كيف عادت إسرائيل وإيران إلى "حافة الهاوية"؟

 لا يزال الطريق إلى اتفاق ما مفتوحا

رويترز
رويترز
مواطن إسرائيلي متشدد يتفاعل بالقرب من جزء من صاروخ مغرس في الأرض، في أعقاب ضربات إيرانية، في وسط الضفة الغربية المحتلة، في 8 يونيو 2026

كيف عادت إسرائيل وإيران إلى "حافة الهاوية"؟

أكدت الساعات الأربع والعشرون الماضية ما كان المحللون يخشونه منذ أسابيع: فالبنية الهشة التي جمعت بين وقف إطلاق النار والمفاوضات والإشارات الدبلوماسية في الشرق الأوسط منذ أبريل/نيسان بدأت تتداعى. صواريخ تنطلق من لبنان، وغارات إسرائيلية تضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، وصواريخ إيرانية تعبر سماء بلاد الشام، وقصف إسرائيلي لأهداف داخل إيران. يبدو المشهد صادما وحتميا على نحو قاتم في الوقت نفسه. ولفهم كيف وصلنا إلى هذه النقطة، لا بد من تتبع منطق كل طرف؛ لا يتحرك أي منهم بلا حساب، لكنهم جميعا أسرى مأزق خانق.

مأزق اسمه وقف إطلاق النار

يتمثل السبب المباشر لتصعيد هذا الأسبوع في سلسلة متلاحقة: استأنف "حزب الله" هجماته الصاروخية على شمال إسرائيل، فضربت إسرائيل معقل "الحزب" في الضاحية الجنوبية لبيروت، وردّت إيران، التي حذرت منذ 4يونيو/حزيران من أن أي هجوم على بيروت سيقود إلى "استئناف شامل" للأعمال القتالية، بإطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل، فردت الأخيرة بالمثل، ثم تتالى تبادل الضربات، وما إن برزت مؤشرات على "إغلاق الحساب" مرة جديدة، حتى كرر "حزب الله" قصف الداخل الإسرائيلي، للمرة الثانية خلال 24 ساعة. غير أن لهذه السلسلة جذورا أعمق بكثير.

عندما انتهت الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران بوقف هش لإطلاق النار في أوائل أبريل، لم يعالج الاتفاق أيا من الخلافات الجوهرية، بل جمدها فقط. ترك وقف إطلاق النار إسرائيل مسيطرة على أجزاء من جنوب لبنان، و"حزب الله" مسلحا ومتحديا، والبرنامج النووي الإيراني في منطقة رمادية، ومضيق هرمز تحت قبضة إيرانية فعلية. لم يحصل أي طرف على ما أراد. لم تحقق إسرائيل تغيير النظام في طهران، ولم تطرد إيران إسرائيل من لبنان. لم يكن وقف إطلاق النار سلاما، بل هدنة مسلحة وحرب استنزاف.

بعيدا عن البنود الفعلية لأي اتفاق، يشكك نتنياهو في إمكان التفاوض على اتفاق "جيد" في ظل وقف إطلاق النار. وتدرك إسرائيل أن "إيران لم تنتصر قط في حرب، لكنها لم تخسر قط في تفاوض"

وكانت جبهة لبنان من أكثر ما قوّض المسار الدبلوماسي الأوسع. فمنذ مارس/آذار، قتل أكثر من ثلاثة ألاف لبناني، ونزح أكثر من مليون، وتقدمت القوات البرية الإسرائيلية أميالا داخل جنوب لبنان. ورغم أن "حزب الله" خرج منه كامن حرب 2024، فقد واصل إطلاق النار بتوجيه إيراني. وطالب كل من إيران و"حزب الله" بانسحاب إسرائيلي كامل من لبنان بوصف ذلك شرطا مسبقا لأي اتفاق، وربطا جبهة لبنان صراحة بالمفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران.

مفاوضات تحت النار

لم تكن الضربة الإسرائيلية على بيروت، التي فجرت هذه الجولة الأخيرة، سوء تقدير. كانت خيارا مقصودا، وخيارا يحمل منطقه الخاص من وجهة نظر نتنياهو.

رويترز
فرق الإنقاذ وهي تعمل في موقع غارة إسرائيلية وقعت أمس، في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، 7 مايو 2026

لم ينخرط نتنياهو يوما بالكامل في المسار الدبلوماسي لترمب. فمنذ فبراير/شباط، حين جلس قبالة ترمب في المكتب البيضاوي وقدم خطا أحمر يطالب بتفكيك قدرات إيران في مجال الصواريخ الباليستية بوصف ذلك شرطا مسبقا لأي اتفاق، بدا التباين بين الأهداف الإسرائيلية والأميركية واضحا لكل متابع. يريد ترمب اتفاقا يتيح له إعلان النصر قبل انتخابات منتصف الولاية، وإعادة فتح مضيق هرمز، وصرف التركيز الأميركي بعيدا عن الشرق الأوسط. أما نتنياهو فيريد إضعاف إيران على نحو دائم.

وبعيدا عن البنود الفعلية لأي اتفاق، يشكك نتنياهو في إمكان التفاوض على اتفاق "جيد" في ظل وقف إطلاق النار. وتدرك إسرائيل أن "إيران لم تنتصر قط في حرب، لكنها لم تخسر قط في تفاوض"، كما قال ترمب نفسه قبل أن يصبح رئيسا. تتحلى الجمهورية الإسلامية بالصبر، وتعرف أن الرئيس ترمب حريص على إنهاء الحرب. لذلك فضلت إسرائيل مفاوضات تجري تحت النار، لا هدوءا قلقا تقطعه نوبات تصعيد كما رأينا منذ أبريل.

يعرف نتنياهو أيضا أنه، مع اقتراب الانتخابات، فإن خطر ترك الهجوم الإيراني على إسرائيل من دون رد، أكبر من خطر إغضاب ترمب

ومن دون مواصلة الحرب مع إيران، كان استهداف "حزب الله" بصورة متواصلة إحدى وسائل إبقاء الضغط على طهران. ورغم تراجع قدراته، لا يزال "الحزب" أحد أقوى وكلاء إيران. وقبل حرب 2024، لم يكن مجرد وكيل، بل كان ركنا مركزيا في قدرة إيران على ردع إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، سعى "الحزب" إلى إعادة التسلح بمساعدة إيران، التي أدت دورا أكثر مباشرة في الإشراف على إعادة بنائه.

الحسابات السياسية

لا شك في أن قرار مواصلة الحرب في لبنان يستند أيضا إلى حسابات سياسية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما قرر "حزب الله" فتح جبهته الخاصة دعما لغزة، وعدت إسرائيل سكانها في الشمال بأنها ستخلصهم من هذا التهديد. ونظر إلى صراع 2024 باعتباره نجاحا، لكنه نجاح تآكل إلى حد بعيد بحلول 2026، بعدما أظهرت مسيرات "حزب الله" أن "الحزب" لا يزال قادرا على تهديد إسرائيل. ويجسد سكان الشمال المحبطون فشل نتنياهو في إقناع قطاع من الجمهور الإسرائيلي بأن وضع إسرائيل اليوم أفضل مما كان عليه في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

أ.ف.ب
لوحة إعلانية كبيرة تعرض صوراً للمرشد الإيراني الراحل، روح الله الخميني وللمرشد علي خامنئي في وسط طهران في 8 يونيو 2026

ومن شأن اتفاق مخيب للآمال مع إيران أن يعزز هذا الانطباع، وأن يمنع عددا من الناخبين اليمينيين الذين تخلوا عن "بيبي" بعد 7 أكتوبر من العودة والتصويت لنتنياهو في الانتخابات المقبلة. كما سيبعث بإشارة مفادها أن العلاقة بين ترمب وبيبي ربما لم تعد بالقوة نفسها، وأن حتى واشنطن بدأت تفقد صبرها وقدرتها على الاستمرار.

ولهذا السبب جاء تصريح ترمب في 6 يونيو/حزيران شديد الوقع، حين قال إن "نتنياهو لا يقرر الأمور، ولن يكون أمامه خيار سوى قبول اتفاق مع إيران؛ أنا من يقرر، لا نتنياهو". كان ذلك أكثر توبيخ مباشر لرئيس وزراء إسرائيلي من رئيس أميركي في الذاكرة الحديثة. وقال ترمب لصحيفة "فايننشيال تايمز" إن رئيس وزراء إسرائيل لن يكون أمامه خيار سوى قبول اتفاق. لكن نتنياهو يعرف أن نفوذ ترمب له حدود. فلا يستطيع الرئيس الأميركي أن يهين علنا أبرز شريك إقليمي له من دون أن يدفع ثمنا سياسيا داخليا، وقد أمضى نتنياهو ثلاثين عاما يتعلم كيف يناور في واشنطن.

ويعرف نتنياهو أيضا أنه، مع اقتراب الانتخابات، فإن خطر ترك الهجوم الإيراني الوقح على إسرائيل من دون رد، أكبرمن خطر إغضاب ترمب. وربما عرض هذه الحجة مباشرة على ترمب، طالبا من الرئيس الموافقة على رد إسرائيلي، رغم تصريحات ترمب العلنية المعارضة لذلك، وإلا واجه تحركا إسرائيليا منفردا.

منطق إيران الخطير

يبدو سلوك إيران متهورا من الخارج. فاقتصادها منهك: دفعت سنوات العقوبات، التي فاقمها الاضطراب الناجم عن الحرب، والتضخم إلى مستويات أزمة، فيما امتدت تداعيات المواجهة في مضيق هرمز إلى أسواق الرهن العقاري والطاقة الأميركية أيضا. وقتلت الضربات الافتتاحية لحملة فبراير/شباط "المرشد الأعلى" خامنئي، والنظام الذي نجا أكثر هشاشة وارتيابا من النظام الذي سبقه. فلماذا تصعّد طهران إذن؟

سيكون أي اتفاق محدودا، ولن يكون أكثر من اتفاق على إنهاء الحرب نهائيا وتأجيل أي مفاوضات حقيقية إلى مرحلة ثانية قد لا تأتي أبدا

تكمن الإجابة في ما تحاول إيران منعه. أفادت "رويترز" في 1 يونيو بأن إيران تدفع باتجاه اتفاق مرحلي محدود: تخفيف العقوبات في مقابل تأجيل المسألة النووية، من دون تقديم تنازلات لا رجعة فيها بشأن التخصيب. وتعتمد استراتيجية النظام التفاوضية كلها على الحفاظ على صدقيته كطرف لا يمكن تجاوزه أو فرض الشروط عليه بسهولة. فإذا قبلت إيران بإطار لوقف إطلاق النار في لبنان يترك "حزب الله" منزوع السلاح والقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، فسيبعث ذلك برسالة إلى واشنطن مفادها أن إيران يمكن إجبارها على التخلي بالكامل عن شبكة وكلائها، التي تعدها طهران رادعها الأساسي ضد أي ضربة مستقبلية لإيران نفسها.

أ.ف.ب
صاروخ ينغرس لمنتصفه في الأرض على مشارف أريحا في 8 يونيو 2026، عقب هجمات شنّتها إيران

وربما تعرف إيران أيضا أنه، رغم امتلاكها شهية للمخاطرة أكبر من خصمها في واشنطن، فإن الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة سيؤلمها في نهاية المطاف، وقد تستأنف الاحتجاجات. وفي الواقع، ظهرت بعض الاحتجاجات المحدودة قبل التصعيد.

ما الذي سيحدث بعد ذلك

من الواضح أن الرئيس ترمب لا يزال يفضل الدبلوماسية، رغم جولة التصعيد الأخيرة. ورغم أن إسرائيل نجحت في تأمين هامش مناورة، ربما على حساب العلاقة الإسرائيلية-الأميركية، فإنها لا تزال بحاجة إلى أخذ رغبات ترمب في الحسبان، وأن لا تبدو كأنها تسعى إلى استئناف أوسع للحرب. وفي المقابل، رغم أن إيران ردت بقوة على الهجوم الإسرائيلي في بيروت، وهددت بالفعل قواعد أميركية، فإنها لم تستأنف بعد الحرب في الخليج، وهي خطوة كانت ستجر القوات الأميركية إليها على الأرجح.

بعبارة أخرى، رغم أننا عدنا إلى حافة الهاوية، لا يزال الطريق إلى اتفاق ما مفتوحا. سيكون أي اتفاق محدودا، ولن يكون أكثر من اتفاق على إنهاء الحرب نهائيا وتأجيل أي مفاوضات حقيقية إلى مرحلة ثانية قد لا تأتي أبدا. ستكون تلك بالتأكيد نهاية محرجة وغير مستقرة للصراع. لكن حتى هذا المسار قد يكون في طريقه إلى الانغلاق الآن، إذا واصلت إيران وإسرائيل التصعيد.

font change

مقالات ذات صلة