الانتخابات الجزائرية... الأحزاب السياسية أمام اختبار استعادة الثقة

العزوف لم يعد مجرد ظاهرة ظرفية

أ.ب
أ.ب
البرلمان الجزائري

الانتخابات الجزائرية... الأحزاب السياسية أمام اختبار استعادة الثقة

انطلقت منذ فترة وجيزة حملة الدعاية الانتخابية للاستحقاق الانتخابي النيابي المنتظر في الثاني من يوليو/تموز القادم، والتي تتنافس فيها 788 لائحة انتخابية في المدن الـ69 والدوائر الثماني في الخارج، من ضمنها 650 لائحة تمثل 34 حزبا سياسيا، بالإضافة إلى 138 لائحة مستقلة، وقد بدت الحملة في أسبوعها الأول بطيئة جدا وهو ما أثار مخاوف الأحزاب وطرح تساؤلا مشروعا وجوهريا حول أسباب قلة التجاوب من قبل الشارع والمترشحين.

ويواجه مترشحون ومترشحات صعوبات كبيرة في تعبئة الجماهير، وتقول المترشحة للانتخابات عن قائمة "حزب العمال" (ذي التوجه اليساري) في العاصمة (الجزائر) في حديثها لـ"المجلة" إن "هناك حالة عزوف واضحة لدى المواطنين تجاه العمل السياسي بشكل عام والانتخابات خاصة، نتيجة تراكمات امتدت لسنوات طويلة من الخيبات والوعود التي لم تجد طريقها إلى التجسيد الفعلي على أرض الواقع، ما أدى إلى تراجع الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة".

ويضاف إلى ذلك حسبها: "الأحداث التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية، لا سيما ما أعقب سنة 2019 من متابعات قضائية مست عددا من النواب والمسؤولين الحزبيين الذين سبق أن منحهم المواطنون ثقتهم، ساهمت بدورها في تعميق الشعور بالإحباط والشك لدى جزء واسع من الرأي العام، فالمواطن الذي يرى ممثلين انتخبهم أو أحزابا منحها صوته تتحول لاحقا إلى موضوع قضايا واتهامات، يصبح أكثر تحفظا وأقل حماسا للمشاركة السياسية".

هناك أحزاب لا تظهر إلا خلال المواسم الانتخابية، وتختفي بين استحقاق وآخر فلا تؤطر المجتمع ولا تناضل يوميا وسط المواطنين

ومن أبرز القوى السياسية التي ستخوض هذه الانتخابات هي الأحزاب التقليدية الكبرى مثل: "جبهة التحرير الوطني" التي قدمت 75 لائحة، و"التجمع الوطني الديمقراطي" (75 لائحة)، إضافة إلى "حركة البناء الوطني" و"جبهة المستقبل" و"صوت الشعب"، وكتلة المعارضة التي تتصدرها "حركة مجتمع السلم" (70 لائحة)، و"حزب العمال" (29 لائحة)، و"جبهة القوى الاشتراكية" التي دخلت السباق بمعدل 27 لائحة و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (10 لوائح) وهي القوى الأكثر بروزا في الساحة السياسية الجزائرية، مقابل تسجيل تراجع كبير في عدد القوائم الحرة التي لم تعد تملك الزخم نفسه الذي رافق الانتخابات البرلمانية التي أجريت سنة 2021، فرغم تصدرها من حيث العدد الإجمالي للقوائم المقبولة بـ131 قائمة، فإن هذا الرقم يعكس تراجعا ملحوظا مقارنة بالاستحقاق السالف ذكره الذي شهد مشاركة أكثر من 800 قائمة مستقلة.

تراكمات سياسية سلبية

وتشكل الانتخابات البرلمانية القادمة اختبارا حقيقيا لا سيما للأحزاب السياسية، على اعتبار أن أي عزوف عن التوجه إلى صناديق الاقتراع سيعيد إلى الأذهان الانتخابات البرلمانية الجزائرية التي جرت في 12 يونيو/حزيران 2021، والتي سجلت أدنى نسبة مشاركة منذ بداية عهد التعددية الحزبية في البلاد بإقرار دستور فبراير/شباط 1989، إذ تجاوز عدد الهيئة الناخبة آنذاك 24، بلغ المصوتون منها نسبة 23 في المئة لا غير، في حين تم تسجيل مليون و16 ألفا و220 ورقة ملغاة (باطل)، وهي النسبة التي شكلت منعرجا حاسما بعد أن كانت النسبة قد وصلت إلى 43.14 في المئة في تشريعيات 2012، بينما انخفضت النسبة إلى 35.37 في المئة في 2017.

أ.ف.ب
رجل جزائري يدلي بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات الرئاسية، في الجزائر العاصمة، في 7 سبتمبر2024

تآكل الوعاء الانتخابي مرده مجموعة متنوعة من الأسباب حسب الدكتور لخضر أمقران، رئيس "حزب جيل جديد"، ويقول في حديثه لـ"المجلة" إن "كثيرا من الجزائريين يشعرون بأن الانتخابات لا تغير موازين القرار، وأن المنتخب في كثير من الأحيان لا يملك القدرة الحقيقية على الدفاع عن انشغالات الناس أو التأثير في السياسات العمومية وهذا ما خلق حالة من اللامبالاة السياسية وحتى الإحباط الجماعي".

ومن المهم الإشارة إلى دور الأحزاب السياسية، ويرى أمرقان أنها "تتحمل جزءا من المسؤولية، فهناك أحزاب لا تظهر إلا خلال المواسم الانتخابية، وتختفي بين استحقاق وآخر فلا تؤطر المجتمع ولا تناضل يوميا وسط المواطنين، ولا تقدم حلولا واقعية لمشاكلهم، وبطبيعة الحال، المواطن أصبح يميز جيدا بين الحزب الذي يعيش معه همومه يوميا والحزب الذي يتذكره فقط عند جمع التوقيعات أو طلب الأصوات".

وقد حصلت الكثير من الأحزاب السياسية سواء ذات الاتجاه الوطني على غرار "حزب التحالف الوطني الجمهوري" بقيادة أمينه العام بلقاسم ساحلي، مرورا بـ"الجبهة الوطنية الجزائرية" المعروفة اختصارا بـ"FNA" (بزعامة موسى تواتي)، وصولا إلى "حزب تجمع أمل الجزائر" المعروف اختصارا بـ"تاج" والذي يوجد رئيسه السابق بالسجن، انتهاء ببعض الأحزاب ذات المرجعية الفكرية الإسلامية مثل: "حركة النهضة" و"حركة الإصلاح الوطني"، على نسب مشاركة تقترب من الصفر.

لم تتخط النتائج التي حصدتها الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 يونيو 2021، مليون صوت

وتشكل الصعوبات التي واجهها المترشحون في إقناع المواطنين خلال الحملة الانتخابية وفق أمقران "رسالة سياسية يجب الإصغاء إليها بجدية، لا التعامل معها كحادث عابر، فعندما يصبح المواطن مترددا في منح صوته فهذا يعني أنه يطالب بضمانات سياسية وأخلاقية جديدة، والأهم أن تسترجع قيمة السياسة نفسها".

وفي تحليل معمق لـ"المجلة"، يقدم الدكتور بلهادي عيسي الأمين العام لـ"حزب جبهة الحكم الراشد" في الجزائر رؤية تعتبر أن "المشهد مركب ولا ينحصر في سبب واحد. ذلك أننا أمام طبقات متراكمة من الأسباب، أوّلها وأعمقها الأداء السلبي لشريحة واسعة من المنتخبين، سواء في البرلمان بغرفتيه أو في المجالس الشعبية المحلية، المواطن يرى ممثّله المنتخب غائبا عن همومه، لا يصغي، لا يرفع مشاكله، ولا يعالجها، لا العاجلة منها ولا المزمنة، ويرى في المقابل وفرة في الوعود إبّان الحملات الانتخابية، ثم صمتا مدوّيا بعدها. هذا التناقض الصارخ بين القول والفعل هو الذي ينتج العزوف بامتياز".

والأهم في قراءة الدكتور بلهادي تركيزه على المحصلة السياسية الناتجة عن فترات طويلة من هيمنة الأحزاب التقليدية على المشهد السياسي، ويقول إنها "أفرزت نمطا سياسيا يسير عكس المنطق الديمقراطي الحقيقي رغم أن النظام القائم مبني على التعددية دستوريا، والأدهى من ذلك أن الأحزاب الناشئة أصبحت توضع في قفص الاتهام وتحمل فاتورة أحزاب انتهت مبررات وجودها".

أ.ف.ب
رجل يمرّ أمام لافتة انتخابية للرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون في وهران، في 5 سبتمبر 2024، قبيل الانتخابات الرئاسية

تجديد الخطاب السياسي والحزبي

ولم تتخط النتائج التي حصدتها الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 يونيو/حزيران 2021، مليون صوت. فقد حصلت "جبهة التحرير الوطني" (كبرى أحزاب السلطة في البلاد) على 287828 صوتا، و"حركة مجتمع السلم" (كبرى الأحزاب الإسلامية في البلاد) على 208471 صوتا، و"التجمع الوطني الديمقراطي" على 198758 صوتا، بينما حازت "حركة البناء الوطني" (حزب إسلامي) على 106203 أصوات، و"جبهة المستقبل" على 153987 صوتا، والملاحظ أن جميع هذه التشكيلات السياسية حصدت بالمجموع أقل من الأصوات الملغاة.

من زاوية تحليلية، تطرح هذه القراءات سؤالا جديا: ما المطلوب اليوم لترميم الثقة بين المواطن وممثليه؟

الحل لا يكون بخطابات التخويف من العزوف ولا بالاكتفاء بدعوات عاطفية للمشاركة، بل بإعادة بناء الثقة السياسية على أسس جديدة

تتمثل حلول ظاهرة العزوف الانتخابي في مسار شامل يبدأ من العمل الحزبي المستدام من خلال برامج واقعية، ويقول الدكتور بلهادي عيسى إن "الحزب الذي يختفي بين استحقاق وآخر لا يستحق ثقة المواطن، فيجب عليه أن يكون حاضرا في الأحياء، وفي الجمعيات، وفي قضايا المواطن طوال الدورة السياسية كاملة".

والمطلوب أيضا الصدق في الخطاب الانتخابي باعتباره الركيزة الأساسية لبناء الثقة الكاملة بين المرشح والناخب، ويؤكد عيسى على "ضرورة أن تكون الوعود مدروسة وقابلة للتحقق، والمنتخب يجب أن يحاسب داخل حزبه على مدى وفائه بها ويستدعي الأمر أيضا بناء آليات للإصغاء الحقيقي فالتواصل المنتظم مع المواطنين لا ينتظر موعد الحملة".

أ.ف.ب
ناخبون جزائريون يتفقدون لوحة معلومات في مركز اقتراع خلال الانتخابات الرئاسية في الجزائر العاصمة، 7 سبتمبر 2024

يوافقه الرأي لخضر أمقران، ويقول إن "الحل لا يكون بخطابات التخويف من العزوف ولا بالاكتفاء بدعوات عاطفية للمشاركة، بل بإعادة بناء الثقة السياسية على أسس جديدة أبرزها: أحزاب سياسية حقيقية لا تنشط فقط خلال فترات الحملات الانتخابية، بل تستمر في الوجود الميداني. ومرشحون يملكون الكفاءة والمصداقية والنظافة السياسية. وخطاب صادق يعترف بالأزمة بدل تجميل الواقع. وأخيرا برلمان يمتلك صلاحيات فعلية تشعر المواطن أن صوته يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في تنظيم الانتخابات بل إعادة إقناع الجزائريين بأن السياسية يمكن أن تكون وسيلة للتغيير وخدمة الوطن وليس مجرد طقس إداري يتكرر كل بضع سنوات".

وفي المحصلة، يمكن القول إن العزوف الانتخابي في الجزائر لم يبق مجرد ظاهرة ظرفية تتلاشى بزوال موعد انتخابي معين، بل أصبح تعبيرا سياسيا واجتماعيا عميقا عن أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية بمختلف مكوناتها بسبب اتساع الفجوة بين الوعود والواقع.

font change