المساجد في السعودية... شبكة دينية ضخمة بين الدولة والوقف والمجتمع

تمثل المساجد في المملكة واحدة من أكبر الشبكات الدينية في العالم الإسلامي

سعوديبيديا
سعوديبيديا
واجهة جامع الراجحي في مدينة الرياض

المساجد في السعودية... شبكة دينية ضخمة بين الدولة والوقف والمجتمع

تمثل المساجد في المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر الشبكات الدينية في العالم الإسلامي. فهي منظومة واسعة تتداخل فيها الدولة، والمتبرعون، والأوقاف، والجمعيات الأهلية، وعشرات الآلاف من الأئمة والمؤذنين والخطباء والعاملين.

وإدارة هذه المهمة المعقدة من مسؤولية وزارة الشؤون الإسلامية التي أعادت تنظيمها وترتيبها بعد أن كانت تمثل مشكلة نتيجة تداخل الصلاحيات، والنشاطات الفردية المسيطرة عليها سابقا. وقد مرت تلك الإصلاحات بسلاسة كبيرة، حيث شهدت إدارة دور العبادة انضباطا وتنظيما، ووسعت أعمالها لخدمة المجتمع.

وقد تمت برمجة المساجد والجوامع السعودية في السنوات القليلة الماضية لتكون منبرا للاعتدال والوسطية. وأشادت المؤسسات الإسلامية العالمية بالتجربة السعودية ودور وزارة الشؤون الإسلامية في العناية ببيوت الله ونشر الدعوة، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، عبر إطلاق البرامج العلمية والدعوية التي تركز على تنمية القيم الإسلامية في نفوس الناس وتحذر من الغلو والتطرف، وتدعو للتسامح والتعايش.

تُظهر أحدث الأرقام الرسمية المتاحة أن عدد المساجد والجوامع ومصليات العيد في السعودية بلغ نحو 98356 موقعا بنهاية عام 2018. ويشمل هذا الرقم 15134 جامعا تقام فيها صلاة الجمعة، و3843 مصلى عيد، إضافة إلى نحو 79 ألف مسجد تقام فيها الصلوات الخمس اليومية.

تتوزع المساجد السعودية على جميع المناطق، من المدن الكبرى إلى القرى والهجر والطرق السريعة. وتظهر البيانات التفصيلية السابقة أن مناطق مثل عسير ثم الرياض ومكة المكرمة تأتي في المقدمة

ومع استمرار البناء والتوسع العمراني ومشاريع المتبرعين خلال السنوات اللاحقة، يبدو من المعقول أن العدد الحالي يقترب من نطاق 100 إلى 102 ألف موقع عباده. وهذا تقدير تحليلي وليس رقما رسميا، حيث إن عدد المساجد بشكل عام بلغ نحو 98 ألفا في الإحصائيات الرسمية لعام 2018.

خريطة المساجد... أكثرها في عسير

تتوزع المساجد السعودية على جميع المناطق، من المدن الكبرى إلى القرى والهجر والطرق السريعة. وتظهر البيانات التفصيلية السابقة أن مناطق مثل عسير ثم الرياض ومكة المكرمة تأتي في مقدمة المناطق من حيث عدد المساجد والجوامع والمصليات.

واس
جامع الراجحي في مدينة حائل

ويعود هذا الانتشار الكثيف إلى عوامل عدة؛ أبرزها النمو السكاني، والتوسع العمراني، وطبيعة المجتمع الدينية، وثقافة الوقف والتبرع، إضافة إلى الدور التنظيمي الكبير الذي تقوم به وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد.

عدد السعوديين في القطاع

وفيما يتعلق بعدد السعوديين العاملين في قطاع المساجد، فإن البيانات الرسمية المتاحة تشير إلى وجود نحو 93826 وظيفة معتمدة لمنسوبي المساجد والجوامع، منها 84455 وظيفة دينية مباشرة تشمل الأئمة والخطباء والمؤذنين. وبحكم أن شغل هذه الوظائف يخضع في السنوات الأخيرة لسياسات التوطين والتعيين للمواطنين السعوديين، يمكن القول إن الغالبية العظمى من شاغلي هذه الوظائف سعوديون. ومع ذلك لا توجد إحصائية حديثة منشورة تحدد بدقة عدد السعوديين العاملين فعليا في جميع وظائف المساجد على مستوى المملكة في سنة معينة، لذلك يبقى الرقم الأقرب المتاح هو نطاق يتجاوز 60 ألفا من الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويرتفع إلى أكثر من ذلك عند احتساب الوظائف الخدمية والإدارية المرتبطة بالمساجد.

أكبر المؤسسات الوقفية

كما أسهمت مؤسسات وقفية وخيرية كبرى في دعم بناء المساجد وتطويرها، من بينها "مؤسسة سليمان بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية"، و"مؤسسة محمد وعبدالله إبراهيم السبيعي الخيرية" (غروس)، و"مؤسسة الشيخ عبدالعزيز بن باز الخيرية"، و"مؤسسة الأميرة العنود الخيرية". إلى جانب عدد من الأوقاف العائلية والصناديق الوقفية والجمعيات المتخصصة التي تمول مشاريع إنشاء المساجد وترميمها وتجهيزها في مختلف مناطق المملكة.

منظومة العاملين في المساجد كبيرة نتيجة للشبكة الكبيرة من دور العبادة نفسها. فالكتاب الإحصائي لوزارة الشؤون الإسلامية لعام 2019-2020 أظهر وجود 93826 وظيفة معتمدة لمنسوبي المساجد والجوامع

الأرقام تشمل مصليات العيد، وبعضها يقتصر على المساجد والجوامع، وبعضها قد يحتسب المساجد التي أعيد ترميمها أو التي انتقلت من مرحلة إلى أخرى.

من يبني المساجد؟

السمة اللافتة في الحالة السعودية أن الدور الأهم في عمارة المساجد للدولة وتحديدا وزارة الشؤون الإسلامية، ويشاركها الأفراد. فالمتبرعون وفاعلو الخير والأوقاف العائلية والجمعيات الخيرية يلعبون دورا مساندا في بناء المساجد وترميمها وتجهيزها.

وقد أعلنت وزارة الشؤون الإسلامية أن مشاريع فاعلي الخير خلال خمس سنوات بلغت نحو 5.844 مليار ريال، وشملت البناء والترميم والفرش والتكييف. كما صرحت الوزارة بأن 3502 مسجد وجامع بُنيت بتكلفة تقارب 8.696 مليار ريال.

الحكومة تقوم إضافة إلى البناء كذلك بالدور التنظيمي والتشغيلي والرقابي، وتشرف على التراخيص، واستلام المساجد، وتعيين الأئمة والمؤذنين، وإدارة كثير من جهود الصيانة والنظافة والتشغيل.

المساجد المنشأة بالتبرعات

رغم وضوح الدور الكبير للتبرعات، لا توجد إحصائية تقسم كل المساجد القائمة في المملكة إلى مساجد بُنيت بتبرعات، ومساجد بُنيت بتمويل حكومي مباشر.

المؤكد أن وزارة الشؤون الإسلامية عملت خلال السنوات القليلة الماضية على تنظيم عمارة المساجد للتأكد من سلامة المنظومة وهناك آلاف المساجد شُيّدت عبر المتبرعين خلال السنوات الأخيرة.

ولا تزال التبرعات خارج الوزارة تشكل قناة أخرى في الإضافات الجديدة للمساجد، وليست جميعها تحت إشراف الوزارة.

الأئمة والمؤذنون... مئة ألف

منظومة العاملين في المساجد كبيرة نتيجة للشبكة الكبيرة من دور العبادة نفسها. فالكتاب الإحصائي لوزارة الشؤون الإسلامية لعام 1441/1442هـ (2019-2020) أظهر وجود 93826 وظيفة معتمدة لمنسوبي المساجد والجوامع.

شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة توسعا واضحا في الجمعيات الأهلية المتخصصة في بناء المساجد أو العناية بها أو صيانتها أو خدمة مساجد الطرق

وأهمها 84455 وظيفة دينية مباشرة تشمل الأئمة والخطباء والمؤذنين. ويتوزع ذلك تقريبا بين 35031 إمام مسجد، و28104 مؤذني مساجد، و12875 إماما وخطيبا للجوامع، و8445 مؤذن جامع، إضافة إلى أكثر من 9 آلاف وظيفة خدمية.

وخلال السنوات الأخيرة توسعت الوزارة في التوظيف عبر مسارات مختلفة. فقد أعلنت في 2023 تعيين 25714 إماما ومؤذنا على نظام العقود، و24180 على بند المكافآت. ثم أعلنت لاحقا فتح 31 ألف وظيفة جديدة على نظام المكافآت لمنسوبي المساجد.

كم يتقاضى الإمام والمؤذن؟

تختلف أجور الأئمة والمؤذنين في السعودية بحسب نوع التوظيف: هل هو عقد، أم مكافأة، أم وظيفة خاصة، أم تكليف في الحرمين الشريفين؟

في أحد الإعلانات الرسمية لوظائف الإمام والمؤذن على نظام العقود، ظهر راتب 6000 ريال شهريا لحامل البكالوريوس، و4500 ريال لحامل الثانوية.

أما نظام المكافآت المتداول، فتتدرج فيه المبالغ بحسب نوع المسجد والفئة.

فإمام جامع فئة (أ) يحصل على نحو 4570 ريالا شهريا، وإمام جامع فئة (ب) على 3675 ريالا، وإمام مسجد فئة (أ) على 2980 ريالا، ثم تنخفض المكافآت إلى 2385 و1890 ريالا لبعض الفئات الأخرى. أما مؤذن الجامع فيتلقى نحو 1790 ريالا، ومؤذن المسجد نحو 1395 ريالا.

هذه القيم ليست بالضرورة دقيقة، حيث تختلف بحسب الموقع ومدة الخدمة.

أما فيما يخص الحرمين الشريفين فلهما وضع خاص، ولا ينطبق عليهما سلم أجور المساجد الأخرى.

كم تنفق الدولة على رواتب الأئمة والمؤذنين؟

إذا أُخذت القاعدة الوظيفية المعتمدة للأئمة والخطباء والمؤذنين، وهي نحو 84.5 ألف وظيفة دينية مباشرة، واستخدمت شرائح المكافآت المتداولة، فإن تقدير الإنفاق السنوي على هذه الفئة وحدها يمكن أن يبلغ تقريبا ثلاثة مليارات ريال سنويا.

الجمعيات المتخصصة في المساجد

وقد أثار حديث وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودي الشيخ عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ لصحيفة "إندبندنت عربية" نقاشا حادا حول عدم رضاه عن التبرعات التي تذهب مباشرة لجمعيات دون تراخيص أو دون إشراف حكومي متخصص. وحذر الوزير آل الشيخ من الثقة في الجمعيات غير المرخصة والتي تسعى لجمع الأموال دون إشراف حكومي.

وردا على سؤال حول وجود جمعيات تتكفل ببناء المساجد، قال الوزير إن الوزارة لا تعتمد على الجمعيات في هذا الملف، مضيفا أن المساجد تسلم مباشرة إلى المحسنين الموثوقين. ونبه إلى أن أي جهة تطلب تبرعات لبناء مسجد في مكة أو غيرها إذا لم تكن لديها موافقات رسمية واضحة من الوزارة يفترض أن لا تكون محل ثقة المتبرعين.

واس
مسجد التنعيم في مكة المكرمة

وقد شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة توسعا واضحا في الجمعيات الأهلية المتخصصة في بناء المساجد أو العناية بها أو صيانتها أو خدمة مساجد الطرق.

ويمكن القول إن هناك العشرات فيها ما لا يقل عن 20 جمعية مرخصة متخصصة تعمل في هذا المجال. فالسجل الرسمي للقطاع غير الربحي يتغير، كما أن بعض الجمعيات العامة لديها برامج للمساجد دون أن يكون اسمها متخصصا في ذلك. وهذا ما أثار النقاش في الفترة الأخيرة حيث إن بعض هذه الجمعيات لا ترتبط بوزارة الشؤون الإسلامية أو تخضع لإشرافها.

أرست السعودية في عام 2025 عددا من العقود لصيانة ونظافة وتشغيل 6478 مسجدا وجامعا بقيمة إجمالية بلغت نحو 408.2 مليون ريال. وهذا الرقم لا يمثل كل إنفاق المساجد، لكنه يعطي مؤشرا واضحا على حجم الكلفة التشغيلية

من أبرز الجمعيات والجهات العاملة في مجال خدمة بيوت الله: "جمعية العناية بالمساجد وخدماتها" (مآذن) في الرياض، و"جمعية العناية بمساجد الطرق"، و"جمعية رعاية المساجد بمحافظة جدة"، و"جمعية عمارة المساجد والعناية بها" (تعظيم) في مكة المكرمة، وجمعية "يعمر" للعناية بالمساجد في المنطقة الشرقية، وجمعية "محاريب"، وجمعيات محلية في الجبيل والرس وعنيزة والقصيم وتبوك والجوف وغيرها.

هذه الجمعيات لا تعمل فقط في البناء. بل تشمل أعمالها الترميم، والفرش، والتكييف، والنظافة، وتجهيز دورات المياه، وخدمة المساجد الواقعة على الطرق الطويلة، وهي من أكثر المساجد احتياجا للصيانة المستمرة بسبب كثافة الاستخدام.

هل المتبرع ملزم بصيانة المسجد بعد بنائه؟

المتبرع إذا بنى المسجد وسلمه للوزارة، وتم قبوله وفق الإجراءات النظامية، ليس ملزما تلقائيا بصيانته.

وتوجد استثناءات مهمة. فإذا أنشأ المتبرع وقفا مخصصا للمسجد، فإن ريع الوقف يصبح موجها للصيانة أو التشغيل بحسب شرط الواقف. وإذا وقّع المتبرع تعهدا أو اتفاقا خاصا مع الوزارة يشمل الصيانة، فإنه يلتزم بما ورد في الاتفاق. أما قبل التسليم النهائي، فيبقى المتبرع مسؤولا عن استكمال متطلبات البناء والاعتماد الفني.

وهذا فتح باب النقاش لماذا بعض المساجد لها أوقاف مستقلة أو متبرعون دائمون، بينما تدخل مساجد أخرى في منظومة الوزارة وعقود التشغيل والصيانة.

الصيانة والتشغيل... الكلفة الصعبة

بناء المسجد هو البداية فقط، أما التشغيل اليومي فهو الكلفة المستمرة. فالمسجد يحتاج إلى كهرباء، ومياه، وتكييف، ونظافة، وفرش، وصيانة دورية، وإصلاحات عاجلة.

مسجد الرحمة في جدة

ومع وجود ما يقارب 100 ألف مسجد وجامع ومصلى، تصبح الصيانة تحديا ماليا وإداريا ضخما.

وقد أعلنت وزارة الشؤون الإسلامية أنها أرست في عام 2025 عددا من العقود لصيانة ونظافة وتشغيل 6478 مسجدا وجامعا بقيمة إجمالية بلغت نحو 408.2 مليون ريال. وهذا الرقم لا يمثل كل إنفاق المساجد، لكنه يعطي مؤشرا واضحا على حجم الكلفة التشغيلية.

كما أعلنت الوزارة في فترات مختلفة عن عقود في مناطق محددة، مثل عقود لصيانة أكثر من ألف مسجد وجامع بقيم تتجاوز عشرات الملايين من الريالات.

هل توجد ميزانية مستقلة للمساجد؟

يصعب إعطاء رقم واحد نهائي لميزانية المساجد. والأدق هو تحليلها من خلال ثلاثة مكونات:

الأول: الرواتب والمكافآت، وهي غالبا أكبر بند.

الثاني: عقود الصيانة والنظافة والتشغيل.

الثالث: مشاريع البناء والترميم، سواء كانت بتمويل حكومي أو عبر المتبرعين.

السعودية تضم ما لا يقل عن 100 إلى 102 ألف دار عبادة. وخلال السنوات القليلة الماضية غيرت وزارة الشؤون الإسلامية مفهوم العمل وقامت بتطويره بشكل أكثر كفاءة

وبناء على الأرقام المتاحة، يمكن القول إن الإنفاق المرتبط بالمساجد يصل إلى مليارات الريالات سنويا إذا جُمعت الرواتب والعقود والصيانة والمشروعات، لكن الرقم النهائي يحتاج إلى إفصاح تفصيلي من وزارة الشؤون الإسلامية أو وزارة المالية.

قصة المساجد في السعودية هي في جوهرها قصة شراكة طويلة بين الدولة والمجتمع. الدولة تبني وتنظم وتشرف وتعين وتراقب وتدير. والمتبرعون كذلك يمولون ويوقفون الأموال والعقارات. وبعض الجمعيات تعمل كحلقة وصل بين الطرفين، فتجمع التبرعات وتدير المشاريع وتنفذ الترميم والصيانة. هذه الشراكة جعلت المملكة تملك واحدة من أكبر شبكات المساجد في العالم الإسلامي، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث الانتشار الجغرافي والتشغيل اليومي.

ويمكن تلخيص الصورة في أن السعودية تضم ما لا يقل عن 100 إلى 102 ألف دار عبادة. وخلال السنوات القليلة الماضية غيرت وزارة الشؤون الإسلامية مفهوم العمل وقامت بتطويره بشكل أكثر كفاءة، حيث يقوم على قاعدة بشرية ضخمة تضم عشرات الآلاف من الأئمة والخطباء والمؤذنين، مع توسع حديث في العقود والمكافآت. وفي النهاية، ليست المساجد في السعودية مجرد منشآت دينية. إنها شبكة اجتماعية وإدارية واقتصادية ضخمة، تتطلب تمويلا مستمرا، وإدارة يومية، وعقود صيانة، وكوادر بشرية واسعة.

font change