لم يعد سراً أن الرئيس دونالد ترمب طرح على الرئيس أحمد الشرع أن تضطلع سوريا بدور في نزع سلاح "حزب الله" في لبنان. قيل هذا في الاجتماعات المغلقة، قبل أن يخرج إلى العلن. أما جواب الشرع، فكان علنياً. "سوريا الجديدة" لا تنوي التدخل في لبنان، وأوفد وزير الخارجية أسعد الشيباني للقاء مختلف القوى، في رسالة طمأنة إلى اللبنانيين بأن دمشق لا تسعى إلى استعادة أدوار الماضي.
في الظاهر، قد يبدو المشهد مألوفاً كأن التاريخ يعيد نفسه. هناك حديث أميركي عن نزع سلاح "حزب الله"، واتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل، ووجود عسكري إسرائيلي في الجنوب، وانقسام لبناني حول مستقبل السلاح ودور الدولة. لكن استدعاء التاريخ لا يعني بالضرورة أن التاريخ يعيد نفسه. وتكفي العودة إلى الثمانينات لاستحضار قصتين تبدوان، للوهلة الأولى، شبيهتين بما يجري اليوم.
الأولى بدأت مع اغتيال بشير الجميل عام 1982، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية إثر فتحه قنوات مع إسرائيل، ولا سيما مع مناحيم بيغن وآرييل شارون. خلفه شقيقه أمين الجميل، الذي حاول طمأنة حافظ الأسد، لكنه مضى في الوقت نفسه في التفاوض مع إسرائيل وصولاً إلى توقيع "اتفاق 17 مايو/أيار" عام 1983. يومها، لم يكتف الأسد برفض الاتفاق، بل عمل بالتعاون مع حلفائه اللبنانيين، على إسقاطه حتى أصبح حبراً على ورق.
أما القصة الثانية، فهي أقل تداولاً لكنها لا تقل دلالة. ففي مطلع عام 1987 اندلعت اشتباكات بين قوات الأسد و"حزب الله" في ثكنة فتح الله، ووصل التوتر بين الحليفتين، دمشق "البعثية" وطهران "الخمينية" إلى مستوى غير مسبوق. وفي مارس/آذار من ذلك العام، شهد اجتماع بين نائب الأسد، مسؤول "ملف لبنان" عبد الحليم خدام، والسفير الإيراني مواجهة حادة، وجّه خلالها خدام اتهامات إلى "حزب الله" بـ"العمالة" و"الخيانة".
بعد أشهر قليلة، وصلت إلى دمشق رسالتان أميركيتان؛ الأولى من وزير الخارجية جورج شولتز إلى خدام، والثانية من الرئيس رونالد ريغان إلى الأسد. حملتا رسالة واحدة: الولايات المتحدة مستعدة لدعم دمشق إذا قررت استغلال الظرف للقضاء على "حزب الله" والتنظيمات التي تصنفها واشنطن إرهابية. لكن الأسد الذي أسقط "اتفاق مايو/أيار" لم يفعل رغم الوجود العسكري والغطاء الأميركي. ترك الأمر لـ"حرب الإخوة" بين التنظيمين الشيعيين. "أمل" و"حزب الله" ورقة تفاوضية مع واشنطن وتحالفية مع طهران.
اليوم، تغير الكثير في سوريا ولبنان والمنطقة والعالم. هناك اتفاق لبناني–إسرائيلي. واشنطن تتحدث عن نزع سلاح "حزب الله". إسرائيل تضغط عسكرياً وسياسياً. "نظام الأسدين" انتهى. سوريا وإيران ليستا حليفتين. وهناك من يتساءل ما إذا كانت دمشق يمكن أن تلعب دوراً في نزع سلاح "حزب الله" الذي أوغل في دماء السوريين ومشاريع إيران في الإقليم.
إذا كانت "سوريا الأسد" قد تعاملت مع لبنان باعتباره ساحة نفوذ وصراع، فإن "سوريا الجديدة"، تقول إنها تريد التعامل معه باعتباره دولة جارة تربطهما مصالح كثيرة
هنا تحديداً يصبح أي استدعاء حرفي للتاريخ مضللاً. فـ"سوريا الجديدة" ليست "سوريا الأسد". كذلك لبنان والمنطقة. دمشق اليوم لا تملك قوات في لبنان، ولا تدير شبكة أمنية كما فعل الأسد خلال "الوصاية". القيادة السورية الجديدة تعرف التاريخ وتؤمن بالجغرافيا. أولوياتها: بناء الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وترسيخ الاستقرار وإقامة علاقات طبيعية وشبكات مصالح مع الجوار، لا العودة إلى الساحة اللبنانية. أولويتها ضبط حدودها ومستعدة لقبول كل الدعم في إقامة سد منيع أمام شبكات تهريب السلاح والمخدرات.
كانت "سوريا الأسد" تتعامل مع لبنان باعتباره ساحة نفوذ وصراع. أما "سوريا الجديدة"، فتقول إنها تريد التعامل معه باعتباره دولة جارة تربطهما مصالح كثيرة، أن تتحول الجغرافيا مكسبا لا عبئا، وأن لا تستعيد التاريخ وجروحه. وبين التجربتين مسافة لا تختصرها المقارنات التاريخية، ولا تلغيها الرغبات الإقليمية أو الضغوط الدولية.