متى يتوسع اقتصاد الكويت نحو التنوع والصناعات غير النفطية؟

آن أوان التحول الاستراتيجي نحو الجدوى الاقتصادية في مختلف القطاعات

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
رئيس الوزراء الكويتي الشيخ أحمد الصباح الأحمد، يفتتح معرض الغاز والنفط، في مركز الشيخ جابر الأحمد، 3 فبراير 2026

متى يتوسع اقتصاد الكويت نحو التنوع والصناعات غير النفطية؟

لا يزال النفط في الكويت يشكل مركز الثقل في الرؤية الاقتصادية، ومحور التخطيط الطويل الأجل للدولة. فمن توسيع أعمال الاستكشاف، الى رفع الطاقة الإنتاجية، مرورا بتطوير الحقول البرية والبحرية، تتوالى الإعلانات عن مشاريع جديدة تقدر قيمتها بمئات مليارات الدولارات.

في هذا الاطار، تخطط الكويت حاليا لتمويل مشاريع نفطية ضخمة، مع تركيز للاستثمارات في السنوات الخمس المقبلة على تطوير الحقول، وتعزيز البنية التحتية، وزيادة الطاقة الإنتاجية. تتزامن مع ذلك، مساعٍ لتطوير قطاع الغاز، وفي مقدمته حقل الدرة المشترك مع المملكة العربية السعودية، إذ ينتتظر طرح مناقصات في شأنه في عام 2026. كذلك تتجه الدولة إلى إشراك شركات نفط عالمية، وفتح الباب أمام صفقات بمليارات الدولارات تشمل أصولا استراتيجية، مثل شبكة أنابيب النفط، في مسعى لجذب رأس المال وتحسين كفاءة إدارة الأصول.

لكن هذه المشاريع، على أهميتها الاستراتيجية من منظور قطاع الطاقة، تعكس في جوهرها استمرار المنطق الريعي نفسه في اقتصاد البلاد، القائم على استغلال الموارد الطبيعية، وإعادة تدوير العوائد داخل القطاع ذاته.

هل ستتمكن الكويت من إصلاح الهيكل الاقتصادي للبلاد والتحول نحو اقتصاد يعتمد على المداخيل من مختلف القطاعات؟ سؤال كبير قد تصعب الإجابة عنه بشكل مقنع. ربما كان هناك اقتصاد تقليدي قائم على الإنتاج لا الريع في مرحلة ما قبل النفط، وإن كان ذلك الاقتصاد بدائيا بأدواته وآلياته. إنما ما حدث بعد اكتشاف النفط، هو الاعتماد الكامل على الإيرادات الريعية بطبيعتها القائمة على مورد طبيعي، أي النفط.

التحول من الاقتصاد الريعي الى التنوع في الناتج الوطني ليس قرارا سياسيا بقدر ما هو اختبار لقدرة المجتمع على تغيير سلوكه الاقتصادي

لا غبار على توظيف المصادر الطبيعية لجني الثروة، ولكن يفترض أن يواكب ذلك بناء ثروة حقيقية من خلال توظيف تلك الإيرادات في أصول تدر العائدات بشكل مستدام. ولا شك أن الكويت كانت سباقة في توظيف الفوائض، وهو ما حدث منذ عام 1953 عندما تمكنت الحكومة من تأسيس صندوق سيادي ووظفت أمولا ضخمة، بمقياس تلك الحقبة، في أصول مقومة بالجنيه الاسترليني. وبعد ذلك، عملت على تنويع العملات والأدوات الاستثمارية وتوجت العمل في عام 1976 بإصدار قانون صندوق احتياطي الأجيال القادمة. وتقرر حينها استقطاع 10 في المئة من الإيرادات النفطية سنويا لحساب الصندوق. لكن، مع التراجع القياسي في أسعار النفط، توقف الاستقطاع وتمويل الصندوق في عام 2014 بعد ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري وانعكاس ذلك على اقتصادات النفط.

وعلى الرغم مما حصل، وبفضل إيرادات الصندوق السيادي الكويتي، وإعادة استثمار تلك الإيرادات، تمكن الصندوق من الحفاظ على مكانته كواحد من أهم الصناديق السيادية في العالم، بموجودات تبلغ قيمتها نحو تريليون دولار.

غياب المقومات الاقتصادية المحلية

لم تستثمر الفوائض المالية على نحو فاعل في الاقتصاد المحلي، وإن وجدت بعض الاستثمارات المحلية في عدد من الشركات العامة والحكومية من خلال الاحتياطي العام. فالاقتصاد المحلي يعاني من عقبات تقوض الاستثمار داخل البلاد، منها الجدوى الاقتصادية وافتقار البلاد للمواد الأولية للعديد من الصناعات المحتملة، والأهم من ذلك كله، عدم توفر العمالة الوطنية المؤهلة والمهنية. بالإضافة إلى ذلك، يفتقر العديد من النشاطات إلى ميزات نسبية، مما يجعل توظيف الأموال من خلالها غير مجد.

وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال مشاركته في جلسة ضمن معرض النفط والغاز، في الكويت، 3 فبراير 2026

في بداية ستينات القرن الماضي، قامت الحكومة بمبادرات متنوعة لتأسيس عدد من الشركات، وشاركت القطاع الخاص في ملكية شركات في أنشطة نفطية مثل شركة البترول الوطنية وشركة الصناعات البتروكيماوية وشركة ناقلات النفط، بالإضافة إلى شركة الصناعات الوطنية والخطوط الجوية الكويتية وشركة المطاحن وشركة النقل العام.

أدى الاعتماد شبه الكامل على الإنفاق العام الممول من عائدات النفط ، الى تقليص المبادرات، ورفع درجة الخمول بين السكان وأضعف المهارات الابداعية

لكن تجربة القطاع المشترك انتهت في أواسط سبعينات القرن الماضي بعد الصدمة النفطية الأولى وتوفر فوائض مالية دفعت الحكومة إلى تملك حصص القطاع الخاص في كل تلك الشركات.

أين دور القطاع الخاص؟

ينتقد البعض دور القطاع الخاص في الكويت، وعدم سعيه لتعزيز إسهاماته في العمل الاقتصادي ورفع نسبة تلك المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي. لم يكن القطاع الخاص خاضعا لمعايير مؤسسية، كما هي الحال في الدول الرأسمالية المتقدمة، بل كان يقتصر على نشاط عدد من العائلات التجارية كان لها دور حيوي في التجارة مع الهند والبصرة والجزيرة العربية وشرق أفريقيا. تمكنت تلك البيوتات التجارية من تسويق اللؤلؤ الناتج من عمليات الغوص في المياه الاقليمية بالقرب من سواحل البلاد. كما أنها صدرت التمور المنتجة في المزارع التي امتلكها الكويتيون وغيرهم في البصرة إلى الهند وغيرها من الدول. يضاف إلى ذلك، أن الطبقة التجارية مولت الإنفاق الحكومي المحدود آنذاك من طريق دفع الرسوم والضرائب والمستحقات الجمركية.

.أ.ف.ب
منشآت مصفاة حقل الزور جنوب مدينة الكويت، 29 مايو 2024

في طبيعة الحال، كانت الأموال المحصلة للخزينة العامة محدودة ولم تكن مخصصات الإنفاق العام كبيرة بفعل الحجم الاقتصادي المتواضع وعدد السكان الذي ربما لم يتجاوز مئتي ألف نسمة في خمسينات القرن الماضي.

عطل الاعتماد شبه الكلي على الإنفاق العام الممول بإيرادات النفط بشكل أساس المبادرات ورفع درجة الخمول والكسل بين السكان وعرقل ملكات الإبداع. ليس غريبا إذن أن يفضل الشباب الكويتيون الذين تخرجوا من الجامعات والمعاهد العليا الالتحاق بالوظائف الحكومية التي توفر بيئة عمل مريحة، تغيب فيها الالتزامات الوظيفية في شأن الأداء والانتاجية، وتوفر رواتب جيدة، مقارنة بوظائف القطاع الخاص، حيث لا بد من الإنجاز في ظل بيئة عمل صارمة.

حاولت الحكومة ومجلس الأمة من خلال قانون دعم العمالة تشجيع المواطنين الالتحاق بشركات القطاع الخاص ودعم الرواتب والأجور من الخزينة العامة. وتأتي مخصصات دعم العمالة ضمن بند الرواتب والأجور في الموازنة العامة للدولة، التي فاقت في السنة المالية 2025/2026 الـ15 مليار دينار أو نحو 49 مليار دولار. يعني ذلك أن الدولة لا تزال توفر الرواتب والأجور للمواطنين سواء في الوظائف الحكومية أو وظائف القطاع الخاص.

مشكلة الاقتصاد الكويتي ليست في نقص الموارد، بل في محدودية المنظومات القادرة على تحويلها إلى قيمة حقيقية

اضف إلى ذلك، هناك ما يشبه الضريبة على الشركات والمؤسسات المدرجة في سوق الأوراق المالية، تعرف بضريبة دعم العمالة، هدفها تحصيل جزء من تكاليف دعم العمالة من القطاع الخاص. من شأن هذه السياسة أن تكرس اعتماد المواطنين على دعم الدولة، كما أن الشركات ابتدعت أساليب توظيف وهمية لتلبية متطلبات توظيف المواطنين التي حددت بحسب كل قطاع.

.أ.ف.ب
حقل الزور النفطي وسط البحر الكويتي، 29 مايو 2024

ولا يتوقف الدعم عند مسألة العمالة، إذ إن هناك دعم استهلاك الكهرباء والمياه ودعم الاستهلاك الغذائي، والتموين، ودعم البنزين ومشتقات الوقود الأخرى. وتبلغ قيمة المخصصات المحددة للدعم في موازنة 2025/ 2026، 4,5 مليار دينار (14,6 مليار دولار)، منها مليار دينار للكهرباء والمياه (3,3 مليارات دولار). وكان البنك الدولي قد اقترح قبل سنوات أن تدفع الحكومة أموالا نقدية للمواطنين لمواجهة تكاليف استهلاك الطاقة والوقود والمواد الغذائية بما قد يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك، لكن لم يؤخذ بتلك التوصيات، ربما لوجود معوقات سياسية واجتماعية.

شروط الانتقال الى اقتصاد منتج ومتوازن

لا بد للانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد منتج ومتوازن، أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الاقتصاد الوطني ومحدداته والتراكمات الثقافية التي تكرست في بنية المجتمع. ليس من الحكمة افتراض إمكان تحول الكويت إلى دولة صناعية تصدر منتجاتها إلى دول الجوار وغيرها، كونها تفتقر للميزات النسبية من مواد أولية وعمالة وطنية مؤهلة. حتى الصناعات المعتمدة على النفط، ومنها الصناعات البتروكيماوية، لا يمكن أن تكون قادرة على منافسة صناعات مماثلة في دول الجوار التي تملك إمكانات نفطية ضخمة. يضاف إلى ذلك أن الدول الأوروبية وغيرها من الدول المستهلكة، تضع شروطا صعبة أمام الصادرات من البتروكيماويات.

فالخيار الأنجع، الذي يعتمد على الاستفادة من ميزات الموقع، هو تحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري، عبر تطوير أنشطة الخدمات المالية وإعادة التصدير. يمكن دول الخليج مساعدة الكويت في تطوير هذه الأنشطة وتحديد دور لها ضمن اقتصاد خليجي متكامل متنوع الأنشطة.

تتطلب هذه الآمال أوضاعا سياسية وأمنية ملائمة في هذه المنطقة من العالم تعزز العلاقات بين الدول وتمكن من التكامل الاقتصادي أو التعاون مع دول الجوار. كما تفرض التوقعات الإيجابية في شأن المستقبل الاقتصادي تعزيز التنمية البشرية والارتقاء بمخرجات النظام التعليمي.

font change