الرحلة القصيرة بين مدينتي ليدز ومانشستر، لم تكن كافية ليحصي ألفي هالاند كل الاحتمالات الممكنة. كان لاعب الوسط المجتهد صاحب المسيرة الجيدة، وإن كانت غير مرشحة لأن تبقى في الذاكرة طويلا، كان في طريقه صيف عام 2000 إلى نصف مدينة مانشستر الأزرق الذي لا يعرفه العالم، مصطحبا ابنه الرضيع إيرلينغ، ذلك الذي لم يكن يعرف أنه سيعود به يوما إلى ذات المدينة، وكأنه لم يعش فيها من قبل.
مشوار ألفي في مانشستر لم يكن طويلا. سطوة النصف الأحمر من المدينة ممثلة في نادي مانشستر يونايتد لم تكن غريبة على اللاعب الشاب، الذي عرف في ليدز كيف اكتسب ذلك الفريق بانتصاراته المتتالية عبر السنين حقد جيرانه، إلى الحد الذي صنع من كل مبارياته مع فرق الشمال الإنجليزي نسخا أكثر حدة من "الديربي" المحلي الذي يجمعه بمانشستر سيتي، الفريق الذي عاين مرتديا قميصه، لحظة نهاية مسيرته كلاعب، بتدخل قاس اعترف قائد يونايتد روي كين، أنه كان متعمدا ومخططا له سلفا، انتقاما من إصابته في التحام بين الاثنين في مباراة سابقة، مانحا ألفي دون أن يدري الوقت لكي يجهز للنصف الأزرق من المدينة رضيعه، الذي سيعود إليها عملاقا، ليأتي لها بما تبقى من أسباب الفخر التي استأثر بها نصف المدينة الأحمر.
إيرلينغ هالاند الذي دخل مانشستر أول مرة بين يدي والديه الأب، لاعب الكرة الدولي، ووالدته بطلة النرويج في منافسات السباعي في ألعاب القوى جري ماريتا براوت، لم تنقصه الأسباب، ليجد الرياضة أمامه في كل ركن في منزل العائلة. الوالد الذي أنهى روي كين على ما تبقى من مسيرته الكروية، نقل العائلة من إنجلترا إلى بلدته الأم في النرويج في مدينة براين، بينما كان إيرلينغ في الثالثة من عمره، متفرغا لتقديم ابنه لكل ما يمكن للطفل أن يمارسه من رياضات في مدينة نرويجية صغيرة، لا يزيد سكانها على اثني عشر ألف شخص. الصبي الذي لم ينقصه طول القامة، ليجرب صنوفا من ألعاب القوى، ولا قوة البنية ليقفز فوق أيادي المدافعين في قاعات كرة اليد، وجد فيما وصل إليه والده في كرة القدم، معيارا أكثر إثارة للاهتمام من أرقام الوثب العالي. وكغيره من أطفال النرويج المنصرفين عن رتابة بطولاتهم المحلية، إلى إثارة الدوري الإنجليزي، الذي يبدو قريبا بمفردات الجغرافيا، وبعيدا بلغة الواقع الكروي، رأي إيرلينغ في قصة والده في ملاعب إنجلترا، حسابا مفتوحا وحده من يستطيع إغلاقه.
في الطريق نحو تلك الغاية، لا يمتلك هالاند حكاية كتلك المعتادة لأقرانه من أفذاذ كرة القدم، الذين مثلت لهم كرة القدم الخلاص من ضيق الحال، والفرصة التي تشبثوا بها لينقلوا أنفسهم وعائلاتهم من قسوة النشأة والحرمان، بقدر ما استفاد من رفاهية الاختيار ليصقل في كل خطوة، ما لديه من إمكانيات وشغف كانا أكبر بالتأكيد من ملاعب براين، وقاعاتها المغطاة حيث هرب بكرته من قسوة الجليد، الذي يغطي عشب الملاعب في شتائها الطويل. اختار إيرلينغ أن يذهب إلى نادي "مولدي" في النرويج مفضلا إياه عن تجربة مبكرة في ألمانيا، ليكون إلى جوار المدرب أولي جونار سولشاير، هداف النرويج الأشهر في الملاعب الإنجليزية، والرجل الذي عرف بكونه تميمة مانشستر يونايتد، دون أن ينتزع أبدا مكانا أساسيا في تشكيلته. قصة سولشاير المكررة عن هدفه في نهائي دوري أبطال أوروبا، قبل أن يولد إيرلينغ بعام، عن المهاجم الذي لا يحتاج سوى للمسة واحدة، يقتنص بها كرة تسقط في مكان اختاره ليضع نفسه على عناوين صحف اليوم التالي، حتى وإن لم يشارك لأكثر من خمس دقائق، كان لها وقع الموسيقى على آذان الشاب إيرلينغ، الذي خطف أنظار مدربه بسرعته الفائقة، وبقدمه القوية التي يمكن لها أن تذهب بالكرة في معظم الأوقات بين القائمين والعارضة، ليتصل بناديه القديم في مانشستر، محدثا مسؤوليه عن الشاب الطويل الأشقر الذي يمكن لحفنة بسيطة من الملايين، أن تحوله إلى ظاهرة تنتشل النادي من كبواته في السنوات الأخيرة. لكن القدر اختار لموهبة هالاند وطموحه، أن ينضج على نار هادئة يحتاجها المهاجم الصغير، حتى يتحول إلى هداف صبور، لا يعنيه كم مرة يلمس فيها الكرة في دقائق المباراة، إذا كانت لمسته الأولى والأخيرة في تسعين دقيقة، هي تلك التي تسجل لفريقه هدف الانتصار.

