"شيء إلهي" حيث المطرود من الجسد علامة عليه

مشكلة عالقة في مركز التجربة الفردية

غلاف "شيء إلهي"

"شيء إلهي" حيث المطرود من الجسد علامة عليه

لا يمكن أن نفهم رواية الروائي والمترجم المصري محمد عبد النبي، "شيء إلهي"، منشورات "المحروسة" 2026، فهما يليق بجدية تجربته، خارج حدود سؤال الجسد. الجسد الذي أهمل كثيرا في تجربة الكتابة الروائية العربية، فدائما ما يتم التعامل معه روائيا من خلال قشرته السطحية، دون الولوج إلى العمق، حيث التوترات والقلق الحقيقي.

حين نتأمل التجربة الروائية العربية، الحديثة على الأقل، ونحاول أن نقوم بمسح سريع لها، نلاحظ أن سؤال الجسد يتراجع كثيرا مقابل أسئلة أخرى، مثل سؤال الاغتراب، أو سؤال المأزق السياسي، أو سؤال التغيرات المتسارعة على مستوى الخطاب النسوي في الرواية النسائية خاصة.

ولو أردنا أن نحيل هذه المفارقة إلى سبب واضح، فسيبرز أمامنا مباشرة غياب حرية التفكير. فالحرية الموجودة في أفق تفكير المثقف العربي، لا تتجاوز حدود الأطر الاجتماعية والأخلاقية والسياسية. وما تفعله هذه الرواية تحديدا، هو نقل سؤال الجسد إلى مركز السرد، وتركه يعمل بكامل ثقله، متجاوزة الطموح السردي العربي نحو الحريات الصغرى، التي هي في تصوري أدنى من حرية التفكير الجاد في سؤال الجسد.

أقول هذا الكلام وفي ذهني أطروحة جوليا كريستيفا الفلسفية حول مفهوم "الاشمئزاز/ Abjection"، المصطلح الذي يشير باختزال شديد إلى حالة يشعر معها الإنسان بالنفور والقلق من شيء يهدد حدود هويته ونظامه الرمزي. فالجسد داخل فضائه ليس مجرد جثة هامدة ومنزوعة من سياقها الثقافي والمجتمعي، أي (الجسد) بكامل حمولات محاصرته وضبطه وقمعه، سواء بالدين أو بالأعراف والتقاليد الموروثة.

لعل أبرز ما يميز العمل هو تناوله أسئلة في عمق الجسد البشري بغض النظر عن نوعه، دون الانزلاق إلى مستوى الأسطورة بشكلها الملحمي

تخبرنا كريستيفا أن الإنسان لا يصبح ذاتا مستقرة إلا عبر طرد أشياء معينة (الدم/القيء/الإفرازات الجسدية)، وفي حالة الأم طرد الأجنة (الأجساد الأخرى). والاشمئزاز يظهر تحديدا عندما ينهار الحد الفاصل بين الداخل والخارج، حين لا يعود واضحا أين ينتهي الجسد وأين يبدأ العالم، فما نطرده خارجنا يظل مألوفا بشكل مقلق، فهو لا يغادرنا تماما. وفي طريقها لإثبات وجاهة أطروحتها، تناولت كريستيفا الثنائيات التي تحيل في الضرورة إلى حالة الاشمئزاز أو الرغبة في الإقصاء، مثل الغثيان المصاحب للحمل، والخوف من اكتئاب ما بعد الولادة، والأمور المصاحبة لتناقضات الداخل والخارج، وهو تحديدا ما يعنينا أثناء تناولنا رواية "شيء إلهي".

GEOFFROY VAN DER HASSELT / AFP
الفيلسوفة والكاتبة البلغارية-الفرنسية جوليا كريستيفا تتحدث خلال فعالية في باريس، 3 يونيو 2024

حين يغدو الجسد حدثا

قبل أن ندلف إلى التحليل، يجدر بنا أن نوضح حبكة الرواية، التي تتناول حياة سلام، عامل النظافة في أحد البنوك في القاهرة، في مرحلة زمنية لا تحددها الرواية بدقة زمانية، لكننا سنفهم من خلال فضائها أن أحداثها تدور في نهاية القرن العشرين، اللحظة التي تحصل فيها تحولات كبرى على الصعد كافة، الاجتماعية والتكنولوجية كذلك، مرورا بطفولة البطل التي حددت شخصيته، وكونت ما هو عليه أثناء سرد حكايته، التي تبنى على مكون فانتازي صغير ومدو في الوقت نفسه. فسلامة الذي كان في حضرة أخته أثناء مناسبة عائلية، سيشعر بغثيان ودوار مفاجئ، وحين تسأله أمام الجميع ما بك يا سلامة؟ يقول بشكل عفوي إنه يشعر بغثيان ودوار يشبه ما تشعر به المرأة في بدايات حملها: "يبدو إني حامل". ما ينتهي عند هذا الحد بالضحك والونس، يتحول مع تنامي الحكاية إلى حقيقة وحدث مركزي يهز سلامة وكل من سيعرف قصته لاحقا، من جهاز طبي، ومجاورين له على المستوى الاجتماعي.

لكن أهمية الرواية لا تتوقف عند هذا الملمح الفانتازي، فسنراها تتجاوزه لتغوص في سؤال الجسد الذي تحدثنا عنه سلفا. ولو حاولنا تناول الحدث بالخفة الفانتازية، لانتهى كل شيء عند هذا الحد، لكن الكاتب لا يتركنا هملا، بل يبدأ في تأسيس نظرته السردية، ويغوص بنا في تضاعيف ويلات الجسد، من خلال التلاعب بسؤال الجندر. العمل يناقش بوضوح سؤال "ماذا لو؟"، وهذه الـ"ماذا لو" نراها تنفتح على عدد كبير من الجروح. ولعل أبرز ما يميز العمل هو تناوله أسئلة في عمق الجسد البشري بغض النظر عن نوعه، دون الانزلاق إلى مستوى الأسطورة بشكلها الملحمي الذي نلمحه في الميثولوجيا من خلال دمج جسدين (بشري/حيواني) مثلا، فالحدث الفانتازي يحضر كمحفز فقط لحضور أسئلة أخرى تتعلق بالقلق من الالتزام الجندري.

REUTERS/Shannon Stapleton
أرجوحة فارغة

كل ذلك يحضر من خلال لغة روائية متقنة، تتناول بجمالية الحكايات الجانبية، وتربطها بجوهر الحكاية الرئيسة، مثل الاعتماد على ثنائية النزول والصعود، والحياة والموت. فوالد البطل يموت جراء سقوطه من السقالة أثناء عمله في الفاعل، أما أخوه فيموت أثناء طيرانه من أرجوحة المولد، هذه الحكايات الجانبية ربطت بشكل فذ مع نهاية جسد سلامة نفسه، المعلق بين السماء والأرض أثناء تمسكه بلوحة إعلانات ضخمة ترشد المارة الى الخصوبة وإلى الحياة السعيدة.

المعجزة في الرواية مكون إرباك لا إنارة. تفتح أفقا جديدا بهدف إعادة قلق الجسد إلى الواجهة

إذن، هناك ما هو فني داخل عملية السرد، يريد أن يقول أكثر من الحكاية، ويدفعنا إلى قراءة ما هو أبعد من سؤال "ماذا لو؟". وفي هذه النقطة تحديدا، تلامس الرواية السرد الديني، ولكن دون أن تنخرط فيه. فالحمل للذكر بوصفه حدثا خارقا، يستدعي فكرة المعجزة بالفعل، لكنه لا ينتهي بنا إلى مفهوم الخلاص بصورة جاهزة. ما يحدث، يسير في اتجاه مختلف، فالمعجزة في الرواية مكون إرباك لا إنارة. تفتح أفقا جديدا بهدف إعادة قلق الجسد إلى الواجهة. من يقرأ العمل بتمعن سيلاحظ حضور التوترات من أجساد الآخرين، أبرزها تذكر البطل ولادة أخته الصغرى وصدمته جراء تعرفه الى المكان الذي خرج منه جسده إلى العالم، ثم البدانة التي يصل إليها جسد أمه قبل موتها، وحديثه عن هذا الجسد باشمئزاز، وأيضا رغبته الملحة في المشي لمسافات طويلة هروبا من الاحتكاك بالأجساد الأخرى في مترو الأنفاق. ولكيلا يحيل بطله إلى وحش نافر من البشر، وظف ولعه بالتلفزيون الذي يرى من خلاله الأجساد الأخرى بشكل جمالي محايد.

REUTERS/Lucas Jackson
مشاهدان يتابعان حفل "فارم إيد" الموسيقي في نيويورك، 9 سبتمبر 2007

المطرود يبقى

المفارقة أن ما يحدث لسلامة يأتي من الداخل لا من الخارج، ومن ذلك الإحساس الغامض، والأعراض التي لا تفسر بسهولة. شيئا فشيئا يتحول ما لا يفسر إلى يقين مقلق، فالجسد الذي يعد محل اشمئزاز إنساني بحسب كريستيفا، لم يعد كما كان، أصبح كيانا يعمل بمنطق مختلف، كأن شيئا آخر يسكنه، أو كأنه لم يكن يوما ملكا له بالكامل. هذا ما يحول نظرتنا إلى الفانتازيا في بنية العمل فنيا من عنصر سردي مركزي إلى أداة لخلخلة علاقات الجسد بمحيطه وبالآخر. فحمل الذكر في الرواية يمكن قراءته بوصفه انقساما، ومساحة يتجاور فيها أكثر من صوت، وأكثر من حضور، فما يتشكل داخل هذا الجسد لا يكتفي بأن يكون شيئا، بل هو كيان يتكلم ويحاور ويفرض نفسه. كأن العمل في جوهره، تعبير عن جسد خرج عن طاعة صاحبه لا أكثر، وما فكرة الحمل إلا ذريعة أو طريقة للتفاوض.

نرى الاضطراب يمتد في العمل إلى بنية الجندر نفسها، إلى الحمل بوصفه علامة بيولوجية واضحة، تفقد دلالتها المستقرة، وتحول السؤال من "ماذا لو؟" إلى سؤال "ما الذي يحدد هوية الجسد أساسا؟". سنرى لاحقا سلامة يعيش مع الأسئلة بدل أن يفكر بها. الجسد هنا يصبح مجالا للارتباك. ما ينسب إلى الذكوري يتداخل مع ما ينسب إلى الأنثوي، دون أن ينتج هوية جديدة، والحدود لا تلغى تماما، لأن إلغاءها عبثي ويستحيل تخيله، لكنها تفقد صلابتها. اللغة نفسها تحاول أن تتدخل، كما في تكرار عبارة "معلش"، التي يكررها "شيء" كآلية تهدئة، وكطريقة لتخفيف ما لا يمكن سلامة نفسه احتماله. لكن "معلش" لا تحضر باعتبارها حلا، سنحس بها وهي تغطي القلق بطبقة رقيقة تخفف حدة السؤال دون أن تلغي احتماله. داخل هذا كله يظهر الجسد كشيء فائض عن نفسه. صوت داخلي آخر يعني حضورا آخر يفرض نفسه. لا يخرج إلى العالم، ولا يختفي أيضا. يبقى داخل الجسد كقوة تعيد تعريف الذات من الداخل.

ما يستبعد من الجسد يتحول إلى علامة تعيد القلق إلى ما كان يفترض أنه مستقر وثابت، وتعيدنا إلى هشاشته الأولى

لا تتجه الرواية نحو حل، وهي في الوقت نفسه لا تبحث عن استقرار يعيد ترتيب المختل بطبعه. فالكاتب لا يجعلنا نرى الجسد يستعيد صورته الأولى، ولا يستقر في معنى يمكن الاطمئنان إليه. بالعكس، هو يبقيه في حالة توتر مفتوح ومستمر، كأنه خرج من حدوده بفعل التعبير والكتابة، لكن دون أن يجد حدا جديدا يحتويه. فما يحدث مع الجسد يتجاوز فكرة التحول، ويقترب من فعل الطرد الصامت، شيء ما ينفصل ويزاح ويدفع به إلى الخارج بكل قوة كي تستقيم الذات، لكنه لا يدعه يغادر تماما. يبقيه قريبا وملتصقا، كأثر لا يمكن محوه، فما يستبعد من الجسد يتحول إلى علامة، تعيد القلق إلى ما كان يفترض أنه مستقر وثابت، وتعيدنا إلى هشاشته الأولى. لهذا لا يبدو الجسد في الرواية رمزا يمكن تأويله، ولا وسيطا يمكن تجاوزه. هو مشكلة عالقة في مركز التجربة الفردية، كل محاولة لفهمها تكشف جانبا آخر من اضطرابها، وكل اقتراب منها يعيد فتح المسافة بدل أن يغلقها. فالمطرود من الجسد كما تستنتج جوليا كريستيفا يترك أثره على الذات، ويصبح علامة عليه.

font change