أكدت الساعات الأربع والعشرون الماضية ما كان المحللون يخشونه منذ أسابيع: فالبنية الهشة التي جمعت بين وقف إطلاق النار والمفاوضات والإشارات الدبلوماسية في الشرق الأوسط منذ أبريل/نيسان بدأت تتداعى. صواريخ تنطلق من لبنان، وغارات إسرائيلية تضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، وصواريخ إيرانية تعبر سماء بلاد الشام، وقصف إسرائيلي لأهداف داخل إيران. يبدو المشهد صادما وحتميا على نحو قاتم في الوقت نفسه. ولفهم كيف وصلنا إلى هذه النقطة، لا بد من تتبع منطق كل طرف؛ لا يتحرك أي منهم بلا حساب، لكنهم جميعا أسرى مأزق خانق.
مأزق اسمه وقف إطلاق النار
يتمثل السبب المباشر لتصعيد هذا الأسبوع في سلسلة متلاحقة: استأنف "حزب الله" هجماته الصاروخية على شمال إسرائيل، فضربت إسرائيل معقل "الحزب" في الضاحية الجنوبية لبيروت، وردّت إيران، التي حذرت منذ 4يونيو/حزيران من أن أي هجوم على بيروت سيقود إلى "استئناف شامل" للأعمال القتالية، بإطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل، فردت الأخيرة بالمثل، ثم تتالى تبادل الضربات، وما إن برزت مؤشرات على "إغلاق الحساب" مرة جديدة، حتى كرر "حزب الله" قصف الداخل الإسرائيلي، للمرة الثانية خلال 24 ساعة. غير أن لهذه السلسلة جذورا أعمق بكثير.
عندما انتهت الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران بوقف هش لإطلاق النار في أوائل أبريل، لم يعالج الاتفاق أيا من الخلافات الجوهرية، بل جمدها فقط. ترك وقف إطلاق النار إسرائيل مسيطرة على أجزاء من جنوب لبنان، و"حزب الله" مسلحا ومتحديا، والبرنامج النووي الإيراني في منطقة رمادية، ومضيق هرمز تحت قبضة إيرانية فعلية. لم يحصل أي طرف على ما أراد. لم تحقق إسرائيل تغيير النظام في طهران، ولم تطرد إيران إسرائيل من لبنان. لم يكن وقف إطلاق النار سلاما، بل هدنة مسلحة وحرب استنزاف.


