مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة، بالإضافة إلى إعادة تقديم فيلم من ذاكرة السينما الكلاسيكية.

Resurrection

سيناريو وإخراج: بي غان

بلد الإنتاج: الصين، فرنسا

من جديد، يؤكد المخرج الصيني الشاب بي غان مشروعه السينمائي المغاير، لا سيما في ما يخص التلاعب بمعايير الزمان والمكان، وذلك من خلال فيلمه الأحدث "القيامة" (Resurrection)، ثالث تجاربه الروائية، الذي يخوض فيه مغامرة بصرية أقرب إلى قصيدة رثاء لفن الصورة نفسه، داخل عالم غرائبي يجرم الخيال، بعد أن اكتشف الناس أن توقفهم عن الحلم سيجلب لهم الخلود.

وسط هذا، تختار مجموعة صغيرة من المتمردين التمسك بأحلامها، رغم تأثير ذلك على أعمارهم، مفضلين حياة قصيرة متعددة الألوان والمستويات على خلود باهت أحادي اللون.

ومن خلال سلسلة من الاكتشافات، باتت محرمة، يخوضها بطل الحكاية، يعيد الفيلم الاعتبار إلى قيمة المخيلة البشرية، كمنحة اختص بها الإنسان عن بقية الكائنات، كما يحضر الفن، نتاج هذه المنحة، بوصفه ضرورة وجودية لا يمكن الاستغناء عنها وليس ترفا جماليا أو ثقافيا كما يعتقد البعض، وبالتالي، تتحول الأحلام إلى فعل مقاومة في مواجهة قوانين مادية لعالم يسعى إلى تسطيح الروح وتجريد الإنسان من لذة شغفه بالحياة.

تأتي السينما نفسها بمثابة "الحاسة السادسة"، التي تسمح لنا برؤية ما وراء الواقع مجسدا

كذلك يبدو احتفاء الفيلم بالفن السينمائي واضحا، حيث يوجه بي غان تحية صريحة إلى بعض رموزه دون مواربة، مثل أندريه تاركوفسكي، و"هو شياو شيان"، وغيرهما، عبر عدد من المشاهد واللقطات فيما يشبه إعادة توظيف درامية وجمالية، يستحضر في أحدها على سبيل المثال، صدى المشهد الشهير لاكتشاف هروب بطل فيلم "الخلاص من شاوشانك" للمخرج فرانك دارابونت. كما تتجلى فكرة كسر الحواجز بين الواقع والوهم كأحد أكثر الثيمات في أفلام غان، إذ سبق أن اختبرها في فيلمه الأول "بلوز كايلي" (Kaili Blues) عبر لقطة شهيرة امتدت لأربعين دقيقة، قبل أن يدفعها لاحقا في فيلمه الأشهر "رحلة يوم طويل إلى الليل"، من خلال لقطة ثلاثية الأبعاد قاربت الساعة، بدأت منذ لحظة جلوس البطل في دار سينما مهجورة.

على أن هذه اللقطة، رغم صعوبة تنفيذها علي المستويين، التقني والفني، لم يطرحها المخرج، بذكاء يحسب له، من باب الاستعراض، بل راهن على أن تكون بمثابة ذروة جمالية وفكرية لمشروعه السينمائي، حيث تتحول الكاميرا إلى أداة تصهر الزمن وتعيد تشكيله تاركة أمر تسجيله ونقله للمشاهد، الذي بدوره سرعان ما يتورط في الفخ متجاوزا الحدود بين الحلم والواقع، منساقا داخل عالم من الأحلام يتجسد ببراعة تجعلك تشعر أنك الحالم نفسه، في تدفق بصري ممتد، يكاد يختبر صبر المتفرج لتحفيزه على مواصلة المشاهدة، خصوصا مع غياب المونتاج، بما أن العالم نفسه يتشكل أمامنا في لحظة متواصلة، كأنها السينما في مهدها الأول، تحاول مناطحة الزمن حتى وإن كان ذلك لا يتعدى مدة الفيلم.

    

ressurection

واستمرارا لهوسه بلقطة وجدانية مستمرة، في فيلميه السابقين، ينحاز بي غان في "القيامة" إلى ما يشبه فلسفة النفس الواحد على نهج مختلف، لا ينقطع على مدار ما يقرب من ثلاث ساعات، عبر خمسة فصول تحمل أسماء الحواس الخمس، كما يتبنى كل فصل منها أسلوبا سينمائيا مختلفا بداية من الحقبة الصامتة، مرورا بالتعبيرية والرمزية والواقعية الجديدة، وكأن السيناريو يتعمد استعراض تاريخ السينما داخل عمل واحد، فيما تأتي السينما نفسها بمثابة "الحاسة السادسة"، التي تسمح لنا برؤية ما وراء الواقع مجسدا. رغم هذا، لا يخلو الفيلم من نبرة تحذير، بدءا من عنوانه، فيما يخص الواقع الراهن للفن السينمائي، الذي رغم تاريخه الساحر قد يكون مهددا بالزوال، في ظل الهيمنة المتزايدة لمنطق الخوارزميات على الصناعة بأكملها.

The Big Fake

سيناريو: لورينزو باجناتوري، ساندرو بيتراجليا

إخراج: ستيفانو لودوفيتشي

بلد الإنتاج: إيطاليا

في ظاهره، يبني سيناريو فيلم "الزيف الكبير" (The Big Fake) للمخرج الإيطالي ستيفانو لودوفيتشي، حبكته حول رسام متجول يدعى توني (يجسده بيترو كاستيليتو)، يكتشف عن طريق الصدفة مقدرته على نسخ لوحة للفنان العالمي موديلياني بدقة لا تفرقها عن الأصل، بما في ذلك التوقيع نفسه، وكما هو متوقع، تفتح هذه المهارة أمامه أبواب المال والربح السريع، وسرعان ما يتطور الأمر إلى أشكال أخرى من التزوير، تمتد من اللوحات الفنية إلى الشيكات والمستندات، في تصاعد درامي يتخذ من الحكاية المثيرة مدخلا لتمرير فكرته المركزية عن مفهوم "الزيف"، وتأثيره المجتمعي الواضح على روما في السبعينات، المدينة التي تتم أنسنتها لتتحول إلى مسرح مفتوح لطقوس يومية من التمثيل وتبديل الأقنعة، تمارس وفق نمط سلوكي يتقنه الجميع إلى الحد الذي يصدقون فيه الخدعة.

يلخص الفيلم معضلة الأصالة والمعاصرة في صورتها الاستهلاكية، فإما أن تكون أصليا مهمشا أو نسخة لامعة

يستلهم السيناريو وقائع حقيقية ارتبطت باسم الرسام أنطونيو تشيكاريلي، واحد من أشهر المزورين الفنيين في إيطاليا، امتد تعاونه مع عدد من التشكيلات الخارجة عن القانون، مثل تورطه في تزوير وثائق تخص عملية اختطاف ألدو مورو، رئيس وزراء إيطاليا السابق، بواسطة إحدى الجماعات السياسية، واشتراكه في تنفيذ ما عرف بـ"سرقة القرن"، والتي تعد من أكبر عمليات استيلاء على الأموال، قبل أن يغتال في منتصف الثمانينات بعد فترة وجيزة من تلك العملية.

The Big Fake

وهنا تجدر الإشارة إلى نجاح كاستيليتو في تلوين أدائه بما يتناسب مع التحولات النفسية لشخصية مأزومة ومزدوجة أخلاقيا، بين الموهبة والانحراف، لتصبح تجسيدا لصراعات متعددة تتجاوز الفرد إلى المجتمع، لا سيما حين يحاط بنماذج متباينة من الشخصيات، مدير قاسي القلب، وسائق، ورياضي، يعكس كل منها جانبا خفيا في النسيج المجتمعي لإيطاليا، في زمن كانت فيه روما موطنا لجميع الفئات، "أساقفة وفنانين ومجرمين وشيوعيين وفاشيين"، كما يقول توني في أحد المشاهد.

في هذا السياق، تحضر جملة لاتينية قديمة،"Tertium non datur" ، ترددت على مدار الفيلم كصدى فلسفي وقاس في الوقت ذاته، يلخص معضلة الأصالة والمعاصرة في صورتها الاستهلاكية، فإما أن تكون أصليا مهمشا أو نسخة لامعة، "لا يوجد خيار ثالث"، كما يقول صديقه، وكما تقرر الحكمة اللاتينية، التي يبدو أنها لم تقنع البطل، خصوصا حين يؤمن بأن العالم من حوله لم يعد مهتما بالحقيقة كما كان، وما يعنيه هو أجمل النسخ المتقنة من الأكاذيب، حتى إنه يسأل في أحد المشاهد الدالة عن انحيازه الأيديولوجي للمفاضلة السياسية بين الأحمر والأسود، فيشير ببساطة إلى عدم اهتمامه بالألوان، مؤكدا: "أنا مع من يساعدني على عيش حياة كريمة".

ملكة القطن

سيناريو وإخراج: سوزانا ميرغني

بلد الإنتاج: السودان، ألمانيا، فرنسا، فلسطين، قطر، مصر، السعودية

لا تسجل المخرجة سوزانا ميرغني في "ملكة القطن" أولى تجاربها الروائية الطويلة فحسب، بل تضع نفسها أيضا كأول مخرجة سودانية تخوض مغامرة تأليف وإخراج فيلم روائي طويل، الأمر الذي بقي حكرا لسنوات على أسماء لمخرجين رجال. فيما يأتي العمل امتدادا لعالم فيلمها القصير "الست" (2020)، الذي تستعير منه بذور الصراع ذاته لتزرعها في مساحة روائية أرحب، منتقلة من التركيز على فكرة السلطة الأمومية المتمثلة في الجدة، إلى مركز أكثر هشاشة تمثله شخصية الحفيدة "نفيسة" (ميهاي مرتضى)، في المقابل تتحول حقول القطن السودانية من خلفية جغرافية إلى فضاء صدام وجودي، يضع إرث الأجداد وقيود التقاليد في مواجهة رياح التغيير من جيل الشباب، ولا يفوته، تأكيد القيمة التاريخية لهذا الذهب الأبيض، بوصفه شاهدا أبديا على ذاكرة الأرض والبشر، معا، متجاوزا بذلك كونه مجرد محصول موسمي.

تتحول حقول القطن السودانية من خلفية جغرافية إلى فضاء صدام وجودي، يضع إرث الأجداد وقيود التقاليد في مواجهة رياح التغيير

من خلال مجموعة من القصص الجانبية والتفاصيل والعلاقات المتقاطعة، تبني المخرجة عالما شديد الواقعية لكنه لا يخلو من لمسة سحرية، تتجلى بوضوح في شخصية الجدة (تجسدها رابحة محمود) زعيمة القرية الملقبة بـ"ملكة القطن"، وهي سيدة مسنة ذاع صيتها في القرية بفضل تاريخها النضالي في مقاومة الاستعمار البريطاني، إلى جانب ما يتم تداوله عن قدرتها على قراءة المستقبل، في حين يتسرب قانون الزراعة نفسه إلى بنية سير الأحداث، التي يغزلها السيناريو بهدوء تراكمي، أشبه بمراحل غرس البذرة وانتظار نبتها.

ملكة القطن

حيث تبدأ الدراما برصد تفاصيل الحياة اليومية لقرية صغيرة على ضفاف النيل، يشكل محصول القطن شريان الحياة الثاني فيها بعد النهر، وتعمل فتيات القرية في جمعه وقطفه كجزء من دورة حياة متكررة. لكن هذا التوازن الهش سرعان ما يختل مع وصول رجل أعمال يحمل مشروعا لتعديل زراعة القطن وراثيا، لتبدأ معه مرحلة جديدة من الصراع، لا تمس الأرض وحدها، بل تمتد إلى بنية المجتمع، وكأن التاريخ الاستعماري يعيد نفسه مع غريب يقيم في مبنى مهجور يعرف محليا باسم "البيت الإنكليزي".  

رقية

سيناريو وإخراج: يانيس كوسيم

بلد الإنتاج: الجزائر، فرنسا، قطر، السعودية

تحمل التجربة الروائية الطويلة الأولى "رقية"، للمخرج الجزائري يانيس كوسيم، بسيناريو من تأليفه، مغامرة سينمائية ذات شقين واضحين، أولهما اختيار حبكة غير تقليدية تعمدت إرباك المشاهد، عبر سرد متداخل وخط  درامي غير مباشر، تتقدم فيه الشخصيات والأحداث بقدر كبير من الغموض المقصود. أما الشق الثاني، فيتمثل في تبنيه قالب الرعب كإطار لعالمه، في خطوة تبدو جريئة داخل سياق سينمائي عربي يفتقر تاريخه إلى هذا النوع من الأفلام، وفي ذلك، ينسج المخرج عالمه من خيوط تتقاطع بين الرعب النفسي والدراما التاريخية، ليقدم حالة لا تكتفي بالإثارة الحسية، بل تطرح تساؤلات وجودية حول مفاهيم متعددة، عبر إنتاج مشترك (الجزائر، فرنسا، قطر، والسعودية)، ينقلنا الفيلم إلى قلب الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي، لنتابع مأساة "أحمد" (علي ناموس) بعد عودته من حادث غامض فاقدا الذاكرة وبوجه مضمد، ليصبح حضوره أشبه بمرآة تعكس هزائم جيل كامل، عاش صدمة جماعية جراء الحرب الأهلية المعروفة باسم "العشرية السوداء".

يبقى السؤال معلقا حول معنى "الخلاص"، هل يكمن في مواجهة الماضي والاعتراف بالذنب، أم في الاحتماء بالنسيان؟

على جانب آخر، تحضر روح المغامرة بقوة في بقية عناصر الفيلم، وهي دفعة كثيرا ما تسيطر علي المخرجين في تجاربهم الأولى، وصفها المخرج محمد خان سابقا بالرغبة في فرد العضلات، وقد نجح مخرج "رقية" في توظيف هذه الطاقة دون أن تتحول إلى استعراض، سواء على مستوى الشكل، من خلال إدارة واعية للتكوينات البصرية، معتمدا على الإضاءة الطبيعية والكاميرا المحمولة لخلق إحساس خانق، ينسجم مع توتر الحكاية، أو على مستوى المضمون، فيغامر باختراق مناطق شديدة الحساسية، عبر الاقتراب من طقوس "الرقية" لا بوصفها علاجا روحانيا فقط، بل كمساحة ملتبسة.

رقية

وفي واحدة من أبرز الاستعارات الدالة، ينكشف الوجه المزدوج لفكرة "التطهر". فبينما يخشى البطل استعادة ذاكرة مثقلة بالدماء، يبدو "الراقي" متمسكا بذاكرته إلى حد الفزع من فقدانها، أمام هذا التقابل، يبقى السؤال معلقا حول معنى "الخلاص"، هل يكمن في مواجهة الماضي والاعتراف بالذنب، أم في الاحتماء بالنسيان؟

My Jebba Story

سيناريو وإخراج: كاغو إيدهبر

بلد الإنتاج: نيجيريا

في ما يشبه سيرة ذاتية ممتزجة بسيرة المكان، يؤرخ المخرج كاغو إيدهبر لبداياته كمصور متجول في شوارع مدينة لاغوس بنيجيريا، في فيلمه الأحدث "حكايتي مع جيبا" "My Jebba Story"، من خلال سيناريو تجريبي عصي على التصنيف، وهو ما يخبرنا به صوت الراوي في مستهل الحكاية، موضحا حيرته، هو نفسه، في كيفية وصف هذا النوع من الأفلام. فمنذ اللقطات الأولى، يتأرجح السرد بين التسجيلي والدرامي، مازجا الطابع الصحافي أحيانا مع قالب التحقيق، في تركيبة تنتقل من الفوتوغرافيا والرسوم المتحركة، إلى المشاهد الوثائقية والحقيقية، دونما استقرار على نمط بعينه، في بناء يشبه قطع الفسيفساء المقتطعة تشكل في تجمعها على مدار مدة لا تتجاوز ربع ساعة، صورة حية مصغرة تعكس جانبا من فوضى ديناميكية لمدينة صاخبة، دون أن تقع في فخ التجميل أو الاستعارة الشعرية الجاهزة، بل كدلالة على سيرورة وجودية تفرض مشاعر متباينة بين القسوة والرحمة معا.

يحتفي فيلم "حكايتي مع جيبا" بفلسفة الصورة كوسيلة لفهم العالم والدفاع عن واقعه الحقيقي، قبل خضوعه لهيمنة الصور المصنوعة. ومن خلال تعليق الراوي التفاعلي، الذي يتخذ أحيانا نبرة تأملية ذاتية، يستعيد المخرج حكايات لا يربطها سوى هذا الأرشيف البصري الذي اكتسب، مع الزمن، نوعا من القداسة عند صانعه. بدءا من صورة التقطها لامرأة عابرة ستصبح زوجته فيما بعد، وصولا إلى صور جماعية لرفاق راحلين وأخرى لأشخاص عاديين يمارسون مهنا تقليدية كصباغة الأقمشة بنفس الطرق البدائية، ومساكن عشوائية مكتظة بالبشر على اختلاف أعمارهم، وتفاصيل يومية بسيطة يكررها في أكثر من مشهد، كاستخدام دلو بلاستيكي لرفع الاحتياجات بين الطوابق، فيما تتجسد الرؤية عبر تكثيف فوتوغرافي يندمج مع لقطات فيديو، في بناء بصري اعتمد على توظيف الظلال والضوء، والتقاط ملامح المعيشة الشعبية، متجاوزا خصوصية المكان نحو واقع يتقاطع مع عدد كبير من مدن العالم.

أحد أوائل الأعمال التي تناولت سياسة الانفتاح بالنقد المباشر، كاشفا عن فداحة تأثيرها الاقتصادي والطبقي

كما يعد الفيلم أحد تجليات ما يعرف بموجة السينما الجديدة في نيجيريا، المناهضة لقوالب "نوليوود" التجارية والتقليدية، على مستويي، الشكل والمضمون، ولعل هذا ما يفسر جمع المخرج بين الإخراج وكتابة السيناريو إلي جانب التصوير والمونتاج أيضا، مكرسا بذلك فلسفة هذا التيار في إعادة اكتشاف الهوية النيجيرية من خلال عدسة فنية مستقلة.

my jebba story

وكان من الذكاء لجوء المخرج إلى الأبيض والأسود لصنع عالمه، في صورة تقدم معادلا بصريا فلسفيا لحال أناس لا يعيشون في الوقت الراهن بل في ظل إمكانيات قديمة عفى عليها الزمن وهم سكان شارع جيتا، كأنهم خارج الزمن المختلفين في الشكل والطباع، فمنهم الخارجون على القانون والمنسحقون وأصحاب الديانات الأخرى أيضا، مثل المسلمين، فئات متباينة اجتمعوا على اسمرار البشرة وواقع لا يقل دكنة.   

من ذاكرة السينما

أهل القمة

سيناريو: مصطفى محرم

إخراج: علي بدرخان

بلد الإنتاج: مصر

على الرغم من ابتعاد المخرج المصري علي بدرخان عن الإخراج لأكثر من عقدين، مكتفيا بتدريس فنون السينما، إلى جانب قلة إنتاجه، فإنه نجح في لفت الإنتباه منذ فيلمه الأول "الكرنك"، مرورا بـأفلام "شفيقة ومتولي" و"الجوع"، و"أهل القمة"، الذي نستعيده اليوم بمناسبة عيد ميلاد المخرج الثمانين، لا بوصفه محطة بارزة في مسيرة صانعه فحسب، بل باعتباره واحدا من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية

تعد قصة منع فيلم "أهل القمة" واحدة من أشهر معارك الرقابة في تاريخ السينما المصرية، على الرغم من نطاقها الضيق الذي لم يتجاوز ثلاثة أطراف. فبين قرار المنع الصادر عن وزير الداخلية آنذاك، جاء الإفراج من رأس النظام نفسه، الرئيس أنور السادات، عقب تواصل من بطل الفيلم نور الشريف، كما صرح الأخير في أكثر من لقاء سابق، في مفارقة لا تنسى. فقد كان الفيلم أحد أوائل الأعمال التي تناولت سياسة الانفتاح بالنقد المباشر، كاشفا عن فداحة تأثيرها الاقتصادي والطبقي، في حياة قائدها، الذي اعترض بعد مشاهدته الفيلم على مشهد واحد يظهر فيه أحد ضباط الشرطة وهو يتلقى رشوة، ليحذف من نسخة العرض الجماهيري في منتصف عام (1981)، قبل اغتيال السادات بأشهر قليلة.

يفتتح السيناريو الذي أبدعه مصطفى محرم عن قصة بالعنوان نفسه لنجيب محفوظ، بمشهد استهلالي ربما لم يتجاوز دقيقة، لكنه اختزل بصريا ملامح التحولات الأولى في بنية المجتمع، حيث نتابع من خلال عين ضابط الشرطة محمد فوزي (عزت العلالي) في جولته التفقدية، توثيقا تسجيليا لمظاهر هذا التحول، من خلال غزو إعلانات الماركات الأجنبية للشوارع والميادين، في مقابل تراجع حضور المنتجات الصناعية الوطنية، إيذانا ببداية مرحلة جديدة تنتهج السمسرة والعمولات كنظام اقتصادي ممتد.

ولا يخلو المشهد من هياكل خرسانية لفنادق عالمية في طور الإنشاء، فيما يطل وعد ساخر على إحدى اللافتات، "سنوات من الرخاء في الانتظار"، وكأنها مرثية مبكرة لهوية تتآكل وأخرى تتشكل وفق قوانين "الفهلوة"، وما تستدعيه من إرث قديم للعيارين والشطار، ما يتجلى مثلا في اسم البطل نفسه، "زعتر النوري" (نور الشريف)، ولقبة الذي ارتبط في العامية المصرية بأساليب النصب والاحتيال، إنها "الواقعية الرمزية" كما يصفها الناقد فتحي العشري لأسلوب محفوظ في اختيار أسماء شخصياته.

يحتفي الفيلم بفلسفة الصورة كوسيلة لفهم العالم والدفاع عن واقعه الحقيقي، قبل خضوعه لهيمنة الصور المصنوعة

على امتداد هذه البنية الرمزية، لا يمكن عدم التوقف عند اختيار اسم شخصية "سهام" ابنة الأخت الجميلة لضابط الشرطة، التي تجسدها سعاد حسني، والذي بدوره لا يكتفي بالتعريف بل بتوصيف واقع معيشي، أجبرها على أن تكون هدفا سهلا لعدة أسهم تخترق حياتها وتشكل مستقبلها، بدءا من سهم الجمال نفسه، رأسمالها الوحيد، ثم سهم الفقر الذي يدفعها للهروب من جحيم زوجة الخال، وصولا إلى سهم الاستسلام حين تقبل الزواج من زعتر في نسخته المعدلة، بعد وصوله إلى القمة واختياره اسما جديدا يجمع بين اسمي الضابط ورجل الأعمال الفاسد، إيذانا ببدء عصر انفتاح يزاوج بين السلطة ورأس المال، لم تعد فيه الجريمة فعلا فرديا بل صارت جزءا من منظومة أكبر.     

كذلك لا يبدو اختيار مدينة بورسعيد اعتباطيا، فالمدينة التي ارتبطت في السابق بتاريخ كبير من النضال والمقاومة تتحول إلى منطقة سوق حرة، في تأكيد واضح على هذا الانقلاب المجتمعي، وفي صورة أقرب إلى دراسة حالة تشوه الهوية وصعود طبقات طفيلية شكلت ملامح الأجيال التالية، وهنا يستعيد عنوان الفيلم ثقله الدلالي حول مفهوم "القمة"، التي لم تعد حكرا على أهلها.

font change