أكراد إيران... حروب متقطعة في انتظار الحسم

اشتباكات يومية وخطوط حمراء

(رويترز)
(رويترز)
مقاتلون أكراد إيرانيون من "حزب حرية كردستان" يشاركون في تدريب في قاعدة على مشارف أربيل، العراق، 12 فبراير 2026

أكراد إيران... حروب متقطعة في انتظار الحسم

بينما تتواصل المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن اشتباكات متواصلة شبه يومية تجري بين فصائل وجماعات مسلحة كردية وقوات الأمن و"الحرس الثوري" الإيرانية، غربي البلاد، في محافظات كرمنشاه وكردستان وأذربيجان الغربية، ذات الأغلبية الكردية، تأكدت "المجلة" من حدوث أربعة منها خلال الأيام الماضية، فيما أفاد مصدر سياسي كردي إيراني رفيع في حديث مع "المجلة" بأن النقمة الشعبية في عموم المناطق الكردية لا يمكن السيطرة عليها، فأجهزة الأمن و"الحرس الثوري" تنفذ عمليات تمشيط متواصلة منذ إعلان وقف إطلاق النار، وتمارس عمليات اعتقال وتفتيش وتعنيف للسكان المدنيين في مختلف المناطق الكردية، دون استناد لأي مسوغات أو أسس قانونية، بهدف خلق حالة فزع عام في الأوساط الكردية.

حروب الليل

حسب المعلومات التي نشرتها المؤسسات الحقوقية والأحزاب الكردية الإيرانية، وبناء على بعض البيانات الصادرة عن "مقر قيادة (الحرس الثوري) الإيراني"، فإن الاشتباكات بدأت في يونيه/حزيران في مدينة "بانه" في محافظة كردستان الإيرانية، بالقرب من الحدود مع إقليم كردستان العراق. إذ هاجم مقاتلون من تنظيم "وحدات الدفاع عن شرق كردستان" مقراً أمنياً لـ"الحرس الثوري" عند المدخل الشمالي الغربي للمدينة. وبعد الحادثة، أعلن التلفزيون الإيراني مقتل عنصرين من قوات "الحرس الثوري" هما ماردين أحمدي، ومحمد حسين بيجي، ونشر صورا لأربعة مقاتلين بينهم امرأة، قال إنهم أعضاء في "حزب الحياة الحرة" الكردستاني (PJAK)، وهو ما لم يؤكده الحزب أو ينفِه.

سكان على طريق بانه–سقز لـ"المجلة": "الحرس الثوري" ينفذ مداهمات ليلية متواصلة لمنازل القرويين.

بعد الحادثة بيوم واحد، وقع اشتباك عنيف بالقرب من بلدة خاومير آباد، التابعة لمنطقة مريوان، بين دورية تابعة لـ"الحرس الثوري" ومقاتلين أكراد من التنظيم نفسه، حيث أقرت وكالات الأنباء المحلية بمقتل الضابط القيادي دانيال نوريان في تلك الاشتباكات. بعد الحادثة بيومين، هاجم مقاتلون أكراد نقطة تفتيش على الطريق الجبلي الوعر الرابط بين مدينتي بانه و سقز. تواصلت "المجلة" مع عدد من سكان المنطقة، الذين أكدوا تكثيف قوات الأمن لانتشارها في مختلف المحاور الجبلية ، وتعرض السكان لجولات تفتيش ليلية متواصلة، مع حملات تفتيش لمنازل القرويين على طرفي الطريق بين البلدتين.

 لم تقتصر الاشتباكات على الوحدات التابعة لـ"حزب الحياة الحرة" المقربة من "حزب العمال الكردستاني"، بل أعلنت جماعة تسمي نفسها "خوري هيوا" (شمس الأمل) عن تنفيذها لعمليتي اغتيال في مدينة بيرانشهر غرب البلاد، استهدفت الأولى خالد خالدي، وهو عضو محلي في جهاز الأمن التابع لـ"الحرس الثوري" في المدينة، فيما استهدفت الثانية العنصر برهان كاريساني، المشتبه بضلوعه في عمليات تحقيق وتعذيب للمدنيين الأكراد في المدينة. ونشرت مقطعاً مصوراً لعمليتي الاغتيال، التي جرت وسط الأحياء السكنية في المدينة.

أشد المواجهات وقعت في منطقة شارستان، بالقرب من الطريق السريع الواصل بين بلدتي مهاباد وبيرانشهر، واستمرت ليومين متتاليين، وامتدت إلى بلدات دوالي، وقلعة وران، ومام شال، قالت المصادر الإعلامية المقربة من الأحزاب الكردية إن قوات "الحرس الثوري" أطلقت أكثر من 200 صاروخ من نوع كاتيوشا على المقار الجبلية للتنظيمات الكردية بالقرب من منجم ولي جاده شمال الطريق السريع، وأرسلت عشرات الطائرات الاستطلاعية، ونفذت حملات قصف بالمدفعية الثقيلة طوال يومين متواصلين.

رداً عليها، شن "الحرس الثوري" الإيراني هجوماً مركزاً على معسكرات الأحزاب الكردية في محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق، أودى بحياة تسعة مقاتلين، وجرح العشرات، معظمهم من أعضاء "حزب كومله" القومي اليساري.

(رويترز)
مقاتل كردي في منظمة "النضال الكردي الإيراني" (سازماني خبات)، أمام جدار متضرر، في أعقاب هجوم بطائرة إيرانية على قاعدتهم القريبة من أربيل، في منطقة كردستان العراق ذات الحكم الذاتي في 9 مارس 2026

وحدات حماية شرق كردستان أصدرت بياناً خاصاً حول الأحداث الأخيرة، اتهمت قوات "الحرس الثوري" الإيرانية بالتسبب في هذه المواجهات، قائلة: "لم ننحز إلى أي طرف، ولم ننفذ أي هجوم ضد إيران، حتى في أضعف حالات النظام الإيراني، تمسكنا بقدراتنا وسياساتنا المستقلة. لكن بعد الاتفاق الأخير، زادت (قوات حرس الثورة) وقوات الأمن والاستخبارات هجماتها ضد شعبنا وقواتنا بشكل ملحوظ. لقد استغلوا الوضع الحالي وجعلوا قواتنا هدفاً لغاراتهم غير النزيهة.. لقد أعلنا سابقاً أنه إذا استمرت هذه الهجمات، فإن موقفنا تجاهها سيتغير. ونؤكد الآن مرة أخرى أن هذه الهجمات لن تبقى دون رد.

 

 القوى الكردية الثلاث تختلف أيديولوجياً، لكنها تجمع على مطلب واحد: حكم محلي غرب إيران

 أما المؤسسات الإعلامية الرسمية الإيرانية فقد اعتبرت المعارك الأخيرة "ردا قانونيا" على الجماعات الانفصالية والموالية للقوى المعادية لإيران. متهمة الأحزاب الكردية بالانجرار إلى المخططات الأميركية، دون أن تذكرها بالاسم.

 

غضب وانقسام كردي

 تنقسم القوى السياسية الكردية في إيران إلى ثلاثة تيارات رئيسة، التي وإن كانت مختلفة فيما بينها أيديولوجياً وحسب علاقاتها الإقليمية ورؤاها السياسية، لكنها مُجمعة على ضرورة تحقيق نوع من الحكم المحلي الكردي غربي إيران، شبيه بالفيدرالية التي تحققت لأكراد العراق بعد عام  2005 حين أعلن إقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليما اتحاديا.

القوى الثلاث لها أجنحة مسلحة، وتنتشر معسكراتها في المناطق الجبلية الوعرة بين إيران والعراق، ولها تنظيمات داخلية سرية نشطة في المناطق الكردية غربي البلاد وفي الأحياء الكردية ضمن المدن الكبرى في إيران.

(أ.ف.ب)
مقاتلون أكراد متمركزون قرب نهر رواندوز بالقرب من الحدود العراقية-الإيرانية، في محيط بلدة سوران في إقليم كردستان شمالي العراق.

حسب معلومات متقاطعة ومتطابقة، فإن "حزب الحياة الحرة" المقرب من "حزب العمال الكردستاني" (التركي) هو الأوسع انتشاراً وتأثيراً على الأكراد في إيران، وجناحه المسلح "وحدات حماية شرق كردستان" هو الأفضل تدريباً وقدرة على شن هجمات سريعة على مراكز الأمن و"الحرس الثوري" الإيراني. حتى إن القادة الأمنيين والعسكريين الإيرانيين يعتبرونه الجهة الأكثر جاهزية للانخراط في أي جهد أميركي أو إسرائيلي ميداني مستقبلي ضد النظام من الداخل. يختصر الحزب رؤيته السياسية بما قاله المتحدث الرسمي باسم الحزب، ريوار عبد الحنان، في تصريح رسمي: "تواجه إيران أزمات تاريخية غير محلولة، بما في ذلك القضية الكردية، ولا يمكن حل القضايا الهيكلية والتاريخية دون منظور ديمقراطي، ونظرة تعددية، وإطار نظري ومفاهيمي جديد.. تتجنب المعارضة الإيرانية التعامل مع هذه القضايا وتفتقر إلى النهج الصحيح لحلها. وفي بعض الحالات، ساهمت حتى في تصعيدها... يرفض (حزب الحياة الحرة) المشاركة في مشاريعها، إلا إذا تم الاعتراف بالوضع السياسي للأكراد، بالإضافة إلى حقوقهم السياسية والثقافية-اللغوية والاقتصادية والاجتماعية".

على العكس منهم، فإن "حزب كوملة" الكردي الإيراني، المقرب من "الاتحاد الوطني الكردستاني" (العراقي)، الذي يمزج الرؤى القومية بالخيارات اليسارية، ويملك أجنحة مسلحة ووحدات سرية داخل البلاد، يملك شبكة علاقات واسعة ومتينة مع قوى المعارضة الإيرانية في الخارج، بالذات تنظيم "مجاهدي خلق"، الذي يجمعه مع "حزب كوملة" تحالف سياسي يقر بحق الأكراد الإيرانيين الحصول على اللامركزية السياسية والجغرافية في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية سكانية واضحة. كذلك فإن هذا الحزب كان محل اتهامات واسعة من قِبل الأجهزة الأمنية الإيرانية، التي أعلنت أن الكثير من الشبكات والأجهزة الاستخباراتية الأجنبية اخترقت الداخل الإيراني عبر تنظيمات "حزب كوملة"، لكن الأخير نفى حدوث أي شيء من ذلك.

"القوى الكردية تقبل بحالة المتاركة، تجنبا للصدام. لكن إصرار النظام الإيراني على تدمير الحياة في مناطقنا إعلان حرب مفتوحة". (قيادي كردي إيراني لـ"المجلة")

مع الحزبين، ثمة "الحزب الديمقراطي الكردستاني" (الإيراني)، المقرب من "الحزب الديمقراطي الكردستاني" (العراقي)، والذي يمثل التيار التقليدي من الحركة القومية الكردية في إيران، وسيطر طوال سنوات كثيرة أعقبت سقوط نظام الشاه عام 1979 على المناطق ذات الأغلبية الكردية غرب البلاد. صحيح أن الحزب الأخير يلتزم بالاتفاقية الأمنية بين العراق وإيران، لأن أغلب معسكراته ومخيماته موجودة داخل إقليم كردستان، لكن المراقبين يشيرون إلى قدرته على التأثير في القواعد الاجتماعية الكردية في الداخل الإيراني، بالذات على النخب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً لو تفاقمت الأوضاع الأمنية والمعيشية هناك.

هذه خطوطنا الحمراء

مصدر سياسي قيادي كردي إيراني رفيع، كشف في حديث خاص مع "المجلة" ما سماه آلية استجابة القوى السياسية والفصائل المسلحة الكردية لما يحدث في إيران، مُحدداً ما سماها "الخطوط الحمراء المجمع عليها" بين مختلف الأطراف الكردية، التي ستشعل مواجهة مسلحة مفتوحة مع النظام الإيراني لو تم اختراقها.

المصدر أضاف: "تتعرض كافة المناطق والشخصيات الكردية في مختلف مناطق إيران لضغوط أمنية وقانونية وحياتية حادة جداً، فالنظام من طرف يسعى لاستعادة هيبته عبر قمع الأكراد، ليثبت قوته للناقمين عليه في باقي المناطق. وليخلق عدواً وظيفياً لمجموع الإيرانيين، عبر الإيحاء المزيف لهم بانخراط الأكراد في مؤامرة تطال الدولة الإيرانية وتبتغي تقسيمها. كان اللغط الأخير بشأن إرسال الأسلحة الأميركية إلى التنظيمات الكردية أداة مناسبة لفعل كل ذلك. لكن القوى الكردية تعرف مدى الهلاك الذي أصاب الآلة العسكرية والأمنية الإيرانية جراء الحرب الأخيرة، ولا تريد أن تدخل في مواجهة مفتوحة معها رغم القدرة على فعل ذلك، تجنباً لحدوث صراع دموي، شبيه بما جرى في أوائل الثمانينات، وهو ما لا تريده القوى الكردية قط، لأنها تؤمن بأن مستقبل النظام الحاكم والشكل المستقبلي للدولة الإيرانية يتحدد في العاصمة طهران وليس في أي مكان آخر".

يتابع المصدر السياسي حديثه قائلاً: "لكن ذلك لا يعني بقاءنا صامتين أمام توسع الحملات العسكرية والأمنية التي تطال مناطقنا، أو تنفيذ عمليات الإعدام ضد شباننا، أو تحويل المناطق الكردية إلى منصة لإطلاق الصواريخ على دول الجوار والإقليم. فالقوى الكردية تقبل بحالة المتاركة، أي توقف الطرفين عن الاشتباك دون اتفاق رسمي، مراعاة لتجنب الصِدام المفتوح، لكن إصرار النظام الإيراني على تدمير الحياة في مناطقنا هو إعلان حرب مفتوحة من قِبله، وهو ما سيدفعنا للرد دون شك".

font change

مقالات ذات صلة