عزت القمحاوي يدخلنا معه إلى مطبخ الرواية في "أحاول"

نزهات في عوالم الكتابة وأسرارها

غلاف "أحاول"

عزت القمحاوي يدخلنا معه إلى مطبخ الرواية في "أحاول"

بخفر ريفي أصيل، اختار الكاتب المصري عزت القمحاوي الفعل المضارع، "أحاول"، عنوانا لكتابه الجديد في تلخيص شغفه في القراءة والكتابة. الكتاب الذي صدر أخيرا عن "دار المحيط" في سلسلة "أنا الرواية"، يرمي إلى فحص الحمض النووي لسيرة الكتابة من وجهة نظر صاحبها.

لا خرائط جاهزة هنا في تعقب مكابدات الرحلة ووعورة تضاريسها، بصرف النظر عن عشرات العناوين التي أنجزها خلال أربعة عقود، فهو أسير فكرة المحاولة لا التجربة في تشريح سيرته قارئا وروائيا. كان في إمكانه أن يبتكر عنوانا ذا رنين في تمجيد منجزه السردي، لكنه آثر المشي في أرض زلقة تتطلب مهارة التوازن في عبور الطريق من نص إلى آخر، إذ يشبه نفسه أثناء الكتابة بقائد سيارة يتملكه التوتر والانتباه إلى أخطار الطريق، فيما يعتبر القراءة سفرا في القطار.

استنفار الحواس

بين برزخي القراءة والكتابة، يستعيد صاحب "غرفة ترى النيل" تطور عمل المخيلة، والأقدار التي قادته إلى قراءة أول كتاب بلا غلاف أو عنوان، ليتكفل لاحقا ترميم الكتب المقطوعة الرؤوس بقصص سيكتبها بنفسه، ثم بروايات ذات مذاق خاص، ثم بهجنة نصوص عصية على التجنيس ستميز فهرسه الشخصي.

نتوقف مليا أمام فرادة كتابه، "الأيك في المباهج والأحزان"، بوصفه أنطولوجيا حسية في تمجيد الكائن بأحواله المختلفة، وتأريخا شبقيا للموجودات، واختراعا سرديا مبهرا في هدم الحدود الصارمة بين أجناس الكتابة، واستنفار الحواس الخمس نحو طاقتها القصوى لجهة الرائحة والصوت والملامسة والتذوق والنظرة، فلكل حاسة حارسها المناوب وأسوارها وبواباتها وأنفاقها السرية، ليستكملها بحاسة إضافية هي حاسة الحبر المختلف، أو ضربة "الكيبورد" التي لا تخطئ مجرى النهر، بصرف النظر عن الهجنة السردية التي تنطوي عليها هذه المدونة الشاسعة. فمهنة الروائي وحدها لا تفي بالاندفاعات الجانبية لنزوات المخيلة بقدر ما تغنيها بدعائم صلبة، سوف تتسلل بجرعات مدروسة إلى نسيج الرواية بوصفها حقل عباد الشمس الأكثر إشعاعا وخصوصية في التجربة.

وعلى الأرجح، فإن ترميم "الأيك" في نسخته الثانية بأشجار إضافية من غابة الشهوة، يأتي من باب فحص المسافة بين بصيرتين، ومحاولة لإدارة الظهر للنص المستقر. يقول في هذا السياق: "الحواس هي التي تفتح طاقات اللغة لاستيعاب الخيال المادي، فتكون للكلمة قوة الصورة، وللفكرة الرمزية صلابة المنحوتة الفنية". وسوف يتقاطع هذا الكتاب مع كتاب آخر هو" كتاب الغواية" الذي أتى على هيئة رسائل إلكترونية في الشوق والوجد والغياب بما يشبه "هذيان الكتابة"، وبهجة الحواس.

اقتفاء أثر طه حسين

ولكن، ما الذي قاد الطفل القروي الغارق في عزلته وهشاشته إلى تلمس أهوال الكتابة؟ يجيب بأن "سيرة طه حسين ’الأيام’، المقررة في المنهاج المدرسي، كانت من بين أهم محفزات الكتابة. زودنا المبصر العظيم الأحلام، ومنحنا اليقين بقدرتنا على تحقيقها".

يتقاطع هذا الكتاب مع كتاب آخر هو" كتاب الغواية" الذي أتى على هيئة رسائل إلكترونية في الشوق والوجد والغياب

من ضفة أخرى سيجد عزت القمحاوي في العمل الصحافي ملاذا للكتابة الموازية التي علمته المزج بين بلاغة اللغة الأدبية ورشاقة العبارة الصحافية في دورق واحد، وإدراك الفرق بين متطلبات الطريق السريع بالنسبة الى الصحافة، والتأمل في الحارات الملتوية بما يخص الأدب واعتبار القارئ شريكا في إتمام الحكاية، من دون أن ينكر فضل عشرات الآباء الموسوعيين أمثال الجاحظ والتوحيدي والاصفهاني، وشهرزاد "ألف ليلة وليلة"، في هندسة الروح الداخلية لنصه.

غلاف كتاب "الأيام"

"ما من نص بلا نسب وشجرة عائلة"، أو كما يقول رولان بارت "لا توجد كلمة عذراء". ما بين الرحلة الاستكشافية الأولى في كيفية حراثة الأرض البكر للفكرة، وتدوين النص، يغنم الروائي مفاجآت وعطايا لم تكن في حسبانه، فهي تأتيه أثناء رحلة الكتابة لا قبلها، وتاليا يصعب إغلاق قوس الحكي على أفكار جاهزة سلفا في رسم مصائر الشخصيات، مؤكدا "ضرورة امتلاك الجسارة والحيلة لمنازلة الزمن".

الطاهي والروائي وطحين المخيلة

يحيلنا صاحب "الحارس" في هذا الكتاب إلى كتاب آخر من الفصيلة السردية ذاتها هو" الطاهي يقتل الكاتب ينتحر"، إذ يستدرج بمهارة مفردات طهي الطعام إلى مطبخ الرواية، فكلاهما يحتاج إلى تحضير وبنية تحتية ونكهة، داعيا الروائيين إلى تأنيث أرواحهم، واقتحام المطبخ من بابه الواسع بقصد تحضير وجبة سردية شهية، من دون أن يسهو عن المقادير المطلوبة أو لحظة النضج، "فلا يخرج عمله نيئا أو شائطا".

بين هاتين الضفتين، تتراكم التوابل والروائح والمكونات بمشيئة المعرفة والحدس والذائقة، فكثرة الدقيق تفسد العجين المطلوب للوجبة، مثلما الثرثرة تفسد النسيج الروائي وتحيله إلى حطام حكاية. لكن الفرق بين الطاهي والروائي، وفق ما يقول: "إن الأول يحول الأرواح إلى أشباح، بينما الثاني يطيح الحكاية الأصلية موزعا روحه على أشباح شخصياته بأكبر قدر من التخفي"، فطهي الوجبة السردية يحتاج إلى الصبر والحيلة في إشعال موقد النار، ذلك أن الروائيين الأوفياء لحواسهم ينتبهون إلى أهمية الطبخ داخل نصوصهم.

غلاف رواية "الطاهي يقتل الكاتب ينتحر"

ويشير إلى انتقال ظاهرة "الكيتش" من الطبخ إلى الرواية. ذلك المفهوم الذي بات موضة رائجة لتحقيق نجومية طاغية، من طريق "طهي الولائم الكبرى، والتصعيد الخيالي للدسم: محشي ورق العنب في جوف خروف، عجل مشوي بكامله، أكبر سمكة في العالم، وأطول إصبع كفتة".

نقع على المفهوم نفسه في تلك الروايات الضخمة "المحشوة بألوان الاستعراض الخيالي والمعلوماتي لإشباع نهم تاريخي لدى قرائهم"، فالكيتش الروائي الذي يضرب حصارا خانقا حول الذوق، لا يعترف بالنغم الخفيض، ساعيا بنهم إلى تصدير الفخامة والأبطال الخارقين والأحداث الخطرة، لكن ما ينقص هؤلاء الطهاة الأدبيين "الروح، غياب اللهب الذي يحرك الكاتب"، ويضيف: "ربما تخدع الدانتيلا الزائفة النظر، لكن خذلان الأصابع عند اللمس يدمر كل أثر للنظرة".

روح المكتبة ورائحة المطبخ

تكمن أهمية اشتغالات عزت القمحاوي إذن، في النظرة الأنثروبولوجية لمفردات الفضاء العام، وسوسيولوجيا الطهي، والشهوات الإيروتيكية، باستنفار ذائقة مضادة لما هو متروك جانبا وفحصه عن كثب بمبضع نقدي حاد وتقليبه في موقد النار حينا، وموقد الحكاية طورا، وذلك في نزهات تزاوج بين روح المكتبة وروائح المطبخ.

يستدرج بمهارة مفردات طهي الطعام إلى مطبخ الرواية، فكلاهما يحتاج إلى تحضير وبنية تحتية ونكهة

يعترف صاحب "مدينة اللذة" بأنه ينفق وقتا طويلا في اقتناص الجملة الأولى في الرواية، مرددا صياغات متخيلة، أثناء المشي أو الأكل أو التأهب للنوم إلى أن يقبض عليها كخيار نهائي، الأمر الذي يقوده إلى استراتيجيات تعينه على معرفة ما الذي ستؤول إليه هذه الحمى بما فيها الطول الذي ستكون عليه الرواية، والدمغة النهائية لأسماء الشخصيات، وهو بذلك يعول على الرحلة أكثر مما يعول على لحظة الفراق. المسألة لا تنتهي عند هذا الحد، فعقب الانتهاء من كتاب، يشعر بالإحباط والخواء والشك في مراودة مخاض آخر إلى أن يعالجه بارتكاب "حماقة" جديدة، مدفوعا بامتحان مقدرته على اجتياز الأسلاك الشائكة مرة أخرى بقوة دفع الألم والإيمان بما يكتب.

غلاف رواية "مدينة اللذة"

وفي حال تعطل عمل المخيلة مؤقتا، يلح عزت القمحاوي على ضرورة اللجوء إلى هدنة مع الكتابة والتعويض عنها بالقراءة، خصوصا الكلاسيكيات الكبرى، والعناوين الجديدة المتراكمة إلى جانب السرير، كأنها أدوية لعلاج الصداع وأمراض العزلة، وبهجة السفر إلى المجهول. عدا الهدنة المؤقتة، قد يواجه الروائي بجفوة طويلة سببها عناد الفكرة عن الاكتمال، وتوقف المحرك عن العمل إلى أن تبزغ الفكرة ثانية بتحريض من منظر جانبي لا يخصها مباشرة، إذ سيبدأ صاحب "غربة المنازل" روايته الأخيرة "بخلاف ما سبق" من حيث انتهت روايته "ما رآه سامي يعقوب"، بما فيها اسم البطل وطباعه الخاصة، زاجا به من فضاء مديني مغلق إلى مزرعة لتربية الحيوانات، المزرعة التي خبرها الروائي عن كثب في بيته الريفي، ومنحته دروسا بليغة في طبائع الحيوانات والنباتات والأشجار.

غلاف رواية "غرفة ترى النيل"

هذا الإغواء السردي في اللعب بمصير الشخصية، وتقليب تربة الحدث، جعله يقول "والآن، لا أستطيع معرفة إن كنت سأعود إلى سامي يعقوب يوما في رواية ثالثة، لكن حدسي يخبرني أن فراقنا مؤقت". 

في حال تعطل عمل المخيلة مؤقتا، يلح عزت القمحاوي على ضرورة اللجوء إلى هدنة مع الكتابة والتعويض عنها بالقراءة، خصوصا الكلاسيكيات الكبرى

نخرج من ممرات الكتاب المتشعبة مبللين بشغف مشابه لما عاشه الروائي، نتوقف أمام رفوف مكتبته، ومسودات كتبه، ونساء رواياته، ولحظات الإبصار والعمى، النيئ والمطبوخ في الكتابة، وحيرته في توطين عناوين كتبه، وأسفاره بين الأمكنة وكتب الآخرين، وشطط المخيلة في نكء الآلام الشخصية واستثمارها في مطحنة الكتابة برائحة الهال التي تهب من السطور. كأننا حيال ورشة قراءة وكتابة، لا تكترث بالوصفات الجاهزة بقدر عنايتها بصدق التجربة، ومعنى العيش مع الكتب ومن أجلها، ومتى يتعمق مسار نهر الكتابة أو يجمح وينحرف بعيدا عن المجرى. وندرك متأخرين لماذا اختار عزت القمحاوي فعل "أحاول" عنوانا لكتابه، إذ يورد عبارة حصيفة بقوله "إن كان الزمن جرحا فالمضارع هو مركز الألم فيه".

font change

مقالات ذات صلة