ليبيا والسودان ليستا أزمتين منفصلتين. ما يجري في الأسابيع الأخيرة يوحي بأن واشنطن وغيرها بدأت تتعامل معهما باعتبارهما ملفاً متشابكا تتداخل فيه خرائط النفوذ، وشبكات الطاقة، ومناجم الذهب، والموانئ، والقواعد العسكرية، وبحث ترمب عن إنجازات سريعة.
في البلدين وصلت الحرب إلى النقطة نفسها. لا منتصر قادر على توحيد البلاد، ولا مهزوم مستعد للاستسلام. ففي ليبيا توجد سلطة أمر واقع في الشرق يقودها خليفة حفتر، وحكومة معترف بها في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة. وفي السودان، يفرض الجيش سيطرته على قلب الدولة وشرعيتها، فيما تكرس "قوات الدعم السريع" نفوذها في دارفور وأجزاء واسعة من الغرب.
كل طرف داخلي له امتدادات خارجية. لاعبون يبحثون عن تحالفات داخلية في الجغرافيا السياسية. فروسيا تحاول تعويض تراجع نفوذها في سوريا والشرق الأوسط بموطئ قدم دائم على البحر الأحمر، وعلى المتوسط في شرق ليبيا. وكذلك هناك منافسات بين قوى إقليمية وعربية وأوروبية على النفوذ، فتصبح بنغازي وطرابلس والخرطوم ودارفور وبورتسودان حلقات في شبكة نفوذ تمتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والساحل الأفريقي.
أما الولايات المتحدة، فبعد سنوات من المبادرات الأممية والمحلية والرهانات على الحسم العسكري، يبدو أن إدارة ترمب الباحثة عن انتصارات سريعة والتي ترى في النفط مدخلا ومصدرا للتفاهم، انتقلت إلى مقاربة مختلفة تقوم على الاعتراف بسلطات الأمر الواقع بعيدا عن الأسئلة عن شرعيتها وانتهاكاتها، ثم محاولة تحويلها إلى محاصصة ومصالح بدلا من استمرارها كجبهات عسكرية.
فلم تعد تبحث عن انتصار كامل لطرف على آخر، بل عن استقرار يسمح بحماية المصالح الاستراتيجية. في ليبيا، تتبلور هذه المقاربة عبر الخطة التي يقودها مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والقائمة- وفق التسريبات- على إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، مقابل منح صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع المضي في توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وفي مقدمتها المؤسسة الوطنية للنفط.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الحراك المصري والتركي الأخير. فالقاهرة، التي دعمت حفتر لسنوات، بدأت تنفتح على طرابلس، بينما فتحت أنقرة قنوات مباشرة مع بنغازي بعد سنوات من دعمها الحصري للغرب الليبي على أمل شرعنة شرقية لامتيازاتها في طاقة البحر المتوسط.
هل يعني ذلك أن السودان يتجه إلى نسخة ليبية؟ ليس بالضرورة. فالفوارق بين البلدين كبيرة، كما أن الجروح الاجتماعية والسياسية في السودان أعمق
وإذا كانت الطاقة مفتاح المبادرة الليبية، فإن مفتاح التسوية السودانية أكثر تعقيدا. فمنذ اندلاع الحرب، تحول الذهب إلى العمود الفقري لاقتصاد "قوات حميدتي" وإلى مصدر رئيس لتمويل عملياتها العسكرية وعلاقاتها الإقليمية. وفي المقابل، تسيطر الحكومة والجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان على مؤسسات الدولة الرسمية والموانئ والعاصمة، بدعم مصري وعربي يراهن على شرعية المؤسسة العسكرية الوطنية.
لكن هل يعني ذلك أن السودان يتجه إلى نسخة ليبية؟ ليس بالضرورة. فالفوارق بين البلدين كبيرة، كما أن الجروح الاجتماعية والسياسية في السودان أعمق بكثير. المبادرة الأميركية هنا أكثر تواضعا، مبادلات وصفقات إنسانية بين الفريقين المتخاصمين.
نحن أمام تحول مهم في السياسة الأميركية. لم يعد الهدف إعادة بناء الدولة أولاً، بل إدارة الانقسام، ثم محاولة بناء الدولة فوقه
المؤشرات الحالية توحي بأن التفكير الدولي يسير في اتجاه واحد: تحويل سلطات الأمر الواقع من أدوات حرب إلى شركاء في نظام سياسي جديد، مهما كانت عيوبه.
إذا صحت هذه القراءة، فإننا نكون أمام تحول مهم في السياسة الأميركية. لم يعد الهدف إعادة بناء الدولة أولاً، بل إدارة الانقسام، ثم محاولة بناء الدولة فوقه. وبالتوازي مع جولة المبعوث الأميركي مسعد بولس لشمال أفريقيا لترتيبات النفط في ليبيا، كان توم باراك مبعوث ترمب لشرق المتوسط، في بغداد وأربيل ودمشق لترتيب الصفقات النفطية لشركات أميركية.
إنها مقاربة تقوم على المحاصصة أكثر مما تقوم على الحسم، وعلى الاقتصاد أكثر مما تقوم على الأيديولوجيا، وعلى الصفقات بدل الاتفاقات، وعلى النفط والثروات بدل الشراكات، باعتبارها مفاتيح لتسويات عاجلة تمتد من المتوسط إلى البحر الأحمر.