سُئل ونستون تشرشل بعد حرب السويس عام 1956 عمّا إذا كان سيتصرف مثل رئيس الوزراء أنتوني إيدن، فأجاب: "ما كنت لأتجرأ على البدء (بالحرب) أبداً، ولو تجرأت لما تجرأت بالتأكيد على التوقف".
اليوم، هناك من قد يقول إنه لو كان مكان دونالد ترمب لما فتح مواجهة واسعة مع إيران، لكنه إذا فتحها فعليه أن يحشد معه المؤسسات الأميركية وحلفاءه في العالم لكتابة فصولها الأخيرة، كما فعل جورج بوش الأب قبل حرب الخليج عام 1991، والابن قبل حربي أفغانستان 2001 والعراق 2003.
هذه ليست نقطة التقاطع الوحيدة بين حربي 1956 و2026، وهي أكثر مما نظن. المقارنة بين السويس وهرمز ليست بين ممرين مائيين يختنق عبرهما الاقتصاد العالمي، الأول قناة مصرية والثاني ممر دولي، بل بين لحظتين تاريخيتين تتجاوزان الجغرافيا وتجاوران التاريخ. المقارنة تخص ما حصل في الحرب وبعدها في إسرائيل ومصر، وأفول الإمبراطورية البريطانية وبروز أميركا واندلاع "الحرب الباردة" مع الاتحاد السوفياتي.
في عام 1956، دخلت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حرب السويس. كل طرف كان له أهدافه. إسقاط جمال عبد الناصر وتحطيم مشروعه الصاعد بعد تأميم قناة السويس والإمساك بالهيبة الدولية. عسكرياً، لم تكن العملية فاشلة. تقدمت القوات بسرعة، وحققت إسرائيل أهدافاً ميدانية في سيناء. لكن السياسة كان لها كلمة غير صوت السلاح. حيث أجبرت واشنطن لندن وباريس على التراجع.
لم يسقط نظام عبد الناصر. خرج من الحرب أكثر جرأة. انقلب على الأميركيين لصالح السوفيات. صار أكثر تشددا في الداخل وتمددا في الخارج في ساحات بينها "الوحدة" مع سوريا في 1958، وحرب اليمن بداية الستينات. أما إسرائيل، فكسبت هدنة طويلة بعد انسحابها من سيناء وعززت تحالفها مع فرنسا، وحصلت منها على مفاعل ديمونة. وبعد 11 سنة حصلت نكسة يونيو/حزيران 1967 وخسرت مصر-عبد الناصر سيناء، وسوريا-الأسد الجولان، إضافة لاحتلال أراض فلسطينية.
اليوم، يقول بنيامين نتنياهو إن إسرائيل في معركة وجودية بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. جولتان من الحرب مع إيران، ركزتا على تعطيل البرنامج النووي وتدمير البنية العسكرية واغتيال "المرشد" وقادة كبار. وكان رهان نتنياهو انهيار النظام من الداخل. ورغم حجم الضربات، فإن النظام جدّد نفسه وتشدده، وأصبح "الحرس الثوري" في مركز القيادة ويهدد هرمز والاقتصاد العالمي ودول الجوار ويقبض على قرار الميليشيات في العراق و"حزب الله" في لبنان.
نتنياهو ليس ديفيد بن غوريون، وعلاقته الخاصة مع ترمب غير علاقة بن غوريون المعقدة مع دوايت أيزنهاور خلال حرب السويس وبعدها. وإسرائيل الآن غير ما كانت قبل سبعين سنة. هي على موعد مع انتخابات تجدد المصير السياسي والشخصي لرئيس وزرائها، وتمدد في2026 احتلالاتها في الجغرافيا السورية واللبنانية والفلسطينية إلى ما وراء ما احتلته في 1967.
أصبحت بكين أيضاً محطة إلزامية للاتفاقات والوساطات والطاقة والاستثمارات، حتى بدا وكأن طرق المنطقة التجارية والسياسية تمر عبر بكين بقدر ما تمر عبر واشنطن
هناك درس أميركي أيضاً من السويس. بالفعل عرفت لندن وباريس كيف تبدآن الحرب، لكنهما فشلتا في معركة السلام. وأدرك العالم أن صفحة الإمبراطورية البريطانية التي كانت تترنح لعقد بعد الحرب العالمية الثانية انتهى زمنها مقابل سطوع شمس أميركا. أيضا، كانت بداية انطلاق الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي. استفاد عبدالناصر من جرأة واشنطن، لكنه اتجه شرقا إلى موسكو.
اليوم، يرى كثيرون أن أزمة هرمز قد تكون بدورها لحظة انتقال دولي مشابهة، لكن بصورة معاكسة. فأميركا لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأولى، لكنها تبدو بعد الهزات والانسحاب من حروبها في العالم، أقل قدرة على فرض السلام وحدها، فيما تتقدم الصين تدريجياً بوصفها مركز جذب اقتصادي وسياسي ودبلوماسي.
قبل سنوات قليلة فقط، كان قادة الشرق الأوسط والعالم يتجهون تلقائيا إلى واشنطن بحثا عن الضمانات والتفاهمات. أما اليوم، فأصبحت بكين أيضا محطة إلزامية للاتفاقات والوساطات، حتى بدا وكأن الطرق تمر عبر بكين بقدر ما تمر عبر واشنطن. كأن ترمب يحقق نبوءته الذاتية. تحدث عن عالم "جي تو"، ثنائي القطبية، بين أميركا والصين، وهكذا يبدو أحد ملامح النظام الدولي الجديد.
في هرمز، قد تكشف الأزمة أن العالم يدخل بالفعل مرحلة لم تعد فيها قوة واحدة قادرة وحدها على فرض النظام أو السلام
ولا شك أن الزعيم الصيني شي جينبينغ، الطامح بتايوان، يعرف أن الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف استغل أزمة السويس لتشديد قبضته على المجر في طريقه إلى "الحرب الباردة"، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الغارق في حرب أوكرانيا، سعيد بالشرخ على ضفتي الأطلسي.
ترمب ليس أنتوني إيدن، وواشنطن المغرمة بقيادتها المنفردة للعالم والمتعبة منها، ليست بريطانيا المتعبة بعد الحرب العالمية الثانية. أميركا تستطيع تحمل حروب طويلة وخسائر كبرى، كما حصل في فيتنام والعراق وأفغانستان، أكثر مما استطاعت الإمبراطوريات الأوروبية تحمله. لكنها تواجه الخطر نفسه الذي واجهته لندن وباريس. خطر الانتصار العسكري الذي لا يصنع سلاما مستقراً.
في السويس، كشفت الحرب أن القوى القديمة لم تعد قادرة على قيادة العالم الجديد وقسمته نتائجها بين الغرب والشرق. وفي هرمز، قد تكشف الأزمة أن العالم يدخل بالفعل مرحلة لم تعد فيها قوة واحدة قادرة وحدها على الانفراد بفرض النظام أو السلام. الكلمة الأخيرة في الحرب لا تقل أهمية عن الرصاصة الأولى. قد نكتشف مستقبلا تقاطعات بين السويس وهرمز أكثر مما نظن الآن.