بنت جبيل... "عاصمة حزب الله" التي تحرق للمرة الثانية

مدينة الهجرات و"النصر الإلهي" فرغت من أهلها بين حربين

أ ف ب
أ ف ب
رجل لبناني يسير وسط الدمار متجاوزاً اللافتات التي تشير إلى الطريق المؤدي إلى قريتي الحولة وبنت جبيل، بينما يتفقد الناس منازلهم المتضررة في قرية العديسة جنوب لبنان في 18 فبراير 2025

بنت جبيل... "عاصمة حزب الله" التي تحرق للمرة الثانية

يرتبط اسم مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان بالحسابات الاستراتيجية والمعارك العسكرية، لكنه حقيقة أكثر ارتباطا بالهجرات والنزوح، وربما لا يتّسع المجال هنا لذكر عدد المرات التي خلت فيها المدينة من أهلها، بسبب موقعها الذي كان بوابة الجنوب على الجليل، فصار بوابته على أميركا!

تبدأ الحكاية الموثّقة مطلع القرن العشرين، حين هاجر أحد أبنائها من آل حمود إلى الولايات المتحدة، معبّدا طريق الهجرة لأبناء مدينته، أعقبه غرق أربعة مهاجرين من أبناء المدينة، كانوا يقصدون نيويورك، في حادثة "التيتانيك" في عام 1912.

في 1920، تمرّد الجنوب اللبناني على إعلان "دولة لبنان الكبير"، وآثر البقاء ضمن سوريا الكبرى، فاندلعت أحداث طائفية دامية، خاصّة بين أهالي بنت جبيل (الشيعية) وعين إبل (المارونية) فهب الكولونيل الفرنسي نيجر على رأس أربعة آلاف جندي لنصرة الموارنة، وقال حينها جملته الشهيرة: "لن أرضى مقابل شهداء عين إبل إلا بتاج الملك فيصل"، فأحرق المدينة انتقاما لحرق كنيسة عين إبل، فغادر معظم أهلها إلى فلسطين، وكانت ثاني هجراتها.

في الثلاثينات، انتقل الكثير من شبانها إلى حيفا وجنين ليكونوا جزءا من الحركة المسلحة التي قادها عز الدين القسّام ضد الاحتلال البريطاني، وكانت ثالث هجراتها.

بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في 1948، صارت ساحة بنت جبيل ملتقى لجيوش الإنقاذ العربية لتحرير فلسطين، ومنذ ذلك الوقت أصبحت خط تماس أول مع الاحتلال، فشكّل هذا العام محطة مفصلية في هجراتها، التي تكثّفت وتركزت باتجاه أميركا، وبتسهيل من سفارتها في بيروت... فأُغلقت بوابتها على الجليل وفُتحت على أميركا.

على أن الهجرة الكبرى حصلت في عام 1968، بعدما زارها السفير الأميركي في بيروت، ولفتَه فيها انتشار مصانع الأحذية (وهي صنعة أهلها)، وبعد شهرين، نشرت صحيفة "النهار" اللبنانية إعلانا، جاء فيه: "الولايات المتحدة الأميركية تفتح أبواب الهجرة لعمال الأحذية"... أي لأهالي بنت جبيل!

يقول أحد أبناء بنت جبيل إن هذا الاهتمام الأميركي بالمدينة، كانت غايته تخفيف الثقل الديموغرافي على حدود إسرائيل، وليس كرم أخلاق!

ظلت هجرات بنت جبيل تتناسل، حتى حلول عام 2000، حيث شكل الانسحاب الإسرائيلي حافزا لعودة أهلها

جاء "اتفاق القاهرة" في عام 1969، الذي خصص لـلمقاومة الفلسطينية جزءا من أرض الجنوب عُرف باسم "فتح لاند"، لشن عملياتها ضد الاحتلال الإسرائيلي، فتحولت المدينة إلى قاعدة عسكرية متقدّمة للعمل الفدائي، وفي العام التالي، تلقّت أول هجوم إسرائيلي. أكثر من ستين قذيفة سقطت عليها فدمرت عددا من منازلها وتسببت بتهجير واسع، وفي عام 1976 شهدت إخلاء قسريا باتجاه القرى المحيطة بها، بعدما استحالت الحياة فيها إلى جحيم بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية... فتداخلت الهجرات خارجيا ومحليا وتعددت.

إثر "عملية الليطاني" في عام 1978 احتلت إسرائيل منطقة جنوب نهر الليطاني، وصارت تسمى "الشريط الحدودي"، بنت جبيل ضمنها، فتهجّر أهلها مرة أخرى، إلا 500 شخص، واستمر الاحتلال حتى عام 2000.

في هذا الوقت، كان تدفّق المهاجرين نحو أميركا يجري بتسهيل من السفارة الأميركية أيضا، فانضم اللاحقون إلى السابقين و"تأمركوا" مع من "تأمرك" قبلهم، ووصل عدد أهالي بنت جبيل في  مدينة ديترويت في ولاية ميشيغن إلى 40 ألفاً، فأطلقوا عليها اسم "جمهورية بنت جبيل".

أ ف ب
يحمل شبان أعلام لبنان و"حزب الله"، أثناء مشاهدتهم خطابًا ألقاه زعيم الراحل الحزب حسن نصر الله على شاشة في بلدة بنت جبيل جنوب لبنان، في 13 أغسطس 2016

حاليا، يشغل مو بيضون ابن أحد أشهر عائلات بنت جبيل، منصب عمدة مدينة ديربورن في ميشيغن أيضا، أما صاحب المطعم اللبناني حسن عباس في المدينة نفسها، فقد حظي بشهرة عالمية، بعدما أجبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي زاره خلال حملته الانتخابية في 2024، على توقيع تعهّد بوقف الحرب على غزة، كشرط للجالية البنت جبيلية لانتخابه.

في كتابه اللطيف "بنت جبيل-ميشيغن"، يصوّر الكاتب أحمد بيضون تمسّك أهل بنت جبيل بشخصيتهم التي صاغتها مدينتهم، وكأنهم حملوها بكل تفاصيلها في حقائب سفرهم، وحين وصلوا أخرجوها ونشروها حولهم، علقوها على اللافتات المكتوبة بالعربية، وفي الطابع الحميم المهيمن على العادات والعلاقات والطعمات والنكهات والروائح...

ظلت هجرات بنت جبيل تتناسل، حتى حلول عام 2000، حيث شكل الانسحاب الإسرائيلي حافزا لعودة أهلها، كثيرون تركوا مهاجرهم واستقروا فيها، وآخرون رأوها للمرة الأولى في حياتهم وعادوا من حيث أتوا، غير أن هذه اللحظة لم تصمد من دون كلفة، ففي حرب يوليو/تموز 2006، عادت بنت جبيل مجدداً إلى قلب حلقة التهجير، شهدت معارك ضارية بين إسرائيل و"حزب الله"، قضت على ما عمّره العائدون في ست سنوات.

أُعيد بناء بنت جبيل بعد انتهاء الحرب، لكنها فقدت الكثير من ملامحها التاريخية المعروفة، وعاد إليها بعض أهلها لكن كثيرين اختاروا الهجرة مجددا...

يقول أحد أبنائها إن تجارها لم يتقاضوا حتى اليوم تعويضات حرب 2006، أما سوقها التجارية الذي أُعيد بناؤها بما لا يشبه طابعها المعماري التراثي، فتحوّل إلى حصّالة لجمعية "جهاد البناء" التابعة لـ"حزب الله"، تحت شعار "سنعيدها أحلا مما كانت".

في حرب الإسناد الأولى، تهجرت بنت جبيل كليا، رغم أن الدمار فيها كان محدودا قياسا على محيطها، في حرب الإسناد الثانية نزح من تجرأ وعاد من أهلها خلال الفترة الممتدة بين الحربين.

وها هي اليوم فارغة بالكامل... إنه التهجير الأخطر الذي يمر في تاريخها.

على مدى تحكّمه بها، عملا بمقولة "من يحرر يقرر"، حوّلها إلى مدينة إيرانية، لكنها لا تشبه أي مدينة في إيران، ولا حتى نفسها ولا المعركة التي تُخاض حاليا على أرضها... معركة كانت بالغنى عنها

فمنذ أسابيع تدور معارك كر وفر بين "حزب الله" وإسرائيل للسيطرة عليها، ومنذ أيام عدة، انتشرت معلومات تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي دخلها فعلياً، وثبّت وجوده في عدة نقاط أبرزها السوق التجارية، أي وسط المدينة.

تكتسب المعركة على بنت جبيل أهمية استراتيجية كبيرة لكلا الطرفين، فمن يسيطر عليها يتموضع في قلب القطاع الأوسط، ويؤمّن قاعدة دفاعية متقدّمة تسمح له بالتحكّم ناريا بالقطاعين الغربي والشرقي.

أ ف ب
معلمة لبنانية تستعيد خريطة من تحت أنقاض مدرسة دُمرت خلال حرب الصيف بين إسرائيل وحزب الله، في قرية بنت جبيل جنوب لبنان، 18 نوفمبر 2006

من جهتها، تعتمد القوات الإسرائيلية بحسب المعطيات الميدانية، للسيطرة عليها، أسلوب الالتفاف والتطويق وقطع خطوط الإمداد، لتحويل المناطق إلى جيوب معزولة، فيما يعتمد "حزب الله"، أسلوبا تكتيكيا يقوم على "عدم التشبث بالجغرافيا".

إذا تمكّنت إسرائيل من احتلال بنت جبيل تحققت بذلك ثلاثة انتصارات:

انتصار عسكري: لأن احتلالها يعدّ مفتاحا لسقوط الممرات البرية من وادي السلوقي حتى وادي الحجير وصولا إلى مجرى نهر الليطاني.

انتصار جغرافي: لأنها قلب القطاع الأوسط الذي يفصل بين منطقتي صور ومرجعيون ويمتد من تخوم الجليل حتى مشارف النبطية.

انتصار معنوي: لأنها "عاصمة حزب الله" وأقرب مدينة جنوبية شيعية من الحدود.

أما "حزب الله" فيضغط بكل ثقله العسكري لإفشال المخطط الإسرائيلي، لأن المدينة لها رمزية معنوية عزيزة على قلب بيئته، اكتسبتها من "خطاب النصر"؛ الخطاب الذي ألقاه الأمين العام الراحل حسن نصرالله بعد الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000، وقال فيه عبارته الشهيرة: "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت".

بنت جبيل هي أكبر مدينة شيعية حدودية، اشتهرت بأعلامها وشعرائها وكتّابها ومكتباتها وبلديتها التي تأسست في وقت مبكر من مطلع القرن الماضي، هي عاصمة القطاع الأوسط الذي هو جزء من محافظة النبطية، ومركز القضاء الذي يحمل اسمها ويضمّ 36 قرية، ويمثّله 3 نواب في البرلمان اللبناني، وتحوي عددا كبيرا من الإدارات الرسمية، وهي المدينة اللبنانية الوحيدة التي لم يطأ أرضها أكثر من نصف أهلها، والتي تشهد منذ عقود هجرات متكررة مما جعلها أكثر مدينة تحوي جنسيات أجنبية في لبنان.

بعد الانسحاب الإسرائيلي، كرّسها "خطاب النصر" كـ"عاصمة للتحرير"، في لحظة سياسية وأيديولوجية أراد من خلالها "حزب الله" إعادة تعريفها في الوجدان العام، فارضا عليها هوية جديدة منقطعة عن سياق ماضيها، كبديل لذاكرة مشتركة مركبة من مكوّنات "المقاومة العربية"، والعلاقة الأهلية والاجتماعية المتداخلة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، فأنتجت شخصية سطحية قائمة على الصور والشعارات والرايات والأعلام...

وعلى مدى تحكّمه بها، عملا بمقولة "من يحرر يقرر"، حوّلها إلى مدينة إيرانية، لكنها لا تشبه أي مدينة في إيران، ولا حتى نفسها ولا المعركة التي تُخاض حاليا على أرضها... معركة كانت بالغنى عنها!

قديما، رفضت بنت جبيل أن تكون جزءا من لبنان الكبير، فأُحرقت! وفيما تكاد تصبح جزءا من "إسرائيل الكبرى"، ها هي تُحرق مرة أخرى...

font change

مقالات ذات صلة