دبلوماسية ترمب مع إيران... استعراض سياسي وأفق غامض

تمنح الأولوية للكلام الصاخب على حساب الحصيلة الفعلية أو النتيجة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في اشنطن، 20 مايو 2026

دبلوماسية ترمب مع إيران... استعراض سياسي وأفق غامض

هل تقود المحادثات إلى صفقة؟ ظل هذا السؤال مخيما على المواجهة بين إيران والولايات المتحدة لأكثر من شهر ونصف الشهر، منذ الإعلان عن وقف إطلاق نار هش في 8 أبريل/نيسان، ثم تمديده من جانب واحد إلى أجل غير مسمى بعد أسابيع بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

شهدت عطلة نهاية الأسبوع الماضية موجة من التحركات الدبلوماسية، رافقها مزيج مربك من التسريبات حول المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، التي جرت بوساطة باكستان، ثم قطر في أحدث محطاتها. ووصفت باربرا ليف، المسؤولة السابقة الرفيعة في وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، هذا الأخذ والرد المربك خلال عطلة نهاية الأسبوع بأنه "ضجيج متنافر".

يصعب التكهن بما قد تنتهي إليه هذه الدبلوماسية، أو ما إذا كانت مجرد نسخة أخرى من محادثات ربيع 2025 والجولات التي عُقدت في وقت سابق من هذا العام، أي هدنة عابرة تسبق جولة أخرى من الحرب. غير أن اتساع الأضرار الاقتصادية داخل إيران وفي أنحاء العالم وفر الدافع الأبرز لمواصلة الجولة الراهنة من المحادثات، إلى جانب التهديدات بأضرار أشد قد تطال البنية التحتية الإقليمية، بما في ذلك مواقع إنتاج الطاقة ومحطات تحلية المياه. وقد حالت هذه الأكلاف الباهظة دون انزلاق أطراف الصراع إلى الحرب مرة أخرى، لكن مصير التسوية الدائمة بين إيران وأميركا لا يزال غير واضح.

دبلوماسية الاستعراض في واشنطن

يشكل انعدام الثقة والاطمئنان بين الطرفين الأساسيين في هذه المفاوضات حجر العثرة الجوهري. ويكاد السعي إلى اتفاق دبلوماسي دائم بشأن ملفات أرهقت العلاقة لعقود أن يقترب من "مهمة مستحيلة"، من بينها برنامج إيران النووي، وصواريخها، ودعمها لشركاء إقليميين مثل "حزب الله" والحوثيين، إلى جانب مطالبة طهران برفع العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة. ويزيد الأمر تعقيدا ملف لم يكن حاضرا قبل هذه الحرب الأخيرة، وهو سيطرة إيران على الممر الاستراتيجي الحرج في مضيق هرمز، لتصبح أجندة التفاوض شاقة للغاية.

أنتجت التسريبات الكثيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع سيلا من التعليقات القائمة على معلومات مبتورة، فأثارت ضجيجا أكثر مما كشفت من حقائق، ورسخت خطوط المواجهة القديمة في السجالات السياسية والسياسات العامة. وفي الولايات المتحدة، خرجت شقوق جديدة إلى العلن، من بينها تراشق لاذع بين وزير الخارجية في ولاية ترمب الأولى مايك بومبيو، ومدير الاتصالات الحالي في البيت الأبيض ستيفن تشيونغ. فقد هاجم بومبيو بشدة تفاصيل مزعومة لاتفاق أميركي-إيراني محتمل سربتها وسائل الإعلام خلال عطلة نهاية الأسبوع، ليرد تشيونغ علنا مطالبا بومبيو بأن "يخرس ويغلق فمه الغبي". ويضاف هذا المشهد إلى سلسلة من الوقائع التي تؤشر إلى تراجع اللباقة والوقار في الخطاب العام الأميركي.

أ.ف.ب
لوحة إعلانية على واجهة مبنى تُصوّر مضيق هرمز، مع تعليق يقول: «إنه في يد إيران إلى الأبد.. لم یستطع ترمب فعل أي شي.. ستسيطر إيران على مضيق هرمز للأبد» في ساحة وانك في طهران ، 25 مايو 2025

يصعب التكهن بما قد تنتهي إليه هذه الدبلوماسية، أو ما إذا كانت مجرد نسخة أخرى من محادثات ربيع 2025 والجولات التي عُقدت في وقت سابق من هذا العام، أي هدنة عابرة تسبق جولة أخرى من الحرب


رأى بعض المعلقين الأميركيين مثل دانيال دريزنر، أنه "لا جدوى حقا من مواصلة تحليل أي صفقة مع إيران قبل نشر تفاصيلها الفعلية". وتزيد الأكاذيب التي يطرحها النظام الإيراني وإدارة ترمب بانتظام في جوانب كثيرة من إدارة هذه الأزمة، بل وفي أساليب الحكم والسلوك العام، صعوبة الوصول إلى اتفاق دبلوماسي.

يحاول قادة يمتلكون قدرا كبيرا من القوة أحيانا تغيير الواقع بالكلمات، فيطلقون تصريحات لا تعكس بدقة حقيقة الوقائع أو توازن القوة والمصالح. ويتجلى ذلك بوضوح لدى دونالد ترمب، الذي اعتمد بكثافة على دبلوماسية أدائية استعراضية، مثل الادعاءات الجريئة والتهديدات الصدامية، سعيا إلى تحقيق مكاسب. وتمنح هذه الدبلوماسية الأولوية للرسائل على حساب الحصيلة الفعلية أو النتيجة، وتنشغل بفرص التصوير أكثر مما تنشغل بالمفاوضات المغلقة، وهي المفاوضات التي تظل عادة جوهر صناعة الصفقات الكبرى القابلة للاستمرار. وتتوجه هذه الدبلوماسية أساسا إلى الداخل الأميركي، حيث تراجعت معدلات تأييد ترمب. وفي الملف الإيراني، تخاطب أيضا جمهورا رئيسا آخر، هو شركاء أميركا في الشرق الأوسط.

رويترز
ترمب يلقي خطابا إلى الأمة في البيت الأبيض بشأن الهجوم على إيران في أول أبريل ٢٠٢٦

يسير النظام الإيراني وفق نهج مشابه، إذ يجمع بانتظام بين تصريحات ملتهبة وتهديدات وخطوات تقوّض الثقة بكلمته. ويضاعف هذا الأسلوب، لدى الطرفين الأساسيين، صعوبة أي محاولة لبناء اتفاق دائم.

قد تفضي دبلوماسية ترمب إلى نتائج قصيرة الأجل، مثل اتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق الرهائن في حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، غير أن النتائج والإنجازات الأشد رسوخا غالبا ما تبقى عصية. وتفسر هذه المقاربة جزئيا عجز ترمب عن إنهاء حرب روسيا على أوكرانيا بالسرعة التي قال إنه سيحققها، كما تعد سببا رئيسا لانتهاء قمة الولايات المتحدة والصين إلى واحد من أقل الاجتماعات تأثيرا بين قوتين عالميتين بالغتي الأهمية.

يسير النظام الإيراني وفق نهج مشابه، إذ يجمع بانتظام بين تصريحات ملتهبة وتهديدات وخطوات تقوّض الثقة بكلمته. ويضاعف هذا الأسلوب، لدى الطرفين الأساسيين، صعوبة أي محاولة لبناء اتفاق دائم


يساعد التركيز على الدبلوماسية الاستعراضية أيضا على فهم سبب قول ترمب إنه طالب ست دول رئيسة، هي السعودية وقطر ومصر وباكستان وتركيا والأردن، بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وشرح ترمب منطقه بمزيد من التفصيل في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، فكتب أن من "الجيد" لهذه الدول التطبيع مع إسرائيل إذا أرادت أن تجعل الصفقة المحتملة مع إيران "حدثا أكثر تاريخية بكثير" مما كان سيكون عليه لولا ذلك. ومن منظور ترمب، قد تتيح تأكيداته ومطالبه الجريئة إعادة تشكيل الواقع بطريقة غير مسبوقة.

تظهر الصورة التي نشرتها الرئاسة الإيرانية اللقاء بين الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان (يمين) وقائد الجيش الباكستاني سيد عاصم منير في طهران في 23 مايو 2026.

لكن المعضلة الأساسية في هذا التفكير أنه يتجاهل الواقع المعاش ووجهات نظر بعض أقرب شركاء أميركا في الشرق الأوسط. ويشمل ذلك دولا مثل السعودية، التي كرست قدرا كبيرا من الوقت والاهتمام في السنة الأولى من ولاية ترمب للترويج لفكرة حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية.

إن الصيغة والمسار الأكثر موثوقية نحو تسوية دائمة، سواء في ملف إيران أو إسرائيل، يتمثلان في الإصغاء إلى شركاء أميركا المقربين، لا في إطلاق تصريحات استفزازية ترمي إلى تغيير واقع شرق أوسطي معقد يصعب على كثير من الأميركيين تقبله.

font change

مقالات ذات صلة