الجنوب اللبناني في فم التنين... ما هو أبعد من سلاح "حزب الله"

بيانا النبطية وصور أشّرا إلى أنه ما عاد ممكنا صوغ معادلات "انتصارية" بمنأى عن "الثمن الباهظ"

أ.ف.ب
أ.ف.ب
نازحون بسياراتهم أمام المباني المدمرة أثناء عودتهم إلى مدينة النبطية جنوب لبنان في 18 أبريل 2026

الجنوب اللبناني في فم التنين... ما هو أبعد من سلاح "حزب الله"

أما وقد دخل لبنان في دائرة الاهتمام المباشر لدونالد ترمب بإعلانه الاثنين وقفا مبهما لإطلاق النار بين "حزب الله" وإسرائيل، فلا يعرف ما إذا كان ذلك يجب أن يدفع اللبنانيين وبالأخص أهل الجنوب المهجرين إلى التفاؤل أم التشاؤم أم الحيرة؟ لكن أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة تغريدة ترمب عن لبنان هو ما إذا كان انكبابه على هذا الملف اللبناني سيتطلب منا بذل جهد إضافي لفك شيفرات تغريداته تماما كما يحصل مع أي تغريدة يطلقها حول الملف الإيراني، وهذا ما بدأ يحصل الاثنين مع تصحيح تغريدته اللبنانية فور بثها، لكن غالب الظن أن اهتمامه بلبنان لن يكون بمقدار اهتمامه بإيران، قبل أن يتحول عنها أيضا إلى ملف آخر حول العالم، قد يكون في أميركا اللاتينية أم في أوروبا الغربية أو الشرقية، أم في بحر الصين.

لكن وللمفارقة التاريخية فإن إعلان ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، كاد أن يتراجع في قائمة الاهتمام الإعلامي والسياسي أمام كشف موقع "أكسيوس" عن تفاصيل المكالمة الهاتفية بين ترمب وبنيامين نتنياهو، الاثنين، على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان، حيث وصف ترمب نتنياهو بأنه "مجنون تماما". وهو ما يذكر بالمكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في أغسطس/آب 1982، أثناء القصف الإسرائيلي المكثف لبيروت الغربية، إذ قال له: "مناحيم، هذه محرقة"، فردّ بيغن ساخرا بأنه يعرف معنى كلمة "هولوكست"، قبل أن يأمر لاحقا بوقف القصف.

المعادلات التي يحاول "حزب الله" أو إيران الترويج لها كما لو أنها انتصار أو وعد بالانتصار معادلات هشة ودون حجم الكارثة

على ذلك، فإن السؤال الرئيس حول وقف إطلاق النار في لبنان، ليس حول من لعب أدوارا رئيسة فيه، ونسب هذه الأدوار، بين لبنان والدول العربية وإيران والولايات المتحدة، أو بين الرئيسين جوزيف عون ونبيه بري، بل ما إذا كان وقف النار سيشمل جنوب لبنان أم سيكون قائما مجددا على تحييد بيروت وضاحيتها الجنوبية وفق معادلة "الضاحية الجنوبية مقابل مستوطنات الشمال"، في تراجع دراماتيكي عن المعادلة التي كان وضعها الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله ومفادها: "بيروت مقابل تل أبيب". لكن هذا نقاش قد يبدو قديما أو غير ذي جدوى الآن أمام حجم الكارثة التي خلفتها الحرب والتي تخلفها كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة على امتداد الجنوب اللبناني، من تدمير وقتل وتهجير. فأمام كارثة من هذا النوع تغدو المعادلات التي يحاول "حزب الله" أو إيران الترويج لها كما لو أنها انتصار أو وعد بالانتصار معادلات هشة ودون حجم الكارثة.

أ.ف.ب
يتصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية بالقرب من مدينة صور جنوب لبنان في 27 مايو 2026

والواقع أنه لا يمكن الحديث عن وقف لإطلاق النار في لبنان، ما دام الجنوب خارج هذه المعادلة الجديدة-القديمة، وهي معادلة كرستها طهران الاثنين، عبر "مقر خاتم الأنبياء"، الذي هدد باستهداف شمال إسرائيل في حال تعرضت الضاحية لهجوم. لكن هذه المعادلة وإن حيدت بيروت عن الصراع فإنها تكشف الجنوب أكثر أمام آلة القتل الإسرائيلية، كما تكشف الموقف الإيراني الذي يحاول الآن إعادة إنتاج معادلة أنه لا اتفاق مع الولايات المتحدة لا يشمل لبنان، ولكن منذ لحظة إطلاق هذه المعادلة خلال وقف إطلاق النار في إيران مطلع أبريل/نيسان الماضي، فإن إسرائيل توغلت عشرات الكيلومترات في الجنوب اللبناني وجرفت 68 مدينة وقرية وقتلت وجرحت آلاف اللبنانيين. وها هي إسرائيل تواصل الآن قصفها للجنوب، كما وجه أفيخاي أدرعي إنذارا إلى أهالي مدينة النبطية بضرورة إخلائها!

الرئيس الأميركي هو الوحيد القادر على إبرام وقف حقيقي لإطلاق النار وإلزام إسرائيل به

وغني عن القول أنه لا يمكن تحميل "حزب الله" المسؤولية المطلقة عن أهوال الحرب كما لو أن إسرائيل لم تقم إلا برد فعل متناسب ومحدود على إطلاقه ستة صواريخ تجاهها ثأرا لاغتيال ملهمه المرشد الإيراني علي خامنئي. لكن في المقابل فإن الكارثة أو النكبة الجنوبية قد فتحت الباب واسعا أمام النقاش في جدوى سلاح "حزب الله"، وفي جدوى المقاومة على طريقته، وهذا باب لن يقفل بعد الآن، أمام حجم الكارثة غير المسبوقة في تاريخ الجنوب وحتى خلال اجتياح عام 1982؛ ويكفي الاستماع لأي من نواب "الحزب" أو سياسييه الذين اعتادوا السجالات اللبنانية بكل لغوها، للتيقن كم أنهم دون حجم الكارثة وكم أنهم أسرى للغة وخطاب قديمين لا يرقيان إلى مستواها، وهذا بداية فقدان الحجة. وهو ما يفسر حقا بياني أهالي النبطية وصور، للمطالبة بتحييدهما عن الصراع من خلال دخول الجيش اللبناني إليهما وانسحاب مقاتلي "حزب الله" منهما، وهذا تحول حاسم في علاقة الجنوبيين مع "حزب الله" لا يمكنه المكابرة عليه. وفي المقابل فإن القوى السياسية اللبنانية الأخرى وإن كانت مسؤولياتها أدنى عن تلك الكارثة إلا أن خطابها كان أيضا دونها، ما يكشف حقيقة الأزمة السياسية/الوطنية في لبنان.

أ.ف.ب
نازحون يمرون بسياراتهم أمام جدارية لقادة حزب الله أثناء عودتهم إلى مدينة النبطية جنوب لبنان في 18 أبريل 2026

ولعل الجواب الرئيس على كل هذا الهول الفادح قد جاء على لسان رئيس البرلمان نبيه بري، الذي قال إن "الرئيس الأميركي هو الوحيد القادر على إبرام وقف حقيقي لإطلاق النار وإلزام إسرائيل به"، موضحا أن "الحاجة الحالية تكمن في تحقيق وقف لإطلاق النار، بغض النظر عما إذا كان الاتفاق منفصلا عن إيران أو مرتبطا بها". وأضاف: "إن تل أبيب تريد التفاوض بينما تواصل عمليات القصف"، مؤكدا أن "هذا الأمر يكلف لبنان ثمنا باهظا".

أهمية ما قاله بري أنه اعتراف غير معلن بحجم النكبة، إذ تخلى عن أي اعتبار سياسي لمجرد استنجاده بترمب، والأهم لمجرد قوله إنه لا يهم إن كان الاتفاق منفصلا عن إيران أو مرتبطا بها، أي إن المهم وقف الحرب. ويا ليت وقف الحرب نهائيا، إذ أصبح من المقبول عدم تعميقها وتكثيفها، لتطال بيروت والضاحية كما حدث في الثامن من أبريل عندما قصفت إسرائيل 100 هدف خلال 10 دقائق فقط ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى، في جريمة حرب موصوفة. ولعل النقطة المفتاحية في كلام بري هي حديثه عن "الثمن الباهظ" الذي يدفعه لبنان من جراء الحرب، وهذا اعتراف ضمني بهشاشة المعادلات التي يحاول "حزب الله" إنتاجها في عزّ النكبة الجنوبية، حتى لو كان الجيش الإسرائيلي يتكبد خسائر بشرية، ويخشى الدخول في حرب استنزاف، بينما يستعد بنيامين نتنياهو لأقسى معاركه السياسة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، فإن كل ذلك لا يعادل "الثمن الباهظ" الذي يدفعه الجنوب اللبناني، وهذا ما حاول بيانا النبطية وصور قوله بوضوح، أي إنه ما عاد من المقبول صوغ معادلات من هذا النوع لا تأخذ في الاعتبار حجم الخسائر اللبنانية.  

احتلال إسرائيل مجددا للجنوب اللبناني، وربما بشكل يفوق ما كان عليه قبل عام 2000، يحسم السؤال حول قدرة "الحزب" على ردع وصدّ أي تقدم عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية

لكن ما يفترض قوله أيضا إن الأحداث تجاوزت حتى "حزب الله" ذاته، إذ إنه لم يكن يتوقع هو نفسه أن يبلغ التوغل الإسرائيلي هذا الحد، وكأنه معدّ أو مصمم لتوغل أقل، فما إن تجاوز هذا التوغل "حدوده"، ولاسيما بإعادة احتلال قلعة الشقيف، حتى فقد "الحزب" نهائيا مبرر سلاحه ومبرر وجوده كمقاومة، في تصوره عن نفسه وفي الصورة التي يقدمها لجمهوره وللآخرين. وفي مطلق الأحوال فإن حجم التوغل الإسرائيلي يعيد طرح السؤال عما إذا كانت إسرائيل ستجتاح جنوب لبنان فيما لو لم يطلق "حزب الله" صواريخه الستة فجر الثاني من مارس/آذار الماضي، وفيما لو كان "حزب الله" قد سلم سلاحه إلى الدولة اللبنانية كما نص اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي وافق عليه "حزب الله" بنفسه. الأكيد أنه لا جواب حاسما على هذا السؤال ولاسيما أن التوغل الإسرائيلي في لبنان يتزامن مع توغلها في كل من سوريا وغزة فضلا عن الضفة الغربية، بحيث يصعب الفصل بين ما تدعيه تل أبيب من دوافع أمنية لهذا التوغل وبين نواياها التوسعية.

أ.ف.ب
اندلع لهب هائل من مبنى إثر غارة إسرائيلية على مدينة صور، جنوب لبنان، في 28 مايو 2026

لكن حتى لو لم يكن هناك جواب واف عن هذا السؤال، فإنه من الضروري الآن طرحه، والأهم أن "حزب الله" لم يعد في إمكانه منع طرحه. لكنّ إسقاط احتكار "حزب الله" لملف إسرائيل في لبنان يقتضي تحويل هذا الملف إلى ملف لبناني، أي أن لا يبقى ملفا جنوبيا أو شيعيا وحسب بل ملفا وطنيا أيضا، إذ كيف يمكن تصور مستقبل سياسي إيجابي ويحمل قيما تقدمية في لبنان، من دون تحول ملف إسرائيل الذي تحول إلى ملف عالمي، في كل شارع وكل جامعة، والذي يعيد تشكيل سلم القيم على مستوى العالم، إلى ملف وطني لبناني، ولاسيما أن جنوب لبنان يخضع للاحتلال الإسرائيلي، وهو على تماس مباشر مع إسرائيل بكل انزياحاتها المرعبة نحو اليمين المتطرف، الذي يمجد العنف ويكاد يعلنه غاية في ذاته. إلا أن ذلك لا ينفي أن كل المسار الذي بناه "حزب الله" ضد إسرائيل يفترض إعادة النظر فيه ومساءلته، ولاسيما أنه بني بالتزامن مع مسار سياسي في الداخل اللبناني، عمّق الأزمة السياسية والوطنية اللبنانية على مستوى الدولة والمجتمع في آن معا.

ولعل المراجعة لكل مسار "حزب الله" تبدأ من لحظة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في عام 2000. فعندما انسحبت إسرائيل، صور "الحزب" هذا الانسحاب كما لو أنه تم وحسب لشدة الضربات التي تلقاها الجيش الإسرائيلي وكما لو أنه ما عاد يمتلك القدرة على البقاء في الجنوب. بينما دفعت ديناميكيات سياسية إسرائيلية داخلية نحو تعزيز خيار الانسحاب، الذي أغضب دمشق وأربكها، لأنه نزع من يدها ورقة تفاوضية أساسية، ولذلك سرعان ما استحضرت ذريعة مزارع شبعا لإدامة مبرر تمسك "حزب الله" بسلاحه، ما يتيح إبقاء الجنوب اللبناني ساحة صراع على النفوذ الإقليمي.

أما الآن فاحتلال إسرائيل مجددا للجنوب اللبناني، وربما بشكل يفوق ما كان عليه قبل عام 2000، يحسم السؤال حول قدرة "الحزب" على ردع وصدّ أي تقدم عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، ويستدعي إعادة تقييم أوسع لادعاءات النصر السابقة التي كان يطرحها "الحزب"، وما إذا كانت تعكس واقعًا استراتيجيًا فعليًا أم إنها تشكّلت بفعل تحكم "الحزب" بالخطاب السياسي في ظل السطوة الأمنية، بدلا من النتائج العسكرية الحاسمة. كما يجب أن لا يعود ممكنا بعد الآن صوغ أي معادلات انتصارية على حساب الأثمان التي يدفعها الجنوبيون.

النظر إلى التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان بمعزل عن التوغل الإسرائيلي في جنوب سوريا أو عن الحرب في غزة يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد

وبالعودة إلى تجاوز الأحداث لـ"حزب الله" نفسه، فإذا كان صحيحا أن احتلال الجيش الإسرائيلي لقلعة الشقيف، بكل ما يحمله من دلالات رمزية وعسكرية-استراتيجية، شكل "تحولا حاسما" في الحرب الدائرة بين "حزب الله" وإسرائيل كما قال بنيامين نتنياهو، لكن الصحيح أيضا أن هذا "التحول الحاسم" لا يقاس وحسب بقدرة إسرائيل على توسيع احتلالها في الجنوب، بل على الردود عليه أيضا. ولذلك كان لافتا صدور إدانات عربية ودولية بالجملة، لتعميق تل أبيب احتلالها للجنوب، وكان بارزا في هذا السياق الموقف السعودي، وهو الأول من نوعه منذ بدء الحرب، ما يؤشر إلى أن الحرب في لبنان تحولت إلى مسألة إقليمية، ذات صلة رئيسة بالسياسات الإقليمية التوسعية لإسرائيل.     

فخطاب نتنياهو الأخير الذي تحدث فيه عن العمل على جبهات سوريا ولبنان وغزة في آن واحد يعكس رؤية استراتيجية إسرائيلية تعتبر هذه الساحات جزءاً من معركة إقليمية واحدة. فصحيح أن إضعاف "حزب الله" أو تفكيك قدراته العسكرية يشكل هدفاً رئيساً لإسرائيل، لكن هذا الهدف يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية أكبر تقوم على ركيزتين أساسيتين: الأولى تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني في المشرق العربي، والثانية إعادة تشكيل مناطق النفوذ في المنطقة بما يمنح إسرائيل موقعاً وازناً في النظام الإقليمي الجديد. ومن هنا، فإن النظر إلى التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان بمعزل عن التوغل الإسرائيلي في جنوب سوريا أو عن الحرب في غزة يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد. فإسرائيل تتحول بذلك إلى مشكلة إقليمية لا تقل أهمية عن مشكلة إيران بالنسبة للدول العربية الرئيسة وفي مقدمتها السعودية ومصر، ناهيك بتركيا. لا بل إن المشكلة الإسرائيلية بدأت تتفوق على المشكلة الإيرانية التي، وأيا يكن تصور إيران عن نفسها حاليا، إلا أنها في طريقها إلى الاحتواء ولو نسبيا، بينما المشكلة الإسرائيلية في أوج توسعها الآن. وبين هذين الحدين يقبع لبنان ولاسيما جنوبه في فم التنين، والمعضلة الكبرى لا تتمثل في الخسائر البشرية والمادية وحسب، بل بانعاكاسات التهجير غير المسبوق للجنوب على الواقع الديموغرافي في لبنان بأبعاده السياسية والاقتصادية، فديناميات الإبادة الإسرائيلية تشمل أيضا التهجير السكاني الواسع، وهو ما يحصل في غزة، إذ إن هناك تقديرات بأن تهديد نتنياهو باحتلال 70 في المئة من أراضي القطاع الفلسطيني يعني النية في تهجير سكان القطاع، وهو ما ينطبق وإن على نطاق أضيق في الجنوب السوري... إنها معالم المرحلة المقبلة، في إعادة خلط الأوراق الديموغرافية والجغرافية!

font change

مقالات ذات صلة