في مئوية ولادته... رشدي أباظة الذي خرج من مأزق البطل الوسيم

الدونجوان الأبرز على الشاشة وخارجها

 Lina Jaradat
Lina Jaradat

في مئوية ولادته... رشدي أباظة الذي خرج من مأزق البطل الوسيم

تصادف اليوم الذكرى المئوية لميلاد رشدي سعيد حسن بغدادي أباظة، أو باختصار رشدي أباظة، دونجوان السينما المصرية، كما صار يعرف، والذي رحل عن عالمنا في 27 يوليو/تموز (1980)، بعدما أنهكه سرطان المخ، عن عمر ناهز ثلاثة وخمسين عاما، قضى منها أكثر من ثلاثة عقود في العمل السينمائي، قدم خلالها ما يزيد على مئة فيلم تتباين وتتفاوت في مستوياتها الفنية، لكن المؤكد أن خصوصيتها لا تكمن فقط في ما تركه من أدوار، وإنما بصورة الأسطورة التي صنعها لنفسه خارج الشاشة، أو صنعت له.

فإذا كان الجمهور العربي اعتاد استدعاء اسم سعاد حسني في معرض الإشارة إلى المرأة ذات الأنوثة الطاغية، ففي عالم الرجال، تأتي عبارة مثل "فاكر نفسه رشدي أباظة" لتعبر عن مكانة هذا النجم الاستثنائي، حيث اجتمع الاسمان بوصفهما النموذجين الأشهر للأنوثة والذكورة على الشاشة. ولئن اشتركت مع سعاد في هذه المكانة بدرجات متفاوتة أسماء أخرى، مثل هند رستم أو شادية، يبقى رشدي أباظة الحالة الأكثر تفردا في تاريخ السينما المصرية.

سواء عند مقارنته بمن سبقوه، كفتى الشاشة الأول عماد حمدي، أو بأبناء جيله، مثل أحمد رمزي وشكري سرحان وأحمد مظهر، وصولا إلى "الوسيمين" الجدد في السبعينيات، مثل حسين فهمي ومحمود ياسين ومحمود عبد العزيز، يظل أباظة متصدرا هذه المكانة بلا منافس، حتى بعد رحيله، متجاوزا حدود الشاشة ليصبع معيارا شعبيا، في ظاهرة تصعب مقاربتها بين نجوم السينما العربية، وهو ما جعله، على غير المألوف، محل إعجاب النساء والرجال على السواء.

عين الكاميرا

بدأت أسطورة رشدي أباظة قبل أن يولد هو نفسه، إذ شكلت النشأة، البذرة الأولى في تكوين هذه الظاهرة، بدءا من انتمائه الى عائلة اريستوقراطية شهيرة، شاركت عبر عقود في المشهد الأدبي والسياسي والاقتصادي في مصر، كذلك تحضر أمه الإيطالية التي لم يدم زواجها طويلا من أبيه رجل الشرطة فعادت إلى بلدها، ليلتحق رشدي بمدرسة داخلية في الإسكندرية، ولكن لا يستهويه التحصيل الدراسي مفضلا عليه الرياضة، مثل الملاكمة وكمال الأجسام، ويتفوق فيها، حتى أنه يحصل على تقديرات في بطولات محلية.

وعلى الرغم من أن أباظة لم يكمل دراسته بكلية التجارة، بحسب بعض المعلومات، فإنه أتقن لغات عدة مثل الإنكليزية والإيطالية والفرنسية والإسبانية، إلى جانب العربية، وهو ما أسهم لاحقا في ترشيحه لعدد من الإنتاجات الأجنبية. أما في خصوص والدته، فكان زواجها العابر من أبيه جاء أشبه بلحظة درامية صنعت فقط من أجله، الأمر الذي سيتكرر لاحقا مع أكثر من شخص عبر مسيرته، من بينهم مخرج سينمائي، كثيرا ما يلتبس اسمه باسم هنري بركات.

ظهر للمرة الأولى في دور البطولة المطلقة أمام فاتن حمامة في "المليونيرة الصغيرة" (1948) أحد الأفلام المصرية المفقودة

رغم أن لعبة "البلياردو" دخلت مصر في أوائل القرن التاسع عشر، لكنها شهدت رواجا كبيرا في أواخر أربعينات القرن العشرين، لاسيما بين الأثرياء ونجوم المجتمع، في الوقت الذي كان فيه رشدي مراهقا في بداية العشرين من عمره، يتردد على صالة شهيرة في ذلك الوقت بشارع "26 يوليو"، شهدت العديد من المباريات الساخنة على مدار سنوات، وشهدت أيضا ميلاد عدد من نجوم السينما، مثل عمر الشريف وغيره. فقد اعتاد المخرجون ارتيادها بحثا عن وجوه جديدة، وهناك لمحه المخرج كمال بركات وعرض عليه العمل بالسينما، مسندا إليه بطولة مطلقة أمام فاتن حمامة التي كانت لا تزال في بدايتها، في فيلم "المليونيرة الصغيرة" (1948)، وهو أحد الأفلام المصرية المفقودة.

Lina Jaradat
رشدي أباظة

مع فشل الفيلم تجاريا، لم يكرر المخرج التجربة سوى مرة أو مرتين، قبل أن يغادر مصر ويقضي بقية حياته في توزيع الأفلام، أما رشدي أباظة، فوجد نفسه معلقا في الهواء، إذ رفض والده عمل ابنه في مهنة ترفيهية لا تليق بمكانة العائلة، فطرده من البيت، لتستمر هذا القطيعة لسنوات ولم يعد الى البيت مجددا إلا لمناسبة خطوبة شقيقته الكبرى، بعدما ألح إخوته على والدهم لدعوته، خاصة أن زملاءهم في المدرسة وأصدقاءهم والجيران كانوا لا يصدقون أنه شقيقهم. كان أباظة في ذلك الحين قد اشترك في عدد من الأفلام وبدأ يلفت أنظار المشاهدين، حتى أن عددا كبيرا من المدعوين حضروا إلى الحفل بدافع رؤيته، الى درجة أنهم احتشدوا على الشرفة في انتظار وصوله، كما تروي شقيقته الصغرى منيرة.

الغريب أن ظهور أباظة، ورغم هذا الحضور اللافت، انحصر في الأدوار الثانية أو الهامشية لما يزيد على عقد تقريبا، بخلاف معظم أبناء جيله، الذين دخل أغلبهم السينما بأدوار بطولة واستمروا في ذلك، حتى من بدأ بمساحة أقل، مثل أحمد رمزي في "أيامنا الحلوة" (1955)، والذي انتقل بعده إلى البطولة المطلقة. خلال تلك السنوات، قدم أباظة عددا من الأدوار المميزة، من بينها شخصية حسن في فيلم "تمر حنة" (1957) للمخرج حسين فوزي، وشخصية الضابط الفرنسي بيجار في فيلم "جميلة" (1958)، إخراج يوسف شاهين، الذي شهد واحدة من النوادر المبكرة في علاقة أباظة بالمخرجين. فشاهين، المعروف بقدرته على صبغ ممثليه جميعا تقريبا، بمن فيهم محمود المليجي، بأسلوبه الخاص، لم ينجح في إخضاع رشدي أباظة لهذه الرؤية، إذ ظل الخلاف بينهما قائما طوال التصوير حول طريقة الأداء، في تجربة لم تتكرر بينهما مرة أخرى.

Lina Jaradat
رشدي أباظة

وقد جاءت الانطلاقة الحقيقية لرشدي أباظة على مرحلتين، كلتاهما مع المخرج عز الدين ذو الفقار، وبدأت بفيلم "امرأة في الطريق" (1958)، ثم بلغت ذروتها في "الرجل الثاني" (1959)، الذي قدم فيه واحدا من أبرع الأداءات على الشاشة، مجسدا شخصية رجل العصابة عصمت كاظم. ورغم أن الفيلم ضم كوكبة من النجوم، نجح أباظة في أن يخطف الكاميرا، بلغة السينمائيين، في كل مشهد يظهر فيه، وهي السمة التي ستلازمه لاحقا طوال مسيرته، الى الدرجة التي جعلت فاتن حمامة تصرح في أحد الحوارات، أنه كان قادرا على جذب انتباه المشاهد حتى وإن كانت الكاميرا تظهره من الخلف.

AFP
الفنانة المصرية فاتن حمامة خلال تصوير أحد أفلامها في بيروت مطلع السبعينات

الرجل الذي انتصر على وسامته

كذلك، لا يمكن إغفال فيلم "صراع في النيل" (1959) للمخرج عاطف سالم، الذي شاركه بطولته هند رستم وعمر الشريف، إذ يكرس الفيلم منذ بدايته وعلى مدار الأحداث لخصوصية التكوين الجسماني لبطله، وفق ما تشير إليه الباحثة إيفون تاسكر في كتابها "الرجل على الشاشة"، حين ترى أن شخصية النجم في هذا النوع من الأفلام تعتمد على قدراته البدنية، فيتحول الجسد نفسه إلى "عنصر الفرجة الأساس"، بحسب تعبيرها. يبدأ الفيلم بمشهد "مجاهد" وهو يستعرض مهاراته في التحطيب أمام مجموعة من السائحين الأجانب في ساحة معبد الكرنك، بينما تتسابق السائحات لالتقاط الصور معه بمصاحبة تماثيل أجداده الفراعنة.

قالت عنه فاتن حمامة أنه كان قادرا على جذب انتباه المشاهد حتى وإن كانت الكاميرا تظهره من الخلف

يحسب لرشدي أباظة حرصه، في هذا الفيلم وقبله "تمر حنة"، على معايشة ممارسي التحطيب لفترات طويلة، حتى يكتسب طريقتهم الطبيعية في الحركة والأداء، مما انعكس على الشاشة بعفوية نادرة، جعلت الشخصية تبدو ابنة بيئتها الحقيقية. على أن عقد الستينات مثّل المرحلة الأكثر نضجا واحترافية في مشوار رشدي أباظة، ففيه تحرر بشكل لافت من أسر الصورة النمطية للرجل الوسيم، متنقلا بين شخصيات متباينة أكد من خلالها أن الوسامة والكاريزما ليستا سوى جزء من حضوره، بينما تكمن قيمته الحقيقية في قدرته على التشخيص.

 Lina Jaradat
رشدي اباظة

من أبرز هذه المحطات، تحضر شخصية عزت، اللص في فيلم "ملاك وشيطان"  (1960) للمخرج كمال الشيخ، الذي اعتمد في السيناريو على العلاقة المتناقضة التي تنشأ بين الطفلة المختطفة وخاطفها، لتتحول المواجهة بين البراءة والجريمة إلى صراع أخلاقي تتداخل فيه الحدود بين الخير والشر. المثير أن فكرة الفيلم جاءت من رشدي أباظة نفسه، الذي لم يكتف بالتمثيل، بل خاض أيضا تجربة الكتابة، مقدما قصص عدد من الأفلام الأخرى، مثل "طريق الشيطان" و"عاشور قلب الأسد"، كما تولى إنتاج بعضها.

كما يحضر فيلم "في بيتنا رجل" (1961) لهنري بركات، كواحد من أشهر المنعطفات المثيرة للجدال في مسيرته، حيث اقترن باقتراب رشدي أباظة من المشاركة في بطولة الفيلم العالمي "لورنس العرب" (1962) للمخرج ديفيد لين، قبل أن تذهب الفرصة في النهاية إلى عمر الشريف. تعددت الروايات حول أسباب ذلك، فبينما تقول إحداها إن رشدي رفض إجراء اختبار أداء، مكتفيا بدعوة المخرج البريطاني إلى مشاهدة الفيلم المعروض آنذاك، تذهب رواية أخرى إلى أن لين حضر بالفعل أحد أيام تصوير الفيلم، وهناك لفت الشريف انتباهه، ليبدأ من تلك اللحظة فصل جديد في مسيرته العالمية.

في فيلم "الطريق" (1964) للمخرج حسام الدين مصطفى، ابتعد رشدي أباظة مرة أخرى عن صورته التقليدية، مجسدا شخصية تعيش رحلة مضطربة، تتقاطع مع بحث البطل عن والده الغائب، في معالجة تميل إلى البعد النفسي والفلسفي أكثر من اعتمادها على البطولة النمطية. فيما تنوعت اختياراته خلال تلك المرحلة في أفلام، مثل "عروس النيل" و"صغيرة على الحب"، وصولا إلى "القبلة الأخيرة" (1967) الذي جسد من خلاله شخصية مخرج سينمائي وهب حياته للسينما، في واحد من الأدوار التي حملت قدرا من التأمل في عالم السينما نفسه.

تحرر من أسر الصورة النمطية للرجل الوسيم، متنقلا بين شخصيات متباينة أكد من خلالها أن الوسامة والكاريزما ليستا سوى جزء من حضوره كممثل

ولم تتوقف تنويعاته عند الدراما، بل امتدت إلى الكوميديا أيضا، كاشفا عن حس كوميدي من نوع خاص، لا يزال تأثيره باقيا حتى اليوم، يأتي في مقدمتها فيلم "عالم عيال عيال" (1976) للمخرج محمد عبد العزيز، وبدرجات أخرى في أفلام مثل "حواء على الطريق" و"بابا عايز كدا" و"جناب السفير"، و"نص ساعة جواز" (1969) مع شادية للمخرج فطين عبد الوهاب، التي شاركته عددا مميزا من الأفلام أشهرها "الزوجة 13".

 IMDb
رشدي أباظة وسعاد حسني

شهريار النجوم

كان من الصعب أن يشاهد الجمهور رشدي أباظة في فيلم "الزوجة 13" (1962)، وهو يجسد شخصية المزواج، دون أن يستحضر صورته خارج الشاشة. فبمرور الوقت، تحولت حياته الخاصة إلى دراما تتناقلها الصحف والمجلات، لا تقل إثارة عن أدواره السينمائية، حتى اختلطت الوقائع فيها بالخيال والروايات المتداولة، وأصبح اسمه مرادفا لصاحب العلاقات العاطفية المتعددة، على نحو جعل كثيرين ينظرون إلى حياته باعتبارها امتدادا طبيعيا لما يقدمه أمام الكاميرا، إذ تؤكد غالبية القصص والشهادات أن رشدي لم يكن دونجوانا على الشاشة فقط، بل كان ينظر إليه في الواقع بهذه الطريقة، مما جعل الفصل صعبا بين الرجل الحقيقي والصورة التي صنعتها له السينما والجمهور معا.

Wikimedia Commons
الفيلم المصري "لا أنام" (1957) للمخرج صلاح أبو سيف

من بين أشهر هذه الحكايات، العلاقة التي ربطته في بداية حياته مع الفنانة كاميليا، التي قيل إنها أثارت غضب الملك فاروق، الذي كان معجبا بها هو الآخر. أما على مستوى الزواج، فقد تزوج أباظة أكثر من مرة بدءا من الفنانة تحية كاريوكا في مستهل حياته، وكانت تكبره بعشر سنوات، ثم ارتباطه بأميركية تدعى باربرا أنجب منها ابنته الوحيدة قسمت، غير أن العلاقة التي بقيت الأكثر رسوخا في ذاكرة الجمهور كانت زواجه من الفنانة سامية جمال، والتي ظلت، رغم ما مرت به من خلافات وانفصالات، التجربة الأكثر استقرارا في حياته.

كذلك ارتبط بالفنانة صباح في زواج عابر أثناء اشتراكهما في تصوير فيلم بلبنان، وأثناء زواجه من سامية جمال، ليذكرنا الموقف بمشهد الصراع الشهير في فيلم "الرجل الثاني" بين سمرة ولمياء على عصمت كاظم. والمفارقة، أن الشحرورة تشير في أحد اللقاءات، إلى أنها لم تندم في حياتها على شيء سوى على قرار الانفصال عن أباظة. ويمثل فيلم "كانت أيام" (1970) لحلمي حليم حالة أكثر وضوحا لهذا التداخل بين الحياة الشخصية والدرامية، فالفيلم جاء بعد انتهاء زواجه من صباح، لجمعهما مجددا على الشاشة، مستثمرا الفضول الجماهيري تجاه علاقتهما أكثر من اعتماده على الحكاية نفسها.  

Lina Jaradat
رشدي أباظة

كما تحضر أغنيات الفيلم لترسخ هذا الإحساس، متجاوزة حدود الوظيفة الدرامية المعتادة، لتبدو أقرب إلى خطاب وجداني مباشر بين صباح ورشدي أباظة، حيث تلعب الأغنية الأشهر "عاشقة وغلبانة" على استعطاف الحبيبة، إذ تعلن فيه ضعفها العاطفي بلا مواربة، وكأن صباح لا تغني هنا لحبيب متخيل، بقدر ما تمنح الأغنية إحساسا بالبوح الشخصي، وهو ما جعل كثيرين يرون فيها انعكاسا لمشاعرها الحقيقية تجاه أباظة، خاصة أن الأغنية ارتبطت منذ ميلادها بقصة طريفة، حين أصر رشدي على أن تكون من نصيب صباح لتغنيها في الفيلم بعدما سمعها من بليغ حمدي، وهي الحكاية التي ظلت تتردد في أكثر من رواية لاحقة. أما أغنية "أنا عبدتك"، فتأتي على النقيض تماما، فهي تتجاوز لغة الغزل التقليدية إلى حالة من التسليم الكامل للمحبوب، في كلمات تحمل قدرا من الخضوع العاطفي النادر في الأغنية العربية آنذاك.

من بين أشهر هذه الحكايات، العلاقة التي ربطته في بداية حياته مع الفنانة كاميليا، مما أثار غضب الملك فاروق الذي كان معجبا بها هو الآخر

في سنواته الأخيرة، شارك رشدي أباظة في عدد كبير من الأفلام، متفاوتة المستوى والمساحة، ففي بعضها كان اسمه وحده يمثل قيمة تسويقية كبرى، بينما احتاجته أفلام أخرى الى ما هو أبعد من النجومية، إلى ذلك الحضور الخاص والكاريزما التي لا تحتاج إلى مساحة طويلة، وتفرض حضورها حتى في مشهد عابر. لعل واقعة مشاركته كضيف في فيلم "كلمة شرف" تختصر هذه المكانة، إذ يروي فريد شوقي أنهم كانوا يبحثون عن ممثل يصدق الجمهور أنه قادر على إخافة وحش الشاشة وأحمد مظهر معا، ولم يجدوا حينها سوى رشدي أباظة، الذي احتال عليه فريد،شوقي ليقبل الظهور في مشهد واحد، فحكى له الدور وسأله: "برأيك من يستطيع إخافتنا؟"، ليجيء رده الذكي دون تردد: "هو في غيري".

 

font change

مقالات ذات صلة