المترجِم ليس مجرد وسيط ينقل عملا أدبيا من لغة إلى لغة أخرى، فيكسر الحاجز اللغوي الذي كان يحول دون وصوله إلى القراء الذي يجهلون لغة كتابته. هو، أحيانا، ذلك الذي يبدد العتمة التي يقبع كاتب عظيم فيها، فقط لأن لغته قليلة التداول.
أحدث مثال على ذلك هو الشاعر السلوفيني الكبير توماج شالامون (1941 – 2014) الذي كان شبه مجهول لقراء الشعر في فرنسا، إلى أن بادر الكاتب ماتياس رامبو إلى نقل ديوانه "أنا الواقع" (1985) إلى الفرنسية. ترجمة نغتنم صدورها حديثا عن دار "فاتا مورغانا" العريقة، للتعريف بهذا الشاعر الكبير، المجهول تماما في العالم العربي، قبل التوقف عند ديوانه المذكور الذي يشكل ركنا أساسيا في مشروع شعري طلائعي فريد، تتقاطع فيه تأثيرات السوريالية الفرنسية والمستقبلية الروسية والحداثة الأميركية.
سئمتُ صورة قومي
في مقدمة رامبو لهذا العمل، نعرف أن شالامون، حين كان طالبا في تاريخ الفن في ليوبليانا مطلع الستينات، كان يحلم بأن يصبح "طبيبا أنيقا لمرضى أثرياء في مدينة استوائية". لكن هذا الحلم تبخر يوم كتب قصيدته الأولى، "بالمصادفة، بدافع الغيرة من نجاح زميل في السكن، كان ينشر قصائده في مجلة "آفاق"، إعجابا بالشاعر دانِه زايتس، أو لأسباب أخرى كان يختلقها في مقابلاته". قصيدة استهلها ببيت يكشف منذ البداية ملامح قدر كوزموبوليتي: "سئمتُ صورة قومي/ فهاجرتُ".
حين كان يُسأل شالامون عن تجربته الشعرية وطابعها الغريب، كان يجيب بصور أكثر غرابة، قبل أن يوضح أن غايته هي تفكيك مواد ثم إعادة تركيبها ضمن علاقات جديدة. ولأنه كان يحتقر "المنابر المتعفنة" التي كانت تُعرض عليه "لإطالة عمر تقاليد محافظة مملة"، وضع منذ وقت مبكر خطة لـ"تفجير الجبل" كي يحصل على حجارة يبني بها "الكوخ" الذي كان يتخيله، وهو كوخ تبين لاحقا أنه قصر. من هنا، لم يكن ممكنا لطموح فردي من هذا النوع إلا أن يصطدم بالمجتمع، خصوصا حين يكون مجتمعا شيوعيا.



