أحمد عبد اللطيف لـ"المجلة": أكتب بحرية حين أكتب للغرباء

التاريخ ليس مجرد سجل للأحداث بل تجربة حية

أحمد عبد اللطيف لـ"المجلة": أكتب بحرية حين أكتب للغرباء

أحمد عبد اللطيف روائي ومترجم وصحافي مصري من مواليد 1978. حصل على الليسانس في اللغة الإسبانية وآدابها من كلية اللغات والترجمة، وحصل على الماجستير في الأدب المقارن من جامعة "أوتونوما دي مدريد" بأسبانيا. ترجم من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية ما يزيد على عشرين كتابا. صدرت له روايات عدة من بينها: "صانع المفاتيح"، "عالم المندل"، "كتاب النحات"، "إلياس"، "حصن التراب"، "سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج" و" عصور دانيال في مدينة الخيوط"، وأخيرا رواية "أصل الأنواع" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر". هنا حوار "المجلة" معه.

بداية لماذا ولمن تكتب؟

أحب أن أكتب للغرباء، لقراء لا يعرفونني ثم يعرفونني من كتاباتي. لا أحب أن أكتب لأصدقائي لأن كتابتي حينها يتداخل فيها الشخصي والفني، أكتب بحرية حين أكتب للغرباء، لا أفرض على نفسي رقابة ذاتية ولا أشعر بحرج، أحب القارئ الغريب لأني أعتبر كتابتي تواصلا معه.

كيف تلقيت خبر وصول روايتك "أصل الأنواع" الى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية؟

كان خبرا سعيدا ومفاجئا في آن واحد، وأرجو أن يفتح هذا التقدير الأدبي الباب أمام العمل للوصول إلى شريحة أوسع من القراء، إذ يظل النجاح الحقيقي لكل كاتب، وذروة طموحه، أن يعثر نصه على قرائه ويتفاعل معهم.

الخوف والكتابة

قلت سابقا "إن الخوف يمكن أن يكون منبعا للكتابة، وإن الهلع قد يتحول إلى محرك أساس لبعض النصوص"، وتندرج "أصل الأنواع" ضمن هذا الإطار، فما الشعور الذي هيمن عليك أثناء كتابة هذه الرواية؟

كان الخوف هو الدافع الأول لكتابة "أصل الأنواع"، ورافقني هذا الإحساس طوال رحلة الكتابة، خوف من أن تتلاشى القاهرة، وأن تتحول إلى مدينة غريبة لا أعرف ملامحها، وخوف أعمق من أن يؤدي اندثارها إلى ضياع ذاكرتي فيها، ومن ثم تآكل هويتي الشخصية نفسها.

بعد أن ينتهي القارئ من قراءة "أصل الأنواع"، بأي شعور ترغب أن يغادر؟

أتمنى أن يغادر القارئ "أصل الأنواع" وهو غارق في شرود طويل، مستحضرا الشخصيات بكل تفاصيلها، متأملا مصائرهم المتشابكة، محبا لهم ومتفاعلا معهم بصدق، متعاطفا مع آمالهم وآلامهم، كأن هذه الصفحات حملته في رحلة عاطفية وفكرية لا تنسى.

سبق أن فازت روايتك "عصور دانيال في مدينة الخيوط" بجائزة ساويرس الأدبية، ماذا عن هذا العمل؟

تتناول "عصور دانيال" قضية اغتصاب الأطفال من ناحية، ومن ناحية أخرى علاقة الأفراد بالسلطة، كل ذلك داخل مدينة القاهرة.

أحب التأليف وصنع عوالم وشخصيات وأحداث، وحتى لو تسرب شيء شخصي إلى هذه الشخصيات فإنه يكاد يكون واهنا

 من الانشغال بالقضيتين كتبت "عصور دانيال" لأرسم صورة لمدينة مهزومة تخلى فيها أفرادها عن حريتهم واستغولت السلطة ففعلت فيهم ما فعلت.

إلى أي مدى تتعايش مع أبطال رواياتك، وهل تضفي عليهم بعضا من صفاتك الشخصية أم تتركهم لتحديد مصائرهم بأنفسهم؟

ربما يحمل بعض شخصياتي جزءا من أفكاري حول الحياة، لكنها لا تمثل حياتي إلا في أضيق الحدود. أنا أحب التأليف، وصنع عوالم وشخصيات وأحداث، وحتى لو تسرب شيء شخصي إلى هذه الشخصيات فإنه يكاد يكون واهنا.

Al Majalla
روايات أحمد عبد اللطيف

الرواية والتاريخ

هل يمكن بعض الأعمال الروائية أن يؤرخ لأحداث معينة أكثر من الكتب التاريخية؟

التاريخ والفلسفة والتراث العربي ليست مجرد مصادر للإلهام بالنسبة إلي، بل هي الركائز الأساس التي شكلت وجداني وفكري، وغذت خيالي الأدبي وروحي الثقافية. وفي الوقت نفسه، أصر على أن أكون ابن هذا العصر بكل ما يحمله من تحديات وفرص، متفاعلا مع مستجداته ومؤثراته، عاكفا على التقاط نبض الحياة المعاصرة وتجسيده في كتابتي، لأروي قصص هذا الزمن وأعبر عنه بصوت حي وصادق، يجمع بين عبق الماضي ورؤية الحاضر.

إلى أي حد يشكل التاريخ العربي، بثقله التاريخي، مصدرا مهما في فعل الكتابة لديك؟

لا أحد يستطيع أن يرفض الرواية التاريخية، فالسؤال الحقيقي لا يكمن في قبولها أو رفضها، بل في الطريقة التي تكتب بها.

 وفي حالة روايتي "حصن التراب"، لم يكن هدفي مجرد سرد الأحداث كما وردت في الكتب الرسمية، بل انطلقت من قناعة أن التاريخ الرسمي غالبا ما يحمل تحيزاته وتزييفه، وأن ما نعرفه عنه ليس بالضرورة الحقيقة الكاملة.

غلاف "حصن التراب"

لذلك قررت بناء عالم تاريخي جديد، قائم على منظور مختلف، يمنح الشخصيات حريتها، ويعيد صوغ الوقائع برؤية أكثر عمقا وصدقا، ليصبح التاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، بل تجربة حية تعكس صراعات الإنسان وآماله ومآسيه.

غلاف "كتاب النحات"

الكتابة والترجمة

تكتب الرواية، وتمارس الترجمة. هل تخشى أن يتدخل أحدهما في شؤون الآخر خلال الكتابة، وبالتالي، أين ينتهي الروائي عندك، وأين يبدأ المترجم؟

الكتابة هي مشروع حياتي، والترجمة مهنتي ولي فيها مشروع أتمنى أن يكون له بصمة، وأنا أظن أن أفضل مهنة يعمل بها الكاتب هي الترجمة، إنها مساحة مهمة للتعامل مع اللغة بشكل مستمر.

انطلاقا من تجربتك، عندما تكبر التجربة الروائية وتتراكم، هل تصبح الكتابة أصعب؟

الكتابة لا تعرف طريقا سهلا أو معبدا، فهي دائما تجربة فريدة تواجه فيها كل رواية كأنها أولى المحاولات على الإطلاق، تحمل في طياتها تحدياتها الخاصة ومشقاتها التي لا تقل عن سابقاتها، لتظل كل صفحة اختبارا للصبر والإبداع وإرادة الكاتب في مواجهة الصعوبات التي تصنع منها حرفا نابضا بالحياة.

ماذا أعطتك الكتابة حتى الآن وهل هي جديرة بالتضحية من أجلها على حساب أمور حياتية أخرى أكثر حتمية وأكثر ضرورية؟ أم أن الكتابة هي الأكثر حتمية وضرورية؟

الكتابة ليست بالنسبة إلي مجرد فعل أقدمه أثناء جلسة محددة، بل هي جوهر حياتي وروحي التي أتنفسها في كل لحظة. فأنا لا أكتب فقط حين أستلقي أمام الورقة أو الشاشة، بل أعيش تجربة الكاتب باستمرار، فكل خطوة أخطوها، وكل لحظة أعيشها، تصبح مصدرا يغذي كتابتي، من قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام، إلى السفر واستكشاف الأماكن والتأمل في تفاصيل الحياة الدقيقة، كل شيء حولي يتحول إلى نص ينبض بالحياة والإلهام.

التاريخ ليس مجرد سجل للأحداث، بل تجربة حية تعكس صراعات الإنسان وآماله ومآسيه

فأنا لا أكتب فقط أثناء جلوسي للكتابة، بل أمارس عمل الكاتب دائما، كل ما أفعله أفعله ليزودني كتابة، من قراءة وفرجة وخروج وسفر وتأمل.

JOEL ROBINE / AFP
الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس وزوجته ماريا كوداما برفقة المصور الفرنسي فرنسوا-ماري بانييه في قصر الإليزيه بباريس، 19 يناير 1983، بعد منحه وسام جوقة الشرف

قطعة من الكمال

يقول إرنستو ساباتو أن كل فنان يطمح الى تحقيق قطعة من الكمال، هل ممارستك لحرفة الأدب خطوة تجاه الكمال؟

أرى أن الكتابة ليست مطاردة للكمال، وليس هوسا بالانسجام المثالي، بقدر ما هي رحلة نحو إدراك أوجه النقص البشري، والتصالح معه برحمة وصبر، محاولة لفهم الخلل والقصور في ذواتنا وفي العالم من حولنا، والارتقاء من خلال هذا الفهم إلى مساحة من التسامح الداخلي والتقدير لما هو غير مكتمل، إذ أن جمال النص لا يكمن في كماله المطلق، بل في صدقه مع ذاته ومع القارئ.

هل نعيش بالفعل عصر الرواية؟

نحن نعيش عصر "الريلز" و"اللايف"، لكن أدبيا الرواية هي الأكثر مقروئية والأكثر تعبيرا عن عصرنا. ولا تزال الرواية تحتفظ بمكانتها الفريدة، فهي الأكثر قدرة على اجتذاب القارئ والغوص به في أعماق عصرنا، مقدمة له تعبيرا غنيا وعميقا عن النفس البشرية ومجريات الحياة، بما يفوق أي وسيلة سريعة للعرض أو تبادل اللحظات العابرة.

غلاف "سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج"

كيف ترى المشهد الثقافي والأدبي في مصر حاليا؟

المشهد الأدبي في مصر يزخر بالعديد من الكتاب الموهوبين والكتابة الجيدة، الذين يمتلكون قدرة فائقة على صوغ الكلمات وإبداع نصوص ذات عمق وجودة عالية، ويبرع الكثير منهم في رسم صور حية وحكايات مشحونة بالأفكار والمشاعر، لكن ينقصه مناخ أكبر من الحرية.

نعيش عصر "الريلز" و"اللايف"، لكن أدبيا الرواية هي الأكثر مقروئية والأكثر تعبيرا عن عصرنا

وهذا الإبداع الكبير لا يزال يتقيد في كثير من الأحيان بقيود تحد من حرية التعبير، مما يجعل الحاجة ماسة إلى خلق بيئة أكثر انفتاحا ودعما للكتابة المستقلة، بحيث يستطيع الكتاب أن يعبروا عن رؤاهم وأفكارهم دون تردد أو قلق، وأن يقدموا للإبداع المصري أفقا أوسع يليق بموهبتهم الحقيقية.

بمن تأثرت من الكتاب عربيا وعالميا؟

لقد تأثرت بعمق بالكتب التي تتناول التجربة الإنسانية والتأمل النفسي، ففتحت لي أبوابا جديدة لفهم الذات والعالم من حولي. كما استوقفتني تصورات بورخس الفريدة حول الفن، بما تحمله من غموض ورؤى متشابكة تتجاوز حدود الواقع التقليدي، وأخذتني رحلة القراءة إلى عوالم كافكا وكورتاثار، حيث تتقاطع الأساطير مع الوجود، وتنبثق من بين السطور رؤى سردية تثير التفكير وتلهب الخيال.

font change

مقالات ذات صلة