مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة.

مسامير جونيور

سيناريو: سارة بالغونيم، عبد العزيز المزيني

إخراج: مالك نجر

بلد الإنتاج: المملكة العربية السعودية

في عالم الرسوم المتحركة، الموجهة للكبار أو الصغار، نلاحظ أن قلة من الأفلام هي التي تنجح في الإفلات من فخ الوعظ المباشر أو التبسيط، مقتربة من المساحة المناسبة لواحة الطفولة. فيلم "Masameer Junior" واحد من هذه الأفلام، التي تناولت المعادلة السابقة بصورة مختلفة، لاسيما، ومنذ انطلاقها قبل سنوات عبر فضاء الإنترنت، تحولت سلسلة "مسامير" تدريجيا من مجرد رسوم ساخرة، إلى واحدة من أبرز الأعمال المرتبطة بتحولات الكوميديا السعودية المعاصرة، خصوصا في علاقتها بالنقد الاجتماعي، عبر مزج الكوميديا السوداء بشكل كاريكاتيري يصل إلى حد المبالغة، داخل عالم شديد المحلية، لكنه لا يخلو من قدرة واضحة على تعرية التناقضات السلوكية للإنسان، في العموم.

سلسلة من الكوارث والمفارقات الهزلية، تضع مفهوم براءة الطفولة في مواجهة مباشرة مع تناقضات مجتمع البالغين

بدأت رحلة "مسامير" مطلع العقد الماضي (2011) عبر حلقات قصيرة منفصلة عرضت على "يوتيوب"، وتناولت عددا كبيرا من القضايا المعاصرة والتاريخية بروح ساخرة، معتمدة على بساطة التحريك وسرعة النكات والإفيهات الحاضرة، لتنجح تدريجيا في تكوين قاعدة جماهيرية واسعة، دفعت فريق العمل إلى خوض مغامرة نقل التجربة إلى شاشات السينما، قبل أن يتطور المشروع لاحقا إلى شراكة ممتدة بين منصة "نتفليكس" واستوديو "ميركوت"، شهد خلالها قفزة واضحة، سواء على مستوى جودة التحريك أو طبيعة الخطاب الساخر نفسه، ما أتاح عرض العمل عالميا، في تعاون إنتاجي يعد الأول من نوعه في تاريخ الرسوم المتحركة السعودية.

مسامير جونيور

في رحلتهم الجديدة، بوصفه أحدث محطات هذا العالم، يتورط أبطاله في تجربة مختلفة تعود بالشخصيات إلى طفولتها، حيث تنطلق الحكاية من سوء فهم بريء لدرس ديني صارم عن عذاب الآخرة، يقنع الصغار الثلاثة بأنهم على حافة الهلاك بسبب تصرفاتهم اليومية العابثة، فيقررون خوض رحلة فوضوية بحثا عن "عمل صالح" يكفر عن ذنوبهم الصغيرة ويضمن لهم الغفران ودخول الجنة، التي لا تكفي النوايا البريئة للفوز بها، فسرعان ما يصطدم الأطفال بالواقع، لتتحول محاولاتهم الساذجة لفعل الخير إلى سلسلة من الكوارث والمفارقات الهزلية، تضع مفهوم براءة الطفولة في مواجهة مباشرة مع تناقضات مجتمع البالغين من حولهم.

علي الرغم من مشاركة عدد من شباب الكوميديا الرقمية و"الاستاند آب"، مثل إبراهيم الخير الله وعبد العزيز الشهري ويوسف الدخيل، في تأدية أصوات الشخصيات، اعتمد الفيلم بشكل لافت على مالك نجر نفسه، الذي لم يكتف بالمشاركة في الكتابة والإخراج، بل تولى أيضا عملية الأداء الصوتي لمعظم الشخصيات المحورية عبر السلسلة، مثل طراد وسلتوح وسعد والدكتور عادل وحزام، حتى تحولت نبرته الصوتية وطريقة أدائه إلى جزء من الهوية الساخرة للعمل. كما نجح المخرج في تمرير الرسالة الأخلاقية للفيلم من خلال مفارقة بصرية ودرامية، موظفا الصورة المبهجة المرتبطة بعالم الطفولة، بألوانه الزاهية وبراءة إيقاعه، في مقابل عالم بالغين قاتم ومتهالك، وهي رؤية لا تخاطب عقول الصغار بقدر ما تضع عالم الكبار نفسه موضع مساءلة ساخرة.

After the Hunt

سيناريو: نورا غاريت

إخراج: لوكا غوادانيينو

بلد الإنتاج: إيطاليا، الولايات المتحدة الأميركية

بعد سلسلة من الأفلام المشبعة بالتوتر النفسي، والتي تتحول فيها الرغبات والهواجس البشرية إلى لوحات بصرية تحتفي بالجمال الحسي، يواصل المخرج الإيطالي لوكا غوادانيينو مشروعه حول تفكيك العلاقات الإنسانية داخل البيئات المغلقة، في فيلمه الجديد "بعد الصيد" (After the Hunt)، لكن هذه المرة من بوابة تقف على حدود مفاهيم الاتهام والشعور بالذنب في دراما نفسية أكثر تعقيدا. برعت مؤلفتها الشابة، نورا غاريت، في نقل صورة حية من العالم الخفي للمجتمع الأكاديمي المعاصر، بأجواء تستحضر المناخ المرتبك الذي أعقب صعود مبادرات وحركات فردية، مثل "Me-too"، داخل المؤسسات الأميركية، وذلك في أول سيناريو تكتبه للسينما، جاء نتاج ورشة كتابة لم تتجاوز ثلاثة أشهر.

عدد من القضايا المتشابكة، بدءا من فن انتزاع الحقوق النسوية داخل بيئة ذكورية، وصولا إلى أسئلة التمييز العنصري وإعادة توزيع السلطة داخل المؤسسات الثقافية

تدور الفكرة الرئيسة للفيلم حول صراع الأجيال، من خلال حكاية ألما (جوليا روبرتس)، أستاذة الأدب والفلسفة المرموقة التي يبدو في البداية أنها تعيش حياة ناجحة ومستقرة، على المستويين المهني والشخصي، حتى يتبدد الهدوء تدريجيا حين تتقدم إحدى الطالبات ببلاغ تتهم فيه واحدا من زملائها المقربين داخل هيئة التدريس، ومن ثم يتحول الحرم الجامعي إلى مناخ مشحون بالشكوك وتصفية الحسابات القديمة، طمسا للحقيقة، ومع تصاعد وتيرة التحقيقات والضغوط المحيطة، تجد البطلة نفسها مهددة بالنبش في ماضيها الشخصي، وكشف سر حرصت طوال حياتها على إخفائه، لتبدأ مطاردة نفسية شرسة تضع مستقبلها وكل ما شيدته على المحك.

After the Hunt

تتقاطع أجواء الفيلم مع فيلم "الشك" (Doubt) (2008)، لكن ضمن مساحة أوسع وأكثر التصاقا بتحولات المجتمع الأميركي المعاصر، إذ يمر السيناريو على عدد من القضايا المتشابكة، بدءا من فن انتزاع الحقوق النسوية داخل بيئة ذكورية، وصولا إلى أسئلة التمييز العنصري وإعادة توزيع السلطة داخل المؤسسات الثقافية. فيما يشهد الحرم الجامعي تحولا نحو الطابع التجاري، حيث يتراجع الإقبال على كليات العلوم الإنسانية لصالح التخصصات الأكثر ربحا، ما يدفع الأساتذة إلى التنافس فيما بينهم وسط مخاوف مستمرة تزداد وطأتها مع محاولات الإدارة تقليص عدد الموظفين، خاصة كبار السن من البيض، وفق توجيهات رئيسة قسم اللغة الإنكليزية (ساندرا أوه)، أول امرأة سمراء تشغل هذا المنصب في تاريخ الجامعة.

مع حضور جيل "زد" تأتي النهاية القصيرة للفيلم في صورة احتجاجية تشبه فريسة بعد صيدها، حيث يقف عدد من الطلاب رافعين لافتاتهم أمام معلمتهم، مستنكرين تخليها، بينما تؤكد هي أن ليس كل شيء في العالم صمم ليكون مريحا، مضيفة: "أحيانا، يجب أن نشعر بعدم الراحة".

Rental Family                       

سيناريو: ستيفن بلاهوت، بمشاركة المخرج

إخراج: هيكاري

بلد الإنتاج: اليابان، الولايات المتحدة الأميركية

هل نحن بارعون في فن الخداع والتمثيل، كما تقول أسطورة هوليوود مارلون براندو: "جميع البشر ممثلون يمارسون الكذب بشكل يومي". في بلد مثل اليابان، يبدو المناخ مثاليا لهذا الطرح، مجتمع بالغ الدقة والتنظيم، وفي الوقت ذاته مختبر حي لعزلة الإنسان المعاصر، في عالم تزداد فيه المدن صخبا ويتلاشى التواصل البشري ببطء. من هذه الزاوية، تنطلق المخرجة اليابانية هيكاري في فيلمها الأحدث "عائلة للإيجار"، إلى أزقة طوكيو الخلفية، مستلهمة واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية غرابة في المجتمع الياباني، حيث يسمح القانون لمواطنيه باستئجار "عائلة" بشكل مؤقت، لتعويض الفراغ العاطفي أو الاجتماعي، في دراما فلسفية ساخرة حول زيف العلاقات المعاصرة، والأسئلة الوجودية المرتبطة بمعنى الانتماء نفسه.

تدور أحداث الفيلم حول فيليب (بريندان فريزر)، ممثل أميركي مغترب يعيش في مدينة طوكيو، العاصمة، يجد نفسه أسير أزمة خانقة متعددة المستويات، يأتي في مقدمتها تعرضه لأزمة مالية شديدة، ثم استسلامه لحالة مزمنة من الإحباط نتيجة فشله في تحقيق النجاح السينمائي أو الاستقرار النفسي، فضلا عن شعوره القاتل بالوحدة والاغتراب داخل مجتمع لا يفهمه بالكامل. بتصاعد وتيرة الحدث، تقوده مصادفة غريبة إلى العمل داخل وكالة متخصصة في "تأجير العائلات" بمختلف درجات القرابة، ليكتشف تدريجيا أن الأمر، لدى كثيرين، لا يرتبط فقط بالحاجة إلى مشاعر إنسانية، ولو بصورة مصطنعة، وإنما أيضا بالرغبة في الحفاظ على المظهر الاجتماعي أمام الآخرين.

مفارقة التباين الثقافي والجسدي بين عفوية أداء البطل وضخامته، في مقابل الأداء الياباني المحافظ

امتدادا لأسلوبها في فيلم "37 ثانية" (37 Seconds) (2019)، تبتعد المخرجة عن التعامل مع شخصياتها المعزولة بوصفها نماذج مثيرة للشفقة، مانحة إياها حضورا إنسانيا يمزج بين الضعف والقوة، وهو ما تضطلع به كاميرا تتنقل برشاقة داخل المساحات الضيقة لحواري المدينة، محولة الشقق الصغيرة إلى ملاجئ مؤقتة للهاربين من وحدتهم، في إطار تجنب الحس الميلودرامي الزاعق، لصالح سخرية هادئة قد تبرز في تفصيل عابر دون افتعال، مثل مفارقة التباين الثقافي والجسدي بين عفوية أداء البطل وضخامته، في مقابل الأداء الياباني المحافظ للمحيطين به.

Rental Family  

ومع انتقاله من تقمص دور إلى آخر، بين أب بديل، أو قريب مفقود، وما إلى ذلك، يتفاجأ فيليب بنفسه أسيرا لأزمة جديدة، حيث بدأ تدريجيا في تكوين روابط مشاعر حقيقية مع أشخاص، يفترض أن علاقته بهم لا تتجاوز حدود التمثيل المدفوع، وحينها، تتلاشى المسافة بين اللعبة الدائرة والواقع المفروض.

How to Divorce During the War

سيناريو وإخراج: أندريوس بلازيفيسيوس

بلد الإنتاج: أيرلندا، لوكسمبورغ، التشيك، ليتوانيا

في أوقات الحروب، يتحسب الجميع بمختلف الطرق لتفاقم الأزمات، فيما تتوارى المشاكل الشخصية أو الفردية أمام وطأة الكارثة الجماعية، ولكن، ماذا لو حدث العكس، وتقدم الهم الذاتي على الجمعي، حتى ولو بغير تخطيط مسبق، كما حدث مثلا، مع إحدى مديرات التنفيذ الشابات، قبل أربعة أعوام تقريبا، حين اختارت ماريا (زيغيمانتي إيلينا جاكشتايت)، أسوأ توقيت ممكن لمصارحة زوجها برغبتها في الطلاق، قبل يوم واحد فقط من بدء حرب روسيا على أوكرانيا. مفارقة برع المخرج الليتواني أندريوس بلازيفيسيوس في اختيار توقيتها الأمثل، على خلاف بطلته، وذلك من خلال فيلمه الجديد "كيف تتطلق خلال الحرب" متتبعا مع شخصياته الطريقة المثلى للطلاق في زمن الحرب.

نجح السيناريو في تجسيد المراحل المختلفة لتصاعدها، متجاوزا النظرة التقليدية لدراما الانفصال، عبر طرح فلسفي يقارب بين الحرب الدائرة والتفكك الأسري

في أحد فصول كتابه "الأزمنة السائلة"، يستقصي عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان تمثلات الخوف وتجلياته في حياة إنسان العصر الحديث، وكيف أفرزت مجموعة من الأوضاع العالمية– اقتصاديا وسياسيا- فائضا من الخوف البشري، أحيانا لا يحتاج إلى مسبب لخروجه. هكذا يغزل بلازيفيسيوس عالما تتداخل فيه الهواجس الكبرى مع الانهيارات الصغيرة، ويصبح الحفاظ على علاقة عاطفية، أو إنهاؤها، معركة موازية يخوضها جيل من الشباب، تحت وطأة خوف فائض، ومستمر.

How to Divorce During the War

ما بدأ كدراما منزلية حول زواج فاشل، تحول ببطء إلى هجاء لاذع لنقائص الإنسان، ورغباته الدفينة التي قد لا يدركها هو نفسه، في إطار جاف من الكوميديا السوداء، نجح السيناريو في تجسيد المراحل المختلفة لتصاعدها، متجاوزا النظرة التقليدية لدراما الانفصال، عبر طرح فلسفي يقارب بين الحرب الدائرة والتفكك الأسري المتفشي في الداخل، ساعد على هذا، ذكاء المخرج في استخدام لقطات ثابتة وممتدة زمنيا، لتجسيد الصراع الداخلي بين الشخصيات، سواء مع الآخرين أو مع ذواتهم. وكلما حاول أحدهم إعادة ترتيب حياته من جديد، كان العالم في الخارج يزداد ارتباكا، إلى درجة تبعث، كما يقول، على عدم الارتياح.

شكوى رقم 713317                     

سيناريو وإخراج: ياسر شفيعي

بلد الإنتاج: مصر

تواصل السينما المصرية المستقلة، خلال السنوات الأخيرة، انشغالها المتزايد بفكرة الإنسان المحاصر داخل منظومات أكبر منه، عن طريق استبدال الحكايات الكبرى بالتفاصيل اليومية الصغيرة أو العابرة، بوصفها مدخلا لقراءة تمثلات القلق الاجتماعي والسياسي المعاصر؛ وهو ما يبدو حاضرا بوضوح في فيلم "شكوى رقم 713317" تأليف وإخراج ياسر شفيعي، في أولى تجاربه الروائية الطويلة، فمن خلال سيناريو يدور حول إجراء روتيني يبدو عاديا في ظاهره، نجح الفيلم في تحويل الشكوى نفسها إلى رحلة كابوسية، تفضح هشاشة الإنسان وعجزه أمام سلطة المؤسسات، وكيف يمكن لدوامة الأرقام الحسابية والملفات المتداولة أو الأختام الرسمية أن تبتلعه تدريجيا، حتى يفقد خصوصيته وملامحه داخل نظام بيروقراطي لا يكترث بوجوده من الأساس.

لا يعتمد سيناريو الفيلم على قصة أو حكاية متماسكة واضحة المعالم، لكنه يبني عالمه الخاص انطلاقا من واقعة حقيقية تعرض لها المخرج نفسه في ظروف مشابهة، حيث تبدأ الأحداث برصد التفاصيل اليومية الصغيرة في حياة مجدي (محمود حميدة)، مسن يعيش مع زوجته تجسدها شيرين، في حالة من الهدوء المميت بعد هجرة ابنهما الوحيد. لم يعد هناك ما يشغل يومهما سوى برنامج رتيب يتكرر بالوتيرة نفسها، يتناسب مع تقدمهما في العمر وشعورهما بالوحدة، مكتفيين بما تبقى من انتصارات صغيرة وذكريات بعيدة لمناسبات عابرة، لم يعد لها وجود سوى داخل الذاكرة. من بين هذه البقايا، يحضر الآيس كريم، الذي ما زال مجدي يحتفظ بولعه الطفولي تجاهه، كواحد من المظاهر القليلة القادرة على منحه شعورا بالسعادة، لذلك يحرص دائما على ملء الثلاجة به.

يجد بطل الفيلم نفسه عالقا داخل دوامة سيزيفية لا يملك فيها سوى رقم الشكوى الذي بات يردده عن ظهر قلب من كثرة تكراره

حين تتعطل الثلاجة في أحد الأيام نتيجة تسرب غاز الفريون، يتبدل إيقاع حياتهما بزاوية منحرفة، ويتورط البطل في رحلة عبثية مع شركة الصيانة، تبدأ بزيارة فني يخبره أن العطل بسيط ولن يستغرق سوى دقائق، قبل أن تتكشف المشكلة تدريجيا بصورة أكثر تعقيدا. ومع تكرار الأعطال، ترسل الشركة فنيا آخر أكثر خبرة (يجسده محمد رضوان)، يتحول بمرور الوقت إلى شخصية ملازمة للبيت، تكاد تصبح فردا من الأسرة، في استدعاء ساخر لنمط "الزائر المقتحم" الذي لا يكتفي بالإصلاح، بل يتسلل إلى أدق التفاصيل الشخصية لأصحاب المنزل، التي كان يسترقها وهو في المطبخ يمارس عمله، إلى حد تقديم نصائح خاصة لمعالجة الفتور العاطفي بين الزوجين. حتى رقم الشكوى ذاته يبدو كأنه يكرر نفسه بصورة معكوسة داخل مرآة مغلقة، ثلاثة أرقام في النصف الأول تنعكس في النصف الثاني بصورة شبه مقلوبة.

شكوى رقم 713317

تدريجيا، يجد بطل الفيلم نفسه عالقا داخل دوامة سيزيفية لا يملك فيها سوى رقم الشكوى الذي بات يردده عن ظهر قلب من كثرة تكراره، بينما تنكشف أمامه، بالتوازي، المسافات الصامتة التي تراكمت بينه وبين زوجته، وابنهما الغارق في حياته الجديدة بعيدا عنهما. ومع دخول جهاز حماية المستهلك على خط الأزمة، دون أن ينجح في حلها، أو ربما بسبب تواطؤه الضمني مع الشركة نفسها، لا يبقى أمام الرجل سوى فعل تمرد أخير، ثورة، من الواضح أنه تأخر كثيرا في القيام بها، سواء في حياته الشخصية أو المهنية، إذ يقوم بتحطيم الثلاجة المتهالكة في مشهد صارخ، قبل أن يجلس بعدها بهدوء وسط الغرباء (الفني وصبيه الصغير ومندوب الجهاز)، لتناول الشاي، إلى جانب صاحبة شركة الصيانة نفسها، التي تظهر في النهاية وتقوم بتجسيدها الفنانة إنعام سالوسة، وكأنه أخيرا تذوق طعم انتصار صغير، يسمح له بأن يبدأ من جديد.

من ذاكرة السينما

Thelma & Louise

سيناريو: كالي خوري

إخراج: ريدلي سكوت

بلد الإنتاج: فرنسا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة

في دورته الـ(79) التي انتهت فعالياتها مؤخرا، ابتعد مهرجان "كان" السينمائي عن أطر التوقعات المعتادة، سواء على مستوى التكريمات وبرامج الأفلام وما طال نتائج لجان التحكيم أيضا، مثيرا حالة من الجدال بدأت مبكرا منذ الإعلان عن الملصق الرسمي لدورة هذا العام، والذي تضمن مشهدا من فيلم "ثيلما ولويز" (Thelma & Louise) للمخرج المخضرم ريدلي سكوت، ليعيد المهرجان الاحتفاء بالعمل الذي شهد عرضه العالمي الأول قبل خمسة وثلاثين عاما. في مفارقة درامية لا تقل سخونة عن إثارة الشاشة، حيث تواجه بطلته سوزان ساراندون حاليا حالة وصفت بالإقصاء والتهميش، أعادت إلى الأذهان أجواء "القوائم السوداء" الشهيرة في خمسينات القرن الماضي، بسبب موقفها الداعم لغزة، شأنها في ذلك شأن عدد من النجوم، من بينهم، خافيير بارديم ومارك روفالو، ممن ارتبطت أسماؤهم، خلال الفترة الأخيرة، بردود فعل واسعة داخل هوليوود بسبب مواقف مشابهة.

Thelma & Louise

ينطلق الخط الدرامي العام لفيلم "ثيلما ولويز" من حبكة معتادة في أفلام المطاردات الأميركية: جريمة تقع في مستهل الأحداث يتورط من خلالها شخص أو أكثر، فيما تسير بقية الأحداث عبر مطاردة وسعي متصاعد لإثبات البراءة، أو النجاة. غير أن ما منح سيناريو كالي خوري، والتي نالت عنه جائزة الأوسكار الوحيدة للفيلم كأفضل سيناريو أصلي، خصوصية غير مسبوقة، هو أن بطلي الواقعة امرأتان ثيلما (جينا ديفيس) ولويز (سوزان ساراندون)، تنطلقان في رحلة تبدو في بدايتها نزهة صيفية قصيرة للهروب من الضغوط اليومية، وسرعان ما تتحول إلى مغامرة خطرة، تنتقلان فيها من ولاية إلى أخرى هربا من ملاحقة الشرطة، بعد أن قامت الأخيرة بإطلاق النار على متحرش حاول اغتصاب صديقتها. وبهذا، عد الفيلم أول مانيفستو نسوي في أفلام الطريق، النوع الذي بقي لسنوات حكرا على الرجال، فيما تختزل النساء في أدوار ثانوية على الهامش.

رشح للأدوار في البداية عدد من نجمات هوليود مثل ميريل استريب، إلا أن ريدلي سكوت راهن على أسماء أقل شهرة حينها، حتى لا تطغى الأسماء المعروفة على طرحه الجندري الجديد؛ حيث يدين الفيلم المجتمع الأبوي بشكل صارخ، ينحصر فيه دور الرجل في صور عدائية أو انتهازية، بداية من المتحرش نفسه، مرورا بالزوج المتسلط الذي يطلب من زوجته دعوته بهدوء إلى الفطور، لأن صوتها العالي يزعجه، بينما ينشغل بمتابعة مباراة كرة خلال محاولتها الاستنجاد به هاتفيا، وصولا إلى الشاب الوسيم الذي اعترض طريقهما مدعيا أنه طالب جامعي ضل طريقه، يجسده براد بيت، قبل أن تكتشفا خدعته لاحقا وأنه مجرد لص استولى على أموالهما.

يطرح الفيلم رؤية جريئة في تحويل دور الضحية إلى متمرد، تجسدت في رفض الصديقتين لعب الدور التقليدي والخروج عن القانون

كذلك، يطرح الفيلم رؤية جريئة في تحويل دور الضحية إلى متمرد، تجسدت في رفض الصديقتين لعب الدور التقليدي والخروج عن القانون، ومن ثم، تتحول سيارة الفورد المكشوفة، رفيقة رحلتهما، من مجرد وسيلة نقل إلى مجاز معادل لفكرة للتحرر، فيما نجح المخرج في توظيف كادرات الصحراء الشاسعة التي تجمعهما منفردتين، في مقابل كادرات ضيقة وخانقة في صحبة الآخرين داخل البيوت أو المطاعم، لتعكس اتساع رغبة البطلتين في التحرر.

علي الرغم من انتصارهما المحدود على الكثير من العقبات، كان إحكام القبضة السلطوية أكبر من حلمهما، حيث خرج في أثرهما سرب كبير من سيارات الشرطة إلى جانب مروحية تكشف حركتهما بين الجبال، وهنا تختاران التمسك بلحظة الانتصار حتى وإن كان الثمن حياتهما، عن طريق القفز بالسيارة نحو الهاوية كرغبة في خلاص أخير، وليس انتحارا بمعنى الانهزام، وهو ما يؤكده المخرج بصريا عبر تجميد العربة في منتصف الفراغ قبل نزول الأسماء، لتبدو النهاية أقرب إلى صعود أسطوري منح بطلتيه الخلود، وأبقى في ذاكرة المشاهد صورة عفوية التقطتها الصديقتان في بداية رحلتهما بكاميرا فوتوغرافية، بدت هي الأخرى استشرافا مبكرا لثقافة "السيلفي" بصيغتها المعاصرة، أو تعبيرا عن الحضور اللافت الذي حظيت به المرأة مؤخرا، حتى وإن لم يتجاوز حدود الشاشة.

font change