أكراد إيران بين ترمب وستالين

السؤال ليس فقط ما إذا كان أكراد إيران قادرين على خوض المغامرة، بل هل هم مستعدون لتحمل ثمن المقايضات ومرارتها مرة أخرى… والإفلات من "الخيانات" واللجوء إلى الجبال؟

أكراد إيران بين ترمب وستالين

استمع إلى المقال دقيقة

في حرب إيران، عاد اسم الأكراد إلى الواجهة. طرح دورهم في التخطيط الأميركي لحصار صدام حسين ثم تغييره، وخنق بشار الأسد ثم هروبه. ووسط أحاديث عن تغيير النظام الإيراني بعد مقتل "المرشد" علي خامنئي، ظهرت تقارير عن توجهٍ للاستفادة من القوى الكردية الإيرانية.

هل يمكن للأكراد أن يراهنوا مرة أخرى على دعم واشنطن لتحقيق مكاسب سياسية؟ أم إن الذاكرة التاريخية، المثقلة بتجارب الخذلان والخيانات، تجعل من هذا الرهان مغامرة انتحارية؟

السيناريو المتداول يقوم على أنه إذا أرادت واشنطن فرض "استسلام غير مشروط" على النظام الإيراني أو تقويضه من الداخل في الأسابيع والأشهر المقبلة، فإن القوى الكردية قد تكون الطرف الأكثر جاهزية لفتح جبهة داخلية ضده تحت المظلة الأميركية-الإسرائيلية. فالمناطق الكردية في شمال غرب إيران، المعروفة باسم "روجهلات" (شرق كردستان) ظلت طويلا من أكثر المناطق توتراً. وخلال السنوات الأخيرة لعبت دوراً بارزاً في موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد، وكان مقتل الشابة الكردية مهسا أميني عام 2022 الشرارة التي أشعلت واحدة من أكبر الانتفاضات الشعبية. كما أن المحافظات الكردية شهدت في الأيام الماضية ضربات جوية استهدفت مواقع "الحرس الثوري" والأجهزة الأمنية الإيرانية، وهو ما فُسر على أنه محاولة لإضعاف البنية الأمنية للنظام في مناطق معروفة بوجود قاعدة اجتماعية معارضة. يضاف إلى ذلك، توفر خط الإمداد والتدريب عبر كردستان العراق.

من هذه الزوايا تبدو اللحظة الحالية مغرية. فمجتمع عاش التهميش ويرى أبناءَ جلدته في العراق وسوريا حققوا مكاسب، قد يرى في الاضطراب الإيراني فرصة لإعادة طرح السؤال حول موقع القوميات داخل النظام، وربما للمطالبة بإعادة صياغة العلاقة بين الأطراف والمركز، كما حصل في بغداد ودمشق.

لكن التحالفات في الشرق الأوسط نادراً ما تمنح فرصاً بلا أثمان. فدخول الأكراد على خط الصراع قد يفتح الباب أمام سلسلة من ردود الفعل المؤلمة. طهران نفسها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تمرد في المناطق الكردية، كما أن أنقرة تنظر بحساسية شديدة إلى أي تحرك كردي خارج الحدود قد يشجع النزعات القومية داخل حدودها. أما إقليم كردستان العراق- الذي تستضيف أراضيه معظم قواعد الأحزاب الكردية الإيرانية، ومركز ثقل القوات الأميركية- فقد يجد نفسه فجأة في تقاطع نيران ومواجهة مباشرة مع طهران وبغداد، إذا تحولت أراضيه إلى منصة لعمليات عسكرية ضد طهران.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تسارع أنقرة إلى التحذير من هذا السيناريو، فيما حرصت حكومة كردستان العراق على النأي بنفسها علنا عن أي مخططات قد تجعل الإقليم طرفاً في صراع إقليمي مفتوح. كما عبرت طهران عن موقفها بإرسال المسيّرات والصواريخ.

غير أن العامل في الحسابات الكردية ليس فقط ميزان القوة، بل الذاكرة التاريخية. فالعلاقة بين الأكراد والقوى الكبرى مرت بمحطات دعم مهمة، لكنها شهدت طعنات تركت آثاراً عميقة في الوعي الكردي.

فـ"جمهورية مهاباند" التي تأسست في "روجهلات" لم تعش سوى 11 شهرا في أربعينات القرن الماضي، بعدما رفع الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين حمايته بعد ضغوط أميركا وبريطانيا.

أما بالنسبة لأكراد العراق، فأكثر اللحظات إيلاماً تعود إلى عام 1975، وإبرام اتفاق الجزائر بين صدام وشاه إيران. في ذلك الوقت كانت الحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى بارزاني تتلقى دعماً أميركياً وإيرانياً في حربها ضد بغداد. لكن الاتفاق أنهى هذا الدعم فجأة، فانهار التمرد ولجأ الأكراد إلى الجبال. ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك الحادثة رمزاً دائماً لمخاطر الاعتماد على القوى الكبرى... و "الخيانة" الأميركية.

شهدت العلاقة دعماً مرحلياً ثم خيبات متكررة: حياد أميركا بعد استفتاء 2017 في كردستان العراق، وانسحابها من شمال سوريا 2019 و2026 تاركة الأكراد مكشوفين

بعد عقدين بدا وكأن العلاقة الكردية-الأميركية تدخل مرحلة مختلفة. فقد وفرت واشنطن مظلة جوية لكردستان العراق في التسعينات بعد حرب الخليج، ثم لعبت دوراً رئيساً في إسقاط نظام صدام عام 2003، ما عزز موقع الإقليم داخل العراق الجديد. لكن شعور الخذلان عاد للظهور عام 2017 بعد استفتاء استقلال إقليم كردستان. فمع تقدم القوات العراقية نحو كركوك اختارت واشنطن الوقوف على الحياد، وهو ما اعتبره كثير من الأكراد دليلاً جديداً على أن دعم واشنطن يبقى رهناً بحساباتها الأوسع.

في سوريا تكررت القصة في "روج آفا" (غرب كردستان). دعمت الولايات المتحدة- ضمن التحالف الدولي ضد "داعش"- القوات الكردية، لكن الرئيس دونالد ترمب سحب قواته من شمال سوريا عام 2019، ما فتح الباب أمام عملية عسكرية تركية واسعة ضد الأكراد الذين لم يجدوا الحماية الأميركية وقتذاك، ومرة ثانية عندما استنجدوا بترمب في بداية العام الجاري أمام تقدم قوات الحكومة السورية إلى شرق البلاد.

قد يجد أكراد في حرب إيران فرصة. لكن التاريخ يذكر أيضاً أن الفرص التي تولد في ظل صراعات الكبار تنتهي بصفقات فوق رؤوس أصحابها

هذه التجارب رسّخت لدى الأكراد قناعة بأن التحالف مع اللاعبين الكبار غالباً ما يكون مؤقتاً، وأن المصالح الاستراتيجية للقوى العظمى قد تتغير في أي لحظة.

لهذا يحمل الأكراد معهم جروحا وأخاديد. فالإغراء السياسي كبير، لكن الذاكرة التاريخية مُرة بطعنات ستالين وترمب وغيرهما، إذ تتجدد المعضلة الكردية، وهي البحث عن اقتناص فرصة لنيل اعتراف سياسي وسط قواعد لعبة كبيرة.

قد يجد أكراد في حرب إيران فرصة. لكن التاريخ يذكر أيضاً أن الفرص التي تولد في ظل صراعات الكبار تنتهي بصفقات فوق رؤوس أصحابها. ولهذا فإن السؤال ليس فقط ما إذا كان الأكراد قادرين على خوض المغامرة، بل هل هم مستعدون لتحمل ثمن المقايضات ومرارتها مرة أخرى… والإفلات من "الخيانات" واللجوء إلى الجبال؟

font change