفصلاً، إذ هو يختبر قدرة واشنطن على تقليص النفوذ الإيراني من خلال الضغط السياسي والاقتصادي، بدلاً من محاولة إلغائه بالقوة العسكرية المباشرة.

لذلك تبقى ممانعة "حزب الله" وإيران للتسليم بالشروط الأميركية عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل هذا المسار، فتجدد المواجهة المفتوحة مع إيران و"حزب الله" ليس الخيار الأنسب بالنسبة لواشنطن، كما أن التسوية الشاملة معهما ليست الخيار المتاح الآن، وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل الحضور العسكري والسياسي لـ"حزب الله" في لبنان، بين أن تستطيع الولايات المتحدة تحييده سياسيا عن مفاصل الدولة الرئيسة بموازاة تحييده عسكريا في جنوب لبنان، وبين أن يفضي تعذر "الحل العسكري" كما الوصول إلى تسوية إقليمية شاملة، إلى بقاء لبنان بأكمله معلقا على حبال الصراع بين واشنطن وطهران من دون حسم أي من الملفات اللبنانية المتأزمة.

font change

مقالات ذات صلة