هل تفتح أميركا باب الاستثمار في لبنان؟

العلاقة الاقتصادية بين واشنطن وبيروت تبحث عن فصل جديد

أ.ف.ب
أ.ف.ب

هل تفتح أميركا باب الاستثمار في لبنان؟

من بين نتائج الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الجمهورية جوزف عون إلى البيت الأبيض ولقاء القمة الذي عقده مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 21 يونيو/تموز 2026، المبادرة ذات الطابع الاقتصادي التي اتخذها ترمب بقرار عودة الطيران الأميركي المباشر إلى لبنان. هذا الطيران كان توقف العام 1985، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، عقب حادثة اختطاف طائرة تابعة لشركة "تي دبليو أيه" (TWA) الأميركية (الرحلة 847) وإجبارها على الهبوط في بيروت. وإعادة هذا الطيران الآن، تمثل أحد أبرز مؤشرات رفع الحظر السياسي والاقتصادي عن لبنان، الذي تعاظم خلال العقد السابق حتى الساعة. وكانت الأسباب تعود إلى الخطر وغياب سلطة الدولة في المرحلة السابقة.

​أما حاليا، فهناك عملية بناء ثقة بين الإدارة الأميركية والدولة اللبنانية، وهي ذاهبة في اتجاه أوسع نطاقا. وتتمثل في الرعاية الأميركية الرئاسية المباشرة لبناء الدولة. وكما قال ترمب في المؤتمر الصحافي مع الرئيس عون بما معناه، إنه لا يجوز إبقاء لبنان في هذه الحال ولا بد من استنهاضه مجددا.

​صحيح أن الخطوة الأميركية هي اقتصادية الطابع، ولكن مدلولها سياسي بامتياز. واعتبر مصدر ديبلوماسي واسع الاطلاع على العلاقات بين البلدين، أن قرار رفع الحظر عن الرحلات المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان يشكل إنجازا سياسيا مفيدا لتدفق العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياحية بين البلدين، بما في ذلك تسهيل الزيارات بين المغتربين اللبنانيين في الولايات المتحدة وبلدهم الأم. كما يسهل ذلك، أن يقصد اللبنانيون والوفود اللبنانية الولايات المتحدة، على أن يتم تقديم تسهيلات في الحصول على تأشيرة الدخول للبنانيين.

وأشار المصدر في حديثه الى"المجلة"، إلى أن القرار الأميركي لا يطبق تلقائيا. إذ أنه سيحتاج إلى إجراء مراجعة من إدارة الطيران الفيديرالية الأميركية (FAA) وهذه المراجعة ستكون مراجعة أمنية شاملة لمطار بيروت. ثم النظر إلى حسابات الربح التجاري، لأن استئناف الرحلات، يرتبط بدراسات الجدوى الاقتصادية لشركات الطيران. فضلا عن تأثير سريان تحذير الخارجية الأميركية حول عدم السفر إلى لبنان على تكاليف التأمين، وإقبال المسافرين. وأوضح، أن العملية ستتطلب أشهرا عدة، أو أكثر لتنفيذها، نظرا للإجراءات الصارمة والتدقيق من جانب الولايات المتحدة. وكذلك نظرا إلى التعقيدات الإقليمية في ظل استمرار احتمالات الحرب مع إيران والمخاطر المرتبطة بها، وإلغاء الكثير من الرحلات.

هذا التطور ليس فقط لتسهيل حياة الناس، بل إنه أعمق بكثير. فهو يعني تدفقا استثماريا وتوظيفيا وتجاريا، وخلق فرص جديدة، ستزداد إلى حد الخمسين مرة وليس مرة أخرى أو اثنتين، ونتوقع ازدياد أرقام التجارة إلى حد الألف في المئة. لكن كل هذه التوقعات، شرطها الاستقرار الأمني والسياسي في لبنان

رئيس مجلس الأعمال اللبناني-الأميركي أيمن جمعة

مع الإشارة إلى أن سياسة ترمب في موضوع التأشيرات والإقامة تطال ليس فقط اللبنانيين، بل إنها تطال الأجانب، وهذا له تأثير..

​وعلى خط ما هو مطلوب من لبنان في المقابل، أوضح المصدر أن عليه فرض هيبة الدولة، وخلق مناخ إيجابي في ما خص الأمان والاستقرار، اللذين يعتبران الشرطين الأساسين لمجيء اللبنانيين والأميركيين وغيرهم من مواطني دول العالم.

اللجنة التي شكلها لبنان تجتمع بشكل مكثف

مما لا شك فيه أن رفع الحظر الأميركي على الطيران إلى لبنان فرصة للدولة لإعادة النهوض باقتصادها بعد إعطائها الثقة. وهذا يفتح الباب أمام الاستثمار وتوسيعه. فإذا جاء الأميركيون والعرب إلى لبنان للاستثمار، فهؤلاء يمكن أن يعوضوا أي مساعدات دولية اقتصادية يمكن أن يطلبها لبنان لتقوية اقتصاده من جديد، وفق المصدر. وأكد رئيس مجلس الإدارة المدير العام لمؤسسة مطار بيروت الدولي المهندس محمد شاتيلا، تشكيل لجنة رسمية لمتابعة ملف استئناف الرحلات المباشرة. ويرأس اللجنة وزير الأشغال والنقل فايز رسامني.

أ.ف.ب
مطار بيروت الدولي بالقرب من منطقة بشامون الواقعة جنوب العاصمة، في 13 أبريل/نيسان 2026

وقال رئيس هيئة الطيران المدني الكابتن محمد عزيز لـ"المجلة"، "إن الطيران المباشر بين لبنان والولايات المتحدة لا يمكنه أن يستخدم مطار القليعات. بل ستنحصر الحركة بمطار بيروت. ذلك أن مطار القليعات يحتاج إلى أعمال متنوعة ليتمكن من استقبال الطائرات الكبيرة". وأوضح، "أن التحضير لانطلاق الطيران مع الولايات المتحدة مباشرة، يحتاج الى تحضيرات ستمتد لسبعة اشهر. وقد بدأت اللجنة اجتماعات مكثفة لهذه الغاية". ويذكر أن عزيز عضو في هذه اللجنة.

وقال رئيس مجلس الأعمال اللبناني-الأميركي أيمن جمعة  لـ"المجلة"، "إن قرار عودة الطيران الأميركي المباشر بين لبنان والولايات المتحدة، يصب في مصلحة لبنان، كما يشكل شريان حياة لمئات الآلاف من اللبنانيين مباشرة، ولملايين من اللبنانيين والمتحدرين من أصول لبنانية بصورة غير مباشرة". وتابع: "إنه عبارة عن تواصل تجاري وسياحي واستثماري، ويمثل تغييرا جذريا في قواعد اللعبة. وهذا التطور ليس فقط لتسهيل حياة الناس، بل إنه أعمق بكثير. ويعني تدفقا استثماريا وتوظيفيا وتجاريا، وخلق فرص جديدة، ستزداد إلى حد الخمسين مرة وليس مرة أخرى أو اثنتين، ونتوقع ازدياد أرقام التجارة إلى حد الألف في المئة. لكن كل هذه التوقعات، شرطها الاستقرار الأمني والسياسي في لبنان. ومن دون الاستقرار، وديمومته الفعلية والنهائية، لن يكون هناك تغيير. هناك رجال أعمال لبنانيون في أفريقيا وأوروبا والدول العربية مهتمون بالدخول على خط الاستثمار بين لبنان والولايات المتحدة، وهم يشاركون في المؤتمرات التي يقيمها مجلس الأعمال في الولايات المتحدة".

وفي هذا الإطار، اعتبر المغترب اللبناني أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نورث كارولاينا البروفسور خضر زعرور، في حديثه الى "المجلة"، "أن عودة الطيران المباشر ينعكس إيجابا على التسهيلات للبنانيين والأميركيين. فبدلا من أن يكون لدى المسافرين دولة عبور ثالثة، هم يتجهون مباشرة إلى البلدين وبأقل تكلفة مادية أيضا. لكن هذا المشروع ليس سريعا، وسيستغرق وقتا لبناء الثقة، إلا أنها قطعت بالفعل شوطا كبيرا بين البلدين، بعد وضع بسط سلطة الدولة على السكة الصحيحة".

بلغ حجم التبادل التجاري بين لبنان والولايات المتحدة عام 2025 نحو 949.7 مليون دولار، مقارنة بنحو 497.5 مليون دولار عام 2003

وأضاف زعرور: "بدأ لبنان يضع نفسه على الخريطة الديبلوماسية في العالم. والتهديدات باتت من الماضي، لا سيما أن الأميركيين سيراقبون أكثر مطار بيروت، حيث ستتمركز فيه مجموعة من الحرس الأميركي (TSA)، مثله مثل أي مطار تتعامل معه الولايات المتحدة". وشرح أن الفرص والاستثمارات لدى رجال الأعمال تحتاج إلى أرقام ووقائع، أي الأمن، والاستقرار، وسلطة الدولة، وتقديم الخدمات المطلوبة ورعاية الدولة لكل موجبات الاستثمار سياسيا وأمنيا ولناحية الشفافية. فضلا عن الحاجة إلى إعادة تفعيل القطاع المصرفي، وتمويل شركات كبيرة لتوسعة المطار الذي يمتاز بموقعه الاستراتيجي في المنطقة، ويستطيع استقطاب المسافرين بين الولايات المتحدة ودول المنطقة كمحطة عبور لبنانية".

تجدر الإشارة إلى أنه مع حظر الطيران الأميركي، تراجعت العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين لبنان والولايات المتحدة، بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية وبسبب سيطرة "حزب الله"  على مفاصل الدولة. لكن الإدارة الأميركية تنظر إلى لبنان واستقراره بعين الاقتصاد والاستثمار. فهو يمثل مساحة خصبة أمام الاستثمارات المرجوة. وفي الوقت ذاته، يحتاج لبنان إلى تدفق استثماري للتوظيف في كل القطاعات. فهل من فرص استثمارية واعدة بين البلدين؟ وما موقع لبنان على خريطة الاستثمارات الأميركية وما واقع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين؟

الميزان التجاري في عجز لصالح الولايات المتحدة والاستقرار أساس لتطوير العلاقات

على مستوى الصادرات اللبنانية والواردات من الولايات المتحدة والميزان التجاري، بلغ حجم التبادل التجاري بين لبنان والولايات المتحدة عام 2025 نحو 949.7 مليون دولار، مقارنة بنحو 497.5 مليون دولار عام 2003، وفق بيانات غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت التي حصلت "المجلة" على نسخة منها. وبلغت أعلى قيمة 2.4 مليار دولار العام 2012.

رويترز
مبنى البنك المركزي اللبناني، في بيروت 16 مارس/آذار 2018

وجاء في تقرير الغرفة حول هذه العلاقات، أن الولايات المتحدة تبوأت المرتبة التاسعة على قائمة أهم مصادر الاستيراد اللبناني العام 2025. وشكلت المستوردات اللبنانية 4 في المئة من إجمالي المستوردات اللبنانية. في المقابل، جاءت الولايات المتحدة  في المرتبة 6 على لائحة أهم الأسواق للصادرات اللبنانية، واستأثرت بنحو 4 في المئة من إجمالي الصادرات.

ووفقا لغرفة التجارة، ارتفعت قيمة الصادرات اللبنانية إلى الولايات المتحدة من 19.7 مليون دولار في 1993، إلى 145.2 مليونا في 2025. وسجلت قيمة قياسية في 2024، إذ بلغت 153.1 مليونا. في حين أن قيمة المستوردات اللبنانية منها ارتفعت من 511.1 مليون دولار في 1993، إلى 804.5 مليونا في 2025. وسجلت قيمة قياسية في 2012 بلغت 2.4 مليار دولار. وأشار التقرير إلى أن الميزان التجاري بين البلدين في حالة عجز دائم لصالح الولايات المتحدة. وقد ارتفع هذا العجز من 491.4 مليون دولار العام 1993 إلى 659.3 مليون دولار عام 2025. وسجّل قيمة قياسية عام 2012 بلغت 2.3 مليار دولار.

يبرز ملف النفط والغاز كأحد المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بلبنان، إذ اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية قطاع الطاقة، ولا سيما استكشاف النفط والغاز، من أكثر القطاعات جذبا للاستثمار في البلاد

وتكشف بيانات التجارة الأميركية أن هيكل التبادل السلعي بين البلدين متنوع، مع بروز المنتجات الكيميائية والأسمدة، والأحجار الكريمة والمجوهرات، والزيوت والمنتجات الغذائية والمنسوجات ضمن أبرز السلع اللبنانية المتجهة إلى السوق الأميركية. وفي المقابل، تشمل أبرز الصادرات الأميركية إلى لبنان السيارات ووسائل النقل، والمنتجات الكيميائية، والآلات والمعدات الكهربائية، والمنتجات الزراعية والغذائية، إضافة إلى الأدوية والمعدات الطبية.  

وقدمت واشنطن إلى لبنان منذ عام 2006 نحو 3 مليارات دولار من المساعدات العسكرية لدعم الجيش اللبناني، معظمها عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي، فيما تجاوزت المساعدات الإنسانية الأميركية للبنان 3.5 مليارات دولار منذ السنة المالية 2019، وفق خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي. وتعكس هذه المساعدات أهمية الجيش اللبناني في السياسة الأميركية تجاه لبنان، باعتباره شريكا في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار، إلى جانب توظيف المساعدات الاقتصادية والإنسانية لدعم الاستقرار والنمو الاقتصادي. لكن عام 2025 شهد تحولا في سياسة المساعدات الخارجية الأميركية، إذ أمرت إدارة ترمب في يناير/كانون الثاني بمراجعة برامج المساعدات الإنمائية وفرضت وقفا لمدة 90 يوما على الالتزامات والصرف الجديدة، مع إمكان استثناء بعض البرامج.

"ستارلينك" والنفط والغاز وغيرها من القطاعات تهم الولايات المتحدة في لبنان

لا تقتصر العلاقات الاقتصادية الأميركية-اللبنانية على التجارة، إذ توجد أيضا استثمارات أميركية مباشرة في لبنان، وإن كان حجمها محدودا نسبيا. ووفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي (BEA) التي تستشهد بها وزارة الخارجية الأميركية، بلغ رصيد الاستثمار الأميركي المباشر في لبنان نحو 304 ملايين دولار في 2022. وتشير وزارة الخارجية إلى أن الاستثمارات الأميركية في لبنان تتركز أو ظهرت تاريخيا في قطاعات، بينها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والرعاية الصحية، والأمن والسلامة، وإدارة النفايات والامتيازات التجارية. كما توفر مؤسسة التمويل الإنمائي الأميركية (DFC) دعما للقطاع الخاص اللبناني، إذ قدمت أكثر من 300 مليون دولار من ضمانات خطوط ائتمان لمعاملات في لبنان.

أ.ف.ب
صاروخ "سبايس إكس" قبيل انطلاقه، في محطة كيب كانافيرال الجوية، بولاية فلوريدا الأميركية، 14 مايو/أيار 2019

ويبرز ملف النفط والغاز كأحد المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بلبنان، إذ اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية قطاع الطاقة، ولا سيما استكشاف النفط والغاز، من أكثر القطاعات جذبا للاستثمار في البلاد. كما لعبت واشنطن دورا محوريا في التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، الذي ربطته الإدارة الأميركية صراحة بتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار وتهيئة الظروف أمام الاستثمار في موارد الطاقة. وقدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) في حوض المشرق بنحو 1.7 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج و122 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وهي تقديرات للحوض بأكمله وليست احتياطيات لبنانية مؤكدة.

وفي المقابل، لم يبدأ لبنان بعد بتحقيق إيرادات من إنتاج النفط والغاز، إذ لم تثبت عمليات الاستكشاف حتى الآن وجود اكتشاف تجاري قابل للإنتاج، فيما تواصل الشركات أعمال التنقيب في المياه اللبنانية. وتوضح الهيئة اللبنانية لإدارة قطاع البترول أن الإيرادات الحكومية الرئيسة من القطاع، بما فيها الإتاوات وحصة الدولة من بترول الربح والضرائب، لا تبدأ إلا بعد تحقق اكتشاف تجاري وبدء الإنتاج.

وأطلق لبنان في 2025 دورة التراخيص البحرية الثالثة للتنقيب عن النفط والغاز، وفتح بموجبها عددا من الرقع البحرية أمام الشركات الدولية، وحدد 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 موعدا نهائيا لتقديم الطلبات. وجاء ذلك بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، الذي لعب المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين دورا محوريا في التوصل إليه، واعتبرته واشنطن خطوة تعزز الأمن والاستقرار والازدهار وتهيئ الظروف أمام الاستثمار في موارد الطاقة. لكن لبنان لم يصل حتى الآن إلى مرحلة الإنتاج التجاري، إذ لم يؤدِّ حفر بئر قانا في الرقعة 9 إلى اكتشاف هيدروكربونات تجارية، فيما أدت الظروف الأمنية والقانونية إلى تعليق وتأخير بعض أنشطة الاستكشاف. ويبدو أن استخراجهما والاستثمار الأميركي في ذلك، مرتبط بترتيب العلاقة بين لبنان وإسرائيل، وفقا لديبلوماسي واسع الاطلاع، بحسب ما أفاد "المجلة".

العلاقة الاقتصادية بين لبنان والولايات المتحدة تبدو أكبر من أرقام التجارة وحدها. وبين الاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا والمساعدات، يبقى الرهان الحقيقي على ما إذا كان لبنان قادرا على تحويل الاهتمام الأميركي من علاقة تدير الأزمات وتحمي الاستقرار، إلى شراكة تنتج استثمارات وفرصا ونموا

أما من أبرز التطورات في الحضور الاستثماري والتكنولوجي الأميركي في لبنان، فترخيص شركة "ستارلينك لبنان"، التابعة لـ"سبيس إكس" المملوكة لإيلون ماسك، لتقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية في لبنان. وقد وافق مجلس الوزراء في سبتمبر/أيلول 2025 على الترخيص، فيما أصدرت الهيئة المنظمة للاتصالات في يناير/كانون الثاني 2026 الشروط الفنية والتشغيلية والاستثمارية الخاصة به. إلا أن الخدمة لم تكن قد أُطلقت تجاريا في لبنان حتى يونيو/حزيران 2026، وفق الهيئة، التي قالت إنها كانت لا تزال في مرحلة التحضير والاختبارات واستكمال الموافقات الأمنية.

أ.ف.ب
أبراج سكنية مقابل ساحل مدينة بيروت، 7 أبريل/نيسان 2025

ومن المقدر أن تبلغ عائدات الدولة اللبنانية 25 في المئة إضافة إلى الضريبة على القيمة المضافة، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الاتصالات لـ"المجلة" . كما أبدى الملياردير الأميركي إيلون ماسك اهتماما بدخول السوق اللبنانية، إذ أعرب خلال اتصال بالرئيس جوزاف عون في يونيو/حزيران 2025 عن رغبته في أن تكون شركاته حاضرة في لبنان، خصوصا في قطاعي الاتصالات والإنترنت، فيما لا توجد، حتى الآن، دلائل رسمية على طرح استثمار محدد لشركة "تسلا" في لبنان.

وبحسب محللين اقتصاديين، يحتاج لبنان من أجل تحفيز مشاركة استثمارية أميركية أكبر إلى إصلاح بيئة الأعمال وحماية المستثمرين، وإزالة الحواجز القانونية والتنظيمية، وتطوير إستراتيجيا لجذب الاستثمارات الأميركية لا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا. كما يحتاج لبنان إلى البناء على الاتفاق البحري الذي قدم أفقا واسعا لاستكشاف الاستثمار في الغاز والنفط، تحت إشراف أميركي. فضلا عن الحاجة إلى إصلاح القوانين، وتقوية المؤسسات، وإشراك القطاع الخاص في برامج حكومية، وتوفير كافة أنواع الحوافز والحوكمة الشفافة، والتعاون مع المؤسسات الدولية.

شركات لبنانية تنشط في الولايات المتحدة

لا يقتصر تدفق رأس المال بين البلدين على الاستثمارات الأميركية في لبنان، إذ وظّف مستثمرون ومؤسسات مالية لبنانية جزءا من رؤوس أموالهم في السوق الأميركية، خصوصا في العقارات والاستثمارات المالية. وظهرت هذه الاستثمارات، على سبيل المثل، عبر مؤسسات مثل "بلوم إنفست" (BLOM Invest) و"أوبتيموم إنفست" (Optimum Invest) التي دخلت في فرص عقارية أميركية من خلال شراكات مع شركات استثمار وإدارة أصول أميركية. غير أن حجم الاستثمارات اللبنانية في الولايات المتحدة يصعب تحديده بدقة من الإحصاءات الرسمية الأميركية، التي تصنف الاستثمار المباشر بحسب بلد الشركة أو المستثمر المباشر ولا تفصل عادةً استثمارات الأفراد اللبنانيين أو الأميركيين من أصل لبناني.

بالإضافة إلى ذلك، تخطى الوجود اللبناني حدود القطاعات التقليدية ليمتد إلى قطاع المطاعم والضيافة، حيث نجحت علامات لبنانية في بناء أعمال قابلة للتوسع داخل السوق الأميركية. ويبرز "نايا" (NAYA) بوصفه المثل الأحدث والأكبر. فالسلسلة التي أسسها اللبناني هادي كفوري في نيويورك عام 2008 وصلت إلى 48 مطعما في خمس ولايات أميركية في أغسطس/آب 2026، وتستهدف 200 موقع في 2030، بعد جمع 195 مليون دولار لتمويل توسعها. وتسبقها تجارب مثل "ليبانيز تافيرنا" (Lebanese Taverna)، التي تطورت منذ تأسيسها في منطقة واشنطن عام 1979 إلى مجموعة تضم 5 مطاعم كاملة الخدمة و6 مطاعم سريعة، إضافة إلى "إليلي" (ilili) في نيويورك وواشنطن، و"سمسم" (Semsom) اللبنانية التي دخلت السوق الأميركية عام 2015 باستثمار أولي بلغ 4.5 ملايين دولار.

مما لا شك فيه أن العلاقة الاقتصادية بين لبنان والولايات المتحدة تبدو أكبر من أرقام التجارة وحدها. وبين الاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا والمساعدات، يبقى الرهان الحقيقي على ما إذا كان لبنان قادرا على تحويل الاهتمام الأميركي من علاقة تدير الأزمات وتحمي الاستقرار، إلى شراكة تنتج استثمارات وفرصا ونموا. فالمسافة بين بيروت وواشنطن ليست المشكلة. المشكلة دائما في البيئة التي ينتظرها رأس المال كي يعبرها والاستقرار الأمني والسياسي الذي يدعم ويسبق أي مشروع اقتصادي.

font change

مقالات ذات صلة