الديون السيادية الخليجية على مسار الإصلاح والتنمية

جدارة ائتمانية مرتفعة وتمويل يعزز كفاءة الاقتصاد غير النفطي

إدوارد رامون
إدوارد رامون

الديون السيادية الخليجية على مسار الإصلاح والتنمية

يسعى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم جهود الحكومة الكويتية في توظيف أدوات الدين، من سندات وصكوك سيادية، لتمويل مشاريع حيوية تنموية في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والطاقة النظيفة.

يأتي ذلك في وقت باتت الكويت قادرة على الاستفادة من إمكانات التمويل المتنوعة بعد إقرار قانون الدين العام، الذي يتيح للحكومة الاقتراض حتى سقف 30 مليار دينار كويتي (نحو 97,5 مليار دولار)، وبآجال استحقاق تصل إلى 50 عاما.

يهدف القانون أساسا إلى السماح للحكومة بمعالجة العجز في موازنة الدولة الناتج من تراجع أسعار النفط وضعف الإيرادات غير النفطية.

هناك دول لجأت إلى الاستدانة لتمويل مشاريع تنموية منتجة، أسهمت في تحسين أنظمة الرعاية الصحية والتعليم وتطوير البنية التحتية، بما يرتقي بنوعية الحياة

وعلى الرغم من امتلاك الكويت صندوقا سياديا تقارب قيمة أصوله تريليون دولار، فإن قانون احتياطي الأجيال المقبلة يقيد استخدام هذه الأموال في تمويل العجز، إذ يفرض إعادة استثمار عوائدها لحماية الثروة للأجيال المقبلة. كما أن اللجوء إلى الاقتراض قد يكون أقل تكلفة ماليا من استخدام عوائد الصندوق.

الاقتراض السيادي

يعود استخدام القروض السيادية إلى عقود طويلة خلت، ودفع الحكومات إلى مراكمة ديون كبيرة وأحيانا صعبة السداد، مما وضع دولا على حافة الإعسار وأحيانا الإفلاس. وغالبا ما تنشأ هذه الأوضاع نتيجة لسوء الإدارة المالية والتوسع في الإنفاق، لا سيما الإنفاق العسكري واقتناء السلاح نتيجة للتورط في الحروب والنزاعات المسلحة. كما أن بعض الحكومات انخرطت في مشاريع عديمة الجدوى مثل إقامة المباني الإدارية والتوسع في المدن ومشاريع الإسكان غير الأساسية.

.أ.ف.ب

في المقابل، هناك دول لجأت إلى الاستدانة لتمويل مشاريع تنموية منتجة، أسهمت في تحسين أنظمة الرعاية الصحية والتعليم وتطوير البنية التحتية، بما يرتقي بنوعية الحياة. على سبيل المثل، تواجه اليابان ديونا سيادية وصلت قيمتها في مارس/آذار 2025 إلى 1,324 تريليون ين (8,4 تريليونات دولار)، 88 في المئة منها محلية، كما أن بنك اليابان وشركات التأمين والمصارف المحلية من أبرز الدائنين. وتمثل هذه الديون نحو 235 في المئة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي الياباني في عام 2024، وهي تراكمت بعد انهيار سوق الأوراق المالية في عام 1991 مما اضطر الحكومة للتدخل لإنعاش الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار.

ديون دول الخليج

تعد السعودية أبرز الدول الخليجية في أسواق الدين السيادي، إذ تستحوذ على نحو 44,8 في المئة من الإصدارات الإجمالية، تليها الإمارات بنسبة 29,9 في المئة ثم قطر بنسبة 12,8 في المئة، فيما تتقاسم النسبة المتبقية كل من البحرين وعمان والكويت.

من شأن هذه التمويلات، إذا أحسن توظيفها، أن تعزز كفاءة الاقتصاد وترفع مساهمة القطاعات غير النفطية في النمو خلال السنوات المقبلة

وبلغت قيمة الدين العام السعودي نحو 1,466 تريليون ريال (نحو 390 مليار دولار). وترتبط هذه المديونية بمتطلبات المشاريع الكبرى المعتمدة ضمن رؤية السعودية 2030، وتشمل تطوير البنية التحتية والوجهات السياحية والبرامج التعليمية والصحية وبرامج الاستدامة. وقد أسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز المرافق الحيوية ودعم موقع الاقتصاد السعودي داخل مجموعة العشرين.

تظل الديون السيادية في السعودية ضمن الحدود المقبولة، إذ تعادل نحو 31 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ نحو 1,27 تريليون دولار في عام 2025. ومن شأن هذه التمويلات، إذا أحسن توظيفها، أن تعزز كفاءة الاقتصاد وترفع مساهمة القطاعات غير النفطية في النمو خلال السنوات المقبلة.

"المجلة"

وتقارب الإمارات السعودية في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، أما الكويت فقد بدأت فعليا مسار الاقتراض منذ العام المنصرم، وقد ترتفع الديون خلال السنوات المقبلة نتيجة لانخفاض سعر برميل النفط.

تحديات كفاءة توظيف الأموال

تتمثل التحديات التي تواجه دول دول الخليج العربي نتيجة التوسع في الاستدانة في كفاءة توظيف الأموال: هل ستتجه نحو مشاريع تنموية ذات جدوى اقتصادية واجتماعية، أم ستستنزف في بنود الإنفاق الجاري؟ وهو اختبار حقيقي أمام القائمين على إدارة المالية العامة وصناع القرار في الخزائن الحكومية.

تتعرض هذه الجهات لضغوط متواصلة لضبط إيقاع الإنفاق وترشيده، غير أن الترشيد يطرح معادلة دقيقة بين الاستدامة المالية والحفاظ على مستويات المعيشة، وتمويل الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساس، وتطوير البنية التحتية بما يحافظ على جودة الحياة.

تؤكد المعلومات المتاحة لدى جهات التصنيف والمؤسسات المالية العالمية أن منظومة مجلس التعاون الخليجي تتميز بجدارة ائتمانية عالية مقارنة بالعديد من الدول الأخرى

كما تواجه هذه الدول تحديات ديموغرافية متنامية تتطلب موارد إضافية، إذ تشكل فئة الشباب ما لا يقل عن 60 في المئة من السكان، في مقابل ارتفاع أعداد كبار السن وانخفاض سن التقاعد، الأمر الذي يزيد تكلفة الالتزامات الاجتماعية الطويلة الأجل. فهل تستطيع الاقتصادات الخليجية إدارة ديونها السيادية والوفاء باستحقاقاتها خلال العقود المقبلة من دون الإضرار بالتزاماتها الاجتماعية التقليدية؟

في كل الحالات، صارت المديونية واقعا دائما يفرض إدارة حذرة قائمة على الكفاءة والحوكمة المالية الرشيدة.

تصنيفات  الجدارة الائتمانية

لا تزال دول دول الخليج العربي تتمتع بجدارة ائتمانية ممتازة، مستندة إلى موقعها كدول منتجة رئيسة للنفط، ونظرا لامتلاكها صناديق سيادية تستثمر أموالها في أفضل الأدوات المالية، سواء المسعرة أو غيرها.

.أ.ف.ب
مبنى بورصة الكويت، 2 مارس 2022

وأكدت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني في ديسمبر/كانون الأول الماضي أهلية هذه الدول للائتمان، فيما صنفت وكالة "إس. أند. بي. غلوبال" الإمارات بـ AA+، والسعودية بـ A+، والكويت بـ AA-، وقطر بـ AA، وعمان بـ BBB-، والبحرين بـB. وتعكس هذه التصنيفات القدرات الاقتصادية لكل دولة، ومدى التزامها الإصلاح الاقتصادي وضبط الإنفاق العام، وتحسين الإيرادات النفطية وغير النفطية. وتؤكد المعلومات المتاحة لدى جهات التصنيف والمؤسسات المالية العالمية أن منظومة مجلس التعاون الخليجي تتميز بجدارة ائتمانية عالية مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، مما يعزز ثقة المستثمرين في قدرة هذه الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية.

مستقبل الائتمان في الخليج

إذا افترضنا أن دول الخليج العربي مقبلة على إصلاحات بنيوية خلال المستقبل القريب، فإن ذلك يعني بالضرورة تنشيط دور القطاع الخاص، الذي سيلجأ إلى الاقتراض لاقتناء الأصول والتوسع في مختلف القطاعات. وعليه، يتوقع أن تتسع سوق الائتمان في المنطقة، بما يفتح شهية المصارف ويعزز مشاركتها في تمويل القطاعين العام والخاص على حد سواء في مختلف دول المنطقة. إلا أن الديون السيادية ستبقى عنصرا محوريا في الإدارة الاقتصادية ورسم مسار الإصلاح البنيوي في هذه الدول.

font change

مقالات ذات صلة