لا يزال الكاتب والروائي علاء الديب حاضرا في الوسط الثقافي المصري، بعد عشر سنوات على رحيله في مثل هذا اليوم، بما أدخله من تجديد أدبي، وبما تركه من إرث ونقدي بارز. وها هو "كتاب في كلمة، كلمة في كتاب"، الصادر عن "الهيئة العامة لقصور الثقافة" (2023) يمثل خطوة جديدة في جمع مقالات ذلك الصحافي والأديب الاستثنائي الذي قرأ عن الجميع وقدم الكثير من الأدباء من ابناء جيله والأجيال التالية، حتى أصبحت كلمته وتعليقه على أي كاتب بمثابة شهادة أدبية رفيعة القدر.
ولد علاء الديب في حي المعادي بالقاهرة عام 1939، في عائلة من الطبقة الوسطى، عمل والده مهندسا زراعيا، فيما كان أخوه الأكبر بدر الديب أحد رموز الثقافة والأدب في مصر في الستينات. تخرج في كلية الحقوق عام 1960 وسافر في بعثة في مطلع السبعينات لنيل دبلوم في الترجمة في المجر حتى وفاة عبد الناصر التي أحدثت في داخله شرخا كبيرا، ثم سافر في تجربة صحافية قصيرة للعمل في الخارج، ولم يطل به المقام هناك فعاد لممارسة العمل الصحافي في مؤسسة "روز اليوسف".
بدأ الديب كتابته الأدبية بمجموعة قصصية حملت عنوان "القاهرة" عام 1964، في وقت شهد العديد من التحولات الكبرى بعد ثورة يوليو 1952، وكانت بمثابة شهادة ميلاد أدبية توضح خصوصية موهبته، وقد أشاد بها العديد من النقاد في ذلك الوقت، كما كانت تعبيرا بليغا عن أزمات المثقف المصري وهمومه آنذاك. تناولت المجموعة حكاية فتحي، الشاب الوحيد الذي يعمل موظفا في المتحف الزراعي، ويجد نفسه متورطا بامرأة تريده أن يتزوجها، فيستسلم لطلبها لكنه ينهي حياتها بيديه.
تبدو القصة على قصرها وتكثيفها وصفا موجزا دالا لحال موظف الطبقة الوسطى في ذلك المجتمع الذي لا يتمكن من التأقلم معه. تسود في باقي قصص المجموعة روح الوحدة والاغتراب، حتى في القصص التي تدور أحداثها في القرية، وتبدو إلى حد ما ذات نفس أسطوري. ففي قصة "الشيخة"، نجد تلك المرأة التي تتمتع بقدر من السطوة، فهي تعرف كل شيء وتمسك بلجام الحياة لكنها تسير وحدها في الظلام، تحدد للناس مواعيد الصيد، وللبنات مواقيت الزواج، ولا يشاركها أحد، حتى يصل إليها منسي، ويتزوجها بالفعل، لكن ذلك الرجل والزوج يتحول إلى عصا رفيعة بين يدي الشيخة.
الثلاثية
فيما تبدو قصة "زهر الليمون" الأقرب إلى النوفيلا وكأنها تأسيس لمشروعه الروائي، وللثلاثية التي ستصدر بعدها بسنوات، ونجد فيها بطله عبد الخالق المسيري نموذجا للمثقف المنعزل، يعيش وحده في السويس تاركا أهله وأصدقاءه في القاهرة. تأخذنا الرواية في رحلته الدورية إلى هناك لتطلعنا على الجانب الخفي والمؤثر في حياته، فنكتشف بعد المسافة بينه وبينهم وعدم قدرته على التأقلم، مما يجعل عودته إلى مكانه الهادئ أمرا سريعا وحتميا.




