تلويحة للشعر واحتفاء بجمال الموت في "أخي لوركا" لعماد أبو صالح

الإنسان قبل الأسطورة والشاعر أولا وأخيرا

غلاف "أخي لوركا"

تلويحة للشعر واحتفاء بجمال الموت في "أخي لوركا" لعماد أبو صالح

قد نكون عرفنا وقرأنا عشرات الكتب والمقالات المطولة التي كتبت عن سير الشعراء الكبار، الذين استطاعوا أن يضيفوا إلى الشعر، لا العكس. بعضها يميل إلى تتبع حياة الشاعر لحظة بلحظة على طريقة اقتفاء الأثر، اتباعا للمنهج التاريخي، وبعضها الآخر يغوص في نفسية الشاعر، تأويلا مرة، واستنادا إلى شعره مرات، تماشيا مع المنهج النفسي. وهناك مؤلفات أخرى جمعت بين عديد من المناهج والأساليب التأملية في دراسة السير الشعرية.

لكننا، حين نتأمل كتاب عماد أبو صالح الصادر حديثا عن "ديوان للنشر" 2026، الموسوم بـ"أخي لوركا"، سنلمح نوعا آخر من السير الشعرية. ومنذ العنوان يمكن أن نخلع على هذا النوع اسم "المنهج الشعري". وهو منهج دقيق رغم اتساعه، وقدرته على الاستفادة من جميع المناهج المعروفة، وغير المعروفة ربما. قد يظن أنه طموح أكثر منه منهجا، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكن لا بد أن نتذكر جيدا، قبل الاستعجال في الحكم، أن هذا المنهج، رغم انفلاته وجموحه، محتاج أبدا إلى القبض على بوصلة الشعر، أو جمرته إن شئنا.

ومن يعرف عماد أبو صالح، وتسربت إليه تجربته الشعرية، سيعرف، بل سيتأكد، أن عماد ليس في يده ولا في جيبه، ولا في الهواء الذي يتنفسه، غير هذا الوجع الجميل المسمى "الشعر".

منذ العنوان

قلنا: "منذ العنوان"، لأن الكتاب لا يمكن تلقيه بمثالية ضمن عنوان أو مقترح آخر. فآصرة الأخوة مفتاح مهم من مفاتيح فهم التجربة الكتابية، لأنها تحيل بالضرورة إلى مكونين رئيسين، هما الذات والجسد، لدى الشاعر المكتوب عنه، والشاعر الكاتب.

فقد سعى عماد أبو صالح سعيا حثيثا في كتابه إلى الدخول إلى نفسه، وإلى الشعر، من خلال التحديق في لوركا. وهذا لم يقتصر على التحديق في ذات لوركا عبر سيرة حياته الجامحة، من طفولته الشعرية في المنزل الأبيض بقرية نبع البقارة قرب غرناطة، مرورا بصداقته وعلاقته الثلاثية العميقة مع الفنان سلفادور دالي والمخرج لويس بونويل، وسفره إلى بوينس آيريس ثم إلى نيويورك، وحتى اغتياله المروع في 18 أغسطس/ آب 1936، بل شمل أيضا علته الجسدية، بسبب العيب الخلقي في ساقه، تلك العلة التي أورثته شعورا دائما بالخجل من طريقة مشيه.

كان لوركا مفتونا بالجمال، تحركه الاستطيقا أينما اتجه، ولعل هذا المعنى هو المقصود النهائي والأعظم في مفهوم الأخوة الذي كان يعنيه عماد أبو صالح

كل هذا السعي خلف تتبع أثر لوركا هو، في ظننا، تتبع للذات وللشعر أيضا. فكل تفصيلة صغيرة، وكل منبت حكائي أو حدث تاريخي في حياة الشاعر المكتوب عنه، سنجد له صدى في حياة الشاعر الكاتب، الذي اختزله أبو صالح بذكاء في معنى آصرة الأخوة.

والأخوة هنا بمعناها الإنساني، لا الديني أو العقدي، التي أفنى لوركا حياته من أجلها منذ طفولته، حين كان يرى جيرانه الفقراء يعلقون ملابسهم ويبقون عرايا في البرد حتى تجف، وهو ابن العائلة الغنية التي تمتلك الكثير من الأراضي الزراعية. وفي ميله الجامح إلى الغجر المهانين، وسعادته بطقوسهم الغريبة والجميلة، إلى العرب المنفيين من الفردوس الأندلسي، الذين رأى فيهم الجذر الفني والجمالي الفريد لوطنه إسبانيا.

كان لوركا مفتونا بالجمال، تحركه الاستطيقا أينما اتجه: في المسرح، والغناء، والرقص، وبطبيعة الحال في الشعر، أرومة الجمال الكبرى. ولعل هذا المعنى هو المقصود النهائي والأعظم في مفهوم الأخوة الذي كان يعنيه عماد أبو صالح، حين ربط نفسه بلوركا من خلال عنوان كتابه.

الشعر كل شيء

لا نستطيع أن نتماهى مع هذا الكتاب إذا نحينا الشعر، ولو لوهلة. فالكتاب، في أهم جوانبه الفنية، كتاب في "صنعة الشعر"، ليس على طريقة محاضرات بورخيس، بالطبع، التي تذهب في كل اتجاه من أجل القبض على تعريف نهائي للشعر. لا، الأمر في "أخي لوركا" مختلف تماما.

إنه كتاب مؤثر شعريا، نعني بذلك أنه في الدرجة الأولى، باب في منبت الشعر ومساره الحتمي داخل الروح البشرية، باختلاف ثقافة هذه الروح. كان سهلا للغاية أن يخطف انتباهنا كتاب في تتبع أثر حياة لوركا الضاجة بالميلودراما والصخب الفني، لكن كتاب عماد هذا يعيدنا، في كل مرة، إلى المنبت الشعري في كل حكاية يرويها عن لوركا.

فالكتاب ينطلق من الشعر إلى لوركا، لا العكس. وكان اختياره لوركا في غاية الذكاء والدراية، فالشاعر الذي شغل الشعر نفسه، وأثر في كل جيل شعري لحقه، كان ابنا حقيقيا من أبنائه المخلصين، إلى درجة أنه قدم نفسه، وبكل ما أوتي من شعر، قربانا لناره المتوقدة، تلك التي لا تشبع من حصد الروح البشرية منذ أن تلفظ الإنسان به.

Jorge Guerrero / AFP
خوان دييغو يعرض صورة للشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا في ألفاكار قرب موقع يُعتقد أنه دُفن فيه، 18 نوفمبر 2014

لهذا سنجد الكتاب لا يدافع عن شعرية لوركا بقدر دفاعه عن الشعر الذي عبر من خلاله. وكان من الطبيعي أن يدفع ثمرة شبابه من أجله. ويختلف عمالقة البحث عن منابت الشعر في تجربته: فمنهم من يصفه بالغنائية، ومنهم من يحسده على حظه جراء ميتته الشعرية القاسية والجميلة في آن، تلك التي جعلت صديقه السابق سلفادور دالي، حين قرأ نبأ إطلاق النار عليه، يصيح "أوليه!"، الهتاف الذي يعبر عن الفرح في إسبانيا بعد كل طعنة ناجحة يوجهها مصارع الثيران إلى قلب الثور.

وقد استفزت هذه الصيحة صديق دالي، الروائي والناقد الفرنسي آلان بوسكيه، فقال له: "من المثير للاشمئزاز التحدث بهذه الطريقة عن جريمة قتل شاعر عظيم"، ليرد عليه دالي قائلا: "لكنها استطيقية للغاية".

أما بورخيس فكتب عن لوركا، بعد سنوات من موته: "شاعر قاصر، مجرد مؤلف تصويري، قصائده لا تثير الشغف، وتكشف عن برودة عاطفية"، وأرجع الفكرة المثالية عنه في الأرجنتين إلى أنه محظوظ بإعدامه.

ولو تتبعنا كل حكاية شهيرة يوردها الكتاب عن لوركا، لوجدنا تعليقا أو إشارة شعرية يعيدنا من خلالها عماد أبو صالح إلى الشعر، وكأن حياة لوركا في الكتاب ما هي إلا دليل جمالي باذخ من أدلة الشعر، وواد من الأودية التي ينزل إليها الشاعر ليعب من نفحات الشعر، جماله وألمه الشفيف، حتى استحال الكتاب، في النهاية بيانا شعريا قد يكون مفيدا ونافعا من الناحية السيرية والحكائية، لكنه في اللحظة نفسها تعبير شعري وجمالي في محاولة فهم ماهية الشعر.

لذلك ربما سيجد شاعر ما ضالته في هذا الكتاب أكثر مما سيجد غيره، من محبي قراءة السير، ما يضاف إلى سيرة لوركا. فكل ما يمكن أن يقال عن لوركا قيل في الكتاب بالفعل، ولكن من خلال البوصلة الشعرية التي أثق أن عماد أبو صالح حدق فيها بما يكفي، ليصل بنا إلى الدويندي ونافورة الدم.

تقسيم الكتاب

اللافت في تقسيم الكتاب، الذي يعضد الرؤية التي انطلقنا منها في قراءته - بوصفه كتابا عن الشعر في المقام الأول، وعن لوركا في المقام الثاني - أنه تناول حياة فريدريكو غارسيا لوركا بالتفصيل، منذ الميلاد حتى الاغتيال، في الفصل قبل الأخير، الذي هو الأخير بصورة من الصور، لأن الفصل الأخير هو ترجمة لمقالة لوركا "لعب ونظرية الدويندي"، التي كان من الضروري ضمها إلى الكتاب بوصفها مقالة في فهم الشعر أيضا.

 Gabriel BOUYS / AFP
تمثال فيديريكو غارسيا لوركا في ساحة مغلقة بمدريد خلال الإغلاق العام بسبب كوفيد-19، 12 أبريل 2020

وهذا يتسق مع ما ذهبنا إليه، ومع تلويحة الكتاب أصلا، وكونه يرجئ الحديث التفصيلي عن لوركا حتى النهاية، في تلميح شديد الذكاء إلى أن الإحالة إلى لوركا ليست رئيسة بقدر الاهتمام به بوصفه حالة دلالية لفهم الشعر والحديث عنه من خلال لوركا.

كأن حياة لوركا في الكتاب ما هي إلا دليل جمالي باذخ من أدلة الشعر، وواد من الأودية التي ينزل إليها الشاعر ليعب من نفحات الشعر

لنعد الآن إلى الخلف ونتناول تقسيم الكتاب من بدايته، وصولا إلى الفصل قبل الأخير الذي تناولناه في السطور السابقة. يبدأ الكتاب بما يشبه المقدمة القصيرة جدا، بعنوان "أخو الجميع"، يحيل فيها عماد أبو صالح إلى قيمة رئيسة من قيم الجمال، ستكون لاحقا أحد أهم مؤشرات البحث عن الشعر في حكاية لوركا، وهي حضور الموت بوصفه قصيدة. يقول أبو صالح: "صحيح أنه لا تفضيل لموت على موت، لكنّ للدم سحرا، خصوصا حين يسيل من أجساد الشعراء، ولا يتساوى ألم روح صعدت من حنجرة، مع ألم روح طلعت من الجرح. إن الشاعر الصغير في حياته يصغر بعد مماته، ولوركا كان كبيرا في الحياة، ويكبر يوما بعد يوم في الموت، يستحق".

إذا لم تلاحظ الفرق بين "صعدت" و"طلعت"، فأعد قراءة الاقتباس. ومن المؤكد أننا سنفزع من كلمة "يستحق!"، لا بأس، سنطالع في الكتاب فزعا كثيرا من هذا النوع، وكله يصب في مصلحة نافورة الدم الشعرية: الموت بوصفه قصيدة.

في الفصل الأول الموسوم بـ"عاشق العرب"، نلاحظ أن أبو صالح لا يميل إلى تصديق فكرة أصول لوركا العربية، بل يذهب في اتجاه آخر، موصوف في العنوان نفسه، وهو أنه كان بالفعل عاشقا للعرب، لا العرب بوصفهم ثقافة فحسب، بل كمكون حضاري أسهم في خلق وترسيخ معاني الجمال الأندلسي، في العمارة، والأزياء التي فتن بها، وجمال الملامح، وبطبيعة الحال في الفن والغناء، اللذين اشتبك معهما لوركا أيما اشتباك، حتى غدوا مكونا أساسا في عجينته الشعرية.

JORGE GUERRERO / AFP
زوّار في فناء الأسود بقصر الحمراء في غرناطة، 24 مايو 2023

لهذا نجد لوركا، بحسب عماد، عاشقا للعرب، لأن ثقافتهم الجمالية كانت مصدرا عظيما من مصادر شعريته، كأنها هي التي ناولته القبس الشعري. فامتنانه لهم، منطلق من امتنانه لوجوده الشعري. وهذا الانعكاس، من خلال اعتماده هوية للشعر نفسه لدى عماد أبو صالح، ليس إلا مبادلة تلويحة بتلويحة، والعناق بعناق، وأخوة بأخوة، وليس من قبيل الانبطاح للشعرية الغربية في شيء. وإن عبر عماد عن ذلك بآصرة الأخوة، فليس من باب التنازل أو محاولة التعلق، كما قد يظن، بل من باب إعطاء الرجل ما يحبه وما يستحقه بطبيعة الحال.

AFP
صورة تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي للفنان الإسباني سلفادور دالي وهو الى مكتبه

الفصل الثاني، الذي جاء بعنوان "كلب أندلسي"، أتى بمثابة دفاع حاد عن شعرية لوركا وعن نسغها العربي الأندلسي، وهو ملمح في غاية النبل والذكاء، وكأن عماد أبو صالح يعيد الرجل إلى مكانته الحقيقية في الشعرية الإنسانية. ففي اللحظة التي تنكر له فيها أعز أصدقائه (دالي ولويس بونويل)، يأتي هذا الفصل ليعيد الأمور إلى مسارها الشعري، لا دفاعا عن لوركا كشخص، بل عن شعريته التي تعذر على الكثيرين فهمها كما ينبغي، أو كما شعر بها الشاعر في تلويحته.

 JORGE GUERRERO / AFP
مشهد عام لقصر الحمراء في غرناطة، 10 يونيو 2023

تلك الشعرية التي تتسرب من اللغة إلى الحياة، ومن الحياة إلى اللغة، والتي يبدو أن عماد أبو صالح يعتمدها مثالا على أثر الشعر في حياة الشاعر. هنا نعود إلى القيمة الأولى وبوصلة الكتاب: الشعر نفسه، وقدرته على أن يكون حاضرا في رقصة تانغو، أو في طعنة مصارع ثيران، أو في جمال الموت القاسي. ذلك الموت الذي مارسه لوركا بوصفه قصيدة، التقطها عماد ليرى من خلالها الوجود في هيئة دم وألم.

نجد لوركا عاشقا للعرب، لأن ثقافتهم الجمالية كانت مصدرا عظيما من مصادر شعريته، كأنها هي التي ناولته القبس الشعري

ولكي يعزز من تلك القيمة الدفاعية الشعرية عن الشاعر لوركا، نرى الشاعر عماد يفرد فصلا عظيما من فصول الكتابة لأحد اكتشافات ونفحات لوركا الشعرية، وهي نظرية "الدويندي"، وذلك من خلال الفصل الثالث، الذي أسماه "صياد الدويندي". يبدأه بعبارة نقدية - والنقد الجمالي مكون أصيل من مكونات استيعاب الشعر في الكتاب - يقول فيها: "كل قراءة تختصر لوركا في أنه شاعر غنائي تخسر متعة اكتشاف شعريته المركبة".

وكأنه يدعونا، ويدعو أصدقاءه وأعداءه من الشعراء والفنانين على السواء، إلى عدم الخسارة مرة أخرى. ثم ينبري إلى درس جمالي رفيع، في مرافعة عظيمة لا تخلو من إحالات إلى مقولات فلاسفة الجمال، وعودة إلى ربات الشعر عند الإغريق، وصولا إلى حكايات إيحائية من قصص عظماء الفن العربي، مثل محمد عبد الوهاب والشيخ مصطفى إسماعيل، في إحالات جوهرية رائعة إلى التماهي مع اكتشاف لوركا، صياد الدويندي الأول.

ذلك الاكتشاف الذي انتبه من خلاله إلى الفرق بين تلقي الشعر من الخارج (ربات الشعر)، وبين انفجاره كنافورة دم من الداخل، وارتباطه بحركة الجسد والرغبة في الجري بلا هدف.

أما في الفصل الرابع، "شاعر الأقنعة"، فينبهنا عماد أبو صالح إلى منبت آخر مهم من منابت الشعر من خلال لوركا، ومن خلال حديث أفراد عائلته عنه، وهو كونه متعددا بطبيعته، وغير قادر على الثبات على صيغة واحدة يمكن أن نعرفه من خلالها، لأنه، باختصار، ابن الحياة وابن الطبيعة، المتعددة بالضرورة واللانهائية.

وبحكم أن لوركا شاعر مفتون بجمال الحياة، لم يكن في مقدوره الظهور في شكل واحد وفريد. فهو العازف على البيانو، والهائم في المقاهي، والمسافر الأبدي، والمسرحي الذي لا يمكنه فهم الحياة خارج الأدوار المتبادلة. وكأن عماد أبو صالح يثبت، من خلال هذا الفصل، أن هذا التعدد مكون أصيل في شعرية أي شاعر حقيقي.

CRISTINA QUICLER / AFP
راقصو فرقة كريستينا هويّوس يتدربون على عرض مسرحية «Yerma» للوركا في إشبيلية، 8 يوليو 2003

كما يفتح في هذا الفصل جرحا عميقا ومتجذرا في وجدان كل شاعر، هو المفاضلة بين كون الشاعر قارئا ومثقفا كبيرا، وبين كونه لا يحتاج إلى كل ذلك، بل هو في أمس الحاجة إلى الغوص في الحياة نفسها. وهذا ما يجعل من هذا الفصل دليلا مهما على وجود الشاعر في الحياة ذاتها، لا في الحديث عنها بشكل متعالي.

غير أن الكاتب يخلص إلى رأي بالغ الأهمية في هذا الجانب، في ما يخص تجربة لوركا الشعرية، وهو أنه كان شاعرا يلعب على المسافة بين "البصر" و"البصيرة"، متحاشيا الانزلاق في ذهنية جامدة أو عفوية ساذجة.

الفصل الخامس، الذي ألمحنا إلى كونه قبل الأخير - بحكم وجود الفصل السادس، الذي نعتقد أن عماد هو من قام بترجمته - والموسوم بـ"ابن الحياة والموت"، يعيدنا إلى الجذور، وإلى حياة الشاعر الأولى بوصفه إنسانا عاش بالفعل حياته وليس أسطورة. يقدمها لنا في صيغة سيرية مرتبة، منذ البداية حتى النهاية، مع تلميحات ذكية وشعرية للغاية عن جمال حياته وصخبها، وعن طريقته في النظر إلى قصائده، التي يشبهها، بعد إرسالها إلى النشر، بأم ترسل أبناءها إلى الحرب.

يقدم لنا حياة لوركا في صيغة سيرية مرتبة، منذ البداية حتى النهاية، مع تلميحات ذكية وشعرية للغاية عن جمال حياته وصخبها، وعن طريقته في النظر إلى قصائده

كما يتوقف عند بشاعة تحويله إلى رمز وطني لكل شيء، وتقاسم فجيعة موته بين التيارات والأحزاب. لكن الشاعر الذي ينتصر لأخيه الشاعر لا يتركنا هملا بين كل هذا، بل يحيلنا إلى مقولات لوركا عن نفسه، وعن تعلقه بأرض غرناطة، حبه الأبدي الذي ارتبط باسمه إلى الأبد. إذ يقول عنها: "سنرحل، وتبقى غرناطة أبدية في الزمن، لكن هاربة من أيدي الفقراء، من يدي، ومن يدي أصغر أطفالها" … "أحن إلى غرناطة، كحنين عاشق لحبيبة ميتة".

PATRICK KOVARIK / AFP
تفاصيل أحد المباني الرئيسة في قصر الحمراء بغرناطة، 11 مارس 1999

لعب ونظرية الدويندي

بقي أن نشير أخيرا، إلى فصل الكتاب الأخير، "لعب ونظرية الدويندي"، الذي أثبته عماد أبو صالح، داخل كتابه، ليتجاور قول قديم في الشعر، مع قول حديث في الشعر والشاعر أيضا، فبالإضافة إلى أهمية محاضرة لوركا عن نظرية الدويندي وغرابتها - التي ألقاها ثناء زيارته للأرجنتين في عام 1933- نجد أن ضمها داخل دفتي الكتاب تنم عن رغبة ملحة في سبيل تفسير الشعر، ليس أي شعر، إنما ذلك النوع من الشعر الذي عرفه لوركا من خلال مطربي غجر الأندلس الذين يتحدون مقاييس البراعة في أغاني الفلامنكو بأصواتهم المضطربة، واهتدى إليه عماد من خلاله، إنه نوع من الإصرار على أن هناك مرتبة من مراتب الشعر، لا نذهب إليها، بل تأتينا، ولا نتلقاها من ملاك الشعر، ولا من ربته الإغريقية، طفرت في وجدان لوركا من خلال الفرح والحزن والنشوة والفراغ والوحدة، ووجدها عماد في وصف محمد عبد الوهاب القلق حين سمع ألحان سيد درويش. وفي صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، حين قال له أحد المريدين "صح" بعد اعتراضه عليه في المرة الأولى، إنه تماما ما يعنيه التعبير الصوفي "من ذاق، عرف". إنها طاقة الدويندي، التي تعني طاقة نافورة الدم، والزلزال الذي نرصده بعد حدوثه، والتي تحمل الشاعر والفنان، وتسلم قدمه للريح.        

font change

مقالات ذات صلة