هل أصبحت إدلب "القرداحة الجديدة"؟

النقاش حول "الإدلبة" قد يكون مضللا إذا اقتصر على الجغرافيا

هل أصبحت إدلب "القرداحة الجديدة"؟

استمع إلى المقال دقيقة

أثار الحديث عن صعود أبناء إدلب إلى مواقع القرار في "سوريا الجديدة" نقاشاً حول طبيعة الحكم الذي تشكل بعد سقوط النظام. ويذهب البعض إلى اعتبار ما يجري إعادة إنتاج لنموذج القرداحة في عهد الأسد، لكن بأسماء جديدة وطائفة أخرى. غير أن هذه القراءة- رغم ما تتضمنه من عناصر- ليست كافية لفهم المشهد الجديد.

فالرئيس أحمد الشرع نفسه ليس من إدلب، بل ينتمي إلى عائلة معروفة من جنوب سوريا وقد ولد في الرياض وعاش في دمشق. وقاد في إدلب لأكثر من عقد قبل عودته إلى "الشام". كما أن توزيع المناصب العليا المفتاحية لا يقتصر على أبناء محافظة إدلب، بل يشمل مناطق وفئات اجتماعية وطبقية مختلفة. فوزراء الداخلية والمالية والاتصالات والإعلام ووزيرة الشؤون الاجتماعية ينتمون إلى دمشق وريفها، فيما ينحدر وزير الاقتصاد وحاكم مصرف سوريا المركزي من حلب، ووزير الدفاع من حماة، ووزير العدل ومدير جهاز الاستخبارات من دير الزور، ووزير الخارجية من الحسكة. وتتضمن الحكومة وزراء ومسؤولين من الساحل عملوا في وزارات بشار الأسد.

هذا لا ينفي وجود وزراء وموظفين كبار وعناصر في البيروقراطية والأمن والجيش جاءوا من إدلب الى دمشق بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، لكنه يفرض سؤالا مختلفا: هل إدلب هي "القرداحة الجديدة"؟ وهل المقصود بـ"الإدلَبة" الانتماء الجغرافي أم الانتماء السياسي والتجربة المشتركة؟

هناك فرق جوهري بين تجربتي القرداحة وإدلب. جاءت من الأولى العائلة الحاكمة إلى دمشق مع صعود حافظ الأسد وعائلته في النظام. أحدث الأسد-الأب انقلابا طبقيا وعشائريا في طائفته واستقدم أبناءها وأقاربها وشبكاتها إلى العاصمة ومركز القرار ومؤسسات النظام والجيش والأمن. كان الاتجاه من القرداحة نحو دمشق وزنار أطرافها أو البقاء في الساحل وانتشار شبكات الظل والتهريب بين الساحل والداخل وبين سوريا ولبنان.

أما إدلب، التي كانت منسية مع الأسدين، فقد تحولت وريفها منذ عام 2015 إلى المركز الرئيس للمعارضة بعد عمليات التهجير الواسعة التي شهدتها البلاد. فقد استقبلت المحافظة مقاتلين وناشطين ومدنيين هُجّروا من دمشق وريفها، وحمص، وحماة، وحلب، ودير الزور، ودرعا، والقنيطرة، ومناطق أخرى. كما احتضنت بيوتها مهاجرين، وخيّم في أطرافها ما يقارب مليوني نازح من مختلف المحافظات، عاشوا فيها سنوات طويلة تحت القصف والعقاب، وعملوا في مؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية والإغاثية والتعليمية والهيكلية التي نظمتها "هيئة تحرير الشام" بقيادة الشرع سواء في الجيش أو الأمن أو "حكومة الإنقاذ". وخلال عقد من الجولات والغارات والتسويات، تكونت شبكات العلاقات والخبرات التي تشكل المفاصل الراهنة، وجاءت على عجل إلى دمشق بعد تلاشي النظام لتدير جزءاً كبيراً من المؤسسات.

كثير ممن يُصنفون ضمن "النخبة الإدلبية" ليسوا بالضرورة من إدلب، بل هم أبناء مناطق مختلفة انتهت بهم الحرب إلى هذه المحافظة

بهذا المعنى، أصبحت إدلب أشبه بمختبر سياسي واجتماعي وعسكري للمعارضة السورية بأكملها، لا مجرد محافظة ذات هوية محلية. لذلك فإن كثيراً من الشخصيات التي تتولى مناصب اليوم يمكن وصفها بأنها "إدلبية" بالمعنى التنظيمي والسياسي أو المجازي، لا بالمعنى الجغرافي الصرف.

إن كثيراً ممن يُصنفون ضمن "النخبة الإدلبية" ليسوا بالضرورة من إدلب، بل هم أبناء مناطق مختلفة انتهت بهم الحرب إلى هذه المحافظة. وإذا كانت القرداحة قد صدّرت أبناءها الطامحين إلى النفوذ، فإن إدلب استوعبت المقهورين، قبل أن تعيد تصديرهم إلى مؤسسات الحكم. فتلك البلدة-المدينة في ريف اللاذقية كانت مركزاً مغلقا للسلطة، ارتبط بعائلة واحدة وشبكة نفوذ محددة. أما تلك المحافظة على تخوم تركيا، فكانت خلال سنوات الحرب مساحة سورية جامعة وخط ربط بين أهل الداخل واللاجئين في تركيا ودول أخرى. وعندما يقال إن "إدلب هي سوريا الصغيرة" فيعني أنها ملخص للصورة الأكبر، و"سوريا هي إدلب الكبيرة" يعني أن الجهات الأربع موجودة فيها.

المعيار هو القانون الذي يعلو على الجغرافيا والانتماءات الضيقة، وبناء الدولة التي حلم بها أولئك الذين عانوا كثيرا في كهوف إدلب ومخيماتها قبل الوصول أو العودة إلى فضاءات دمشق ومؤسساتها

من هذه الزاوية، تبدو المقارنة بين المعقلين أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام والأسماء. هذا لا يلغي الأسئلة المشروعة حول معايير التعيين والكفاءة والتمثيل في دمشق. وعليه، فالسؤال ربما لا يتعلق بتفاصيل البطاقة الشخصية، بل بانتقال الدولة الجديدة من شرعية الثورة والحرب إلى شرعية المؤسسات والقانون والكفاءة. والتحدي الذي يواجه سوريا اليوم ليس تنوع أو تركّز المناصب بحد ذاته، أو مثلث إدلب–حماة–دير الزور، بل بناء دولة تستطيع تجاوز منطق الجغرافيا نحو إدارة وحوكمة تشمل جميع السوريين وتنتج مؤسسات مستقرة تحكمها الكفاءة والمساءلة وسيادة القانون.

لهذا، فإن النقاش حول "الإدلبة" قد يكون مضللا إذا اقتصر على الجغرافيا. والمعيار الحقيقي لن يكون عدد المسؤولين القادمين من إدلب أو غيرها بالمعنى المباشر أو المجازي. وإنما هو القانون الذي يعلو على الجغرافيا والانتماءات الضيقة، وبناء الدولة التي حلم بها أولئك الذين عانوا كثيرا في كهوف إدلب ومخيماتها قبل الوصول أو العودة إلى فضاءات دمشق ومؤسساتها.

font change