هل تنجح أوروبا في جهود الوساطة لإنهاء حرب أوكرانيا؟

صعوبة في إطلاق المفاوضات

أ ب
أ ب
تتصاعد أعمدة الدخان في السماء عقب هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية استهدفت مستودعات شركة "وايلدبيريز" (Wildberries) الروسية للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت في سانت بطرسبرغ بروسيا، يوم الجمعة 24 يوليو 2026

هل تنجح أوروبا في جهود الوساطة لإنهاء حرب أوكرانيا؟

على خلفية قناعة بتحول الحرب الروسية على أوكرانيا إلى حرب استنزاف مع تطور القدرات الأوكرانية في الصمود على خطوط الجبهة ومنع الجيش الروسي من التقدم، وزيادة كمية ونوعية الهجمات بالمسيرات والصواريخ على الداخل الروسي، بدأت القوى الرائدة في أوروبا بلورة أفكار لاستئناف الحوار السياسي مع روسيا بعد سنوات من الحوار عبر العقوبات والعقوبات المضادة التي وصلت عمليا إلى أقصى درجة ممكنة من دون أن تحدث الأثر المطلوب.

وفي المقابل، تلقفت روسيا الإشارات الأوروبية حول الحوار باكرا، وسعت إلى تحديد المحاورين المفضلين لها من الساسة الأوروبيين، مع تأكيد مواقفها السابقة المتعلقة بشأن أي تسوية محتملة، مشددة على أن دخول الأوروبيين على خط الوساطة يتطلب إعادة نظر جذرية في سياسات بروكسل وطريقة تعاملها مع موسكو وكييف، والكف عن محاولات إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا.

وحتى وقت قريب، اختلفت برلين ولندن وباريس في وجهات نظرها بشأن جدوى الانخراط مع الكرملين. ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى فتح قنوات حوار منذ خريف العام الماضي، في حين ظل المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الحكومة البريطانية السابق كير ستارمر أكثر حذرًا.

ومنذ مطلع العام الحالي، تجمعت عوامل عدة لإنضاج مبادرة الحوار، ولعل أهمها دعم الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي لها، وتصاعد مخاوف أوكرانيا وأوروبا من سعي الولايات المتحدة إلى إعادة تعريف علاقتها مع روسيا من دون إيلاء اهتمام كافٍ للمصالح الأمنية الأوروبية، ويضاف إلى ما سبق حالة عدم اليقين المحيطة بالتمويل طويل الأمد للمساعدات العسكرية المقدمة إلى أوكرانيا مع تحمل أوروبا المسؤولية كاملة بعد وقف الدعم الأميركي، بالتزامن مع حاجة أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيين إلى تسريع تطوير قدراتهم الدفاعية الخاصة.

وفي خطوة بدا أنها منسقة بالكامل مع الجانب الأوكراني من حيث التوقيت والأهداف، اجتمع قادة دول-"E3" ماكرون، وميرتس، وستارمر- مع زيلينسكي في 7 يونيو/حزيران في لندن، بهدف تنسيق المزيد من الدعم لأوكرانيا ومناقشة آفاق محادثات السلام مع روسيا، والدور الذي يجب أن تؤديه أوروبا في أي مفاوضات مستقبلية. وشدد القادة على ضرورة مشاركة كل من أوروبا والولايات المتحدة بشكل نشط في هذه العملية. وحدد القادة خمسة شروط رئيسة لأي تسوية محتملة، وهي: وقف فوري لإطلاق النار؛ اعتبار خط المواجهة الحالي أساسًا للمفاوضات؛ تقديم ضمانات أمنية ملزمة لكييف، ومن ضمنها نشر بعثة حفظ سلام دولية في أوكرانيا؛ استمرار تجميد الأصول الروسية إلى حين انتهاء الحرب ودفع تعويضات لأوكرانيا؛ وحماية المصالح الأمنية الأوروبية.

موسكو، التي تكيفت مع العقوبات عبر تحويل الاقتصاد إلى السكة الحربية، والحصول على دعم حلفاء من "الجنوب العالمي" ترفض الرضوخ للغة الإنذارات، وتراهن على لعبة "عض أصابع" تصرخ فيها أوروبا أولا

وجاء اجتماع لندن عقب رسالة مفتوحة، أرسلها زيلينسكي إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 4 يونيو/حزيران، اقترح فيها عقد قمة معه في سويسرا أو تركيا أو إحدى الدول العربية، بمشاركة أوروبية من "دول قادرة على التأثير في الوضع"، إلى جانب الولايات المتحدة، موضحا أن القمة تهدف إلى إطلاق مناقشات حول إنهاء الحرب، على أن يسبقها وقف لإطلاق النار على طول خط المواجهة الحالي. وقال زيلينسكي إن هذه المحادثات ضرورية في ضوء الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها روسيا، والفعالية المتزايدة للضربات الجوية الأوكرانية ضد أهداف داخل الأراضي الروسية.

الدوافع الأوروبية

تنطلق دعوات القوى الرائدة في أوروبا لفتح مفاوضات مع روسيا من عدة أسباب، أهمها: الرغبة في الحفاظ على دور قيادي في صوغ سياسة الأمن الأوروبي، وقطع الطريق على أي صفقة ممكنة بين موسكو وواشنطن على حساب أوكرانيا والاتحاد الأوروبي؛ ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة مع روسيا في البلطيق أو مولدوفا؛ وكسب الوقت لبناء منظومة أمنية ودفاعية أوروبية أقل اعتمادا على الولايات المتحدة؛ وصعوبة استمرار سياسة العقوبات في ظل تناقض مواقف البلدان وتأثيرات أي حزم جديدة على الاقتصاد الأوروبي، وهنا تكفي الاشارة إلى أن النقاشات حول الحزمة الحادية والعشرين التي أقرت في الشهر الجاري استمرت شهورا وأدخلت تعديلات عليها لمنع اعتراضات عدة دول عليها.

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر اجتماعاً مع يفغيني باليتسكي -الحاكم الذي عينته موسكو على الأجزاء الخاضعة للسيطرة الروسية من مقاطعة زابوروجي- في موسكو، روسيا، في 20 يوليو 2026

والأرجح أن الأوروبيين تشجعوا على طرح مبادرتهم الخاصة بالتزامن مع رسالة زيلينسكي بعد تقارير حول صعوبة تقدم روسيا ميدانيا على خطوط الجبهة، وزيادة قدرة أوكرانيا على بلوغ أهداف عسكرية واقتصادية في عمق روسيا، والاستطلاعات حول تراجع شعبية الرئيس فلاديمير بوتين وحزبه الحاكم قبل انتخابات برلمانية وإقليمية مهمة في سبتمبر/أيلول المقبل، والبيانات حول تراجع النمو وارتفاع التضخم، والنقص في القوى العاملة في روسيا.

رفض لغة الإنذارات

وفي أحدث رد على مبادرات الحوار الأوروبية، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الدول الغربية تسعى إلى إلحاق "هزيمة استراتيجية" بروسيا وتقسيمها.

ورأى في مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية (تاس)، أن مطالبة الغرب بضرورة التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا قبل بدء المفاوضات بمثابة "إنذار نهائي".

وفي مؤشر إلى إصرار موسكو على شروطها السابقة، قال لافروف إن بقاء الوضع عند خطوط التماس "سيؤدي إلى استمرار وجود النظام النازي في أوكرانيا". ورفض لافروف الحديث عن تغيرات جذرية لمصلحة أوكرانيا في مسار الحرب، وذكر أن "(الرئيس الأوكراني) زيلينسكي بدأ بتنفيذ أعمال إرهابية بسبب اليأس، مع تراجعه المستمر في دونباس وفي مناطق أخرى من الجبهة. وهم (الغربيين) يرون أن صواريخ زيلينسكي بعيدة المدى تصيب أهدافها، وبدأوا بتصوير ما يحدث على أنه نقطة تحول". وخلص لافروف إلى أن "الولايات المتحدة وأوروبا ليستا مستعدتين لإقامة علاقات مع روسيا على أساس المساواة والاحترام المتبادل".

وبدا أن موسكو، التي تكيفت مع العقوبات عبر تحويل الاقتصاد إلى السكة الحربية، والحصول على دعم حلفاء من "الجنوب العالمي" ترفض الرضوخ للغة الإنذارات، وتراهن على لعبة "عض أصابع" تصرخ فيها أوروبا أولا.

وكشفت تصريحات المسؤولين الروس على مختلف المستويات أن موسكو منفتحة على مفاوضات لتسوية سياسية، ولكن من دون تقديم تنازلات عن عدد من الأهداف أهمها إقرار أوكرانيا بالتنازل عن القرم ولوهانسك والانسحاب من باقي مقاطعة دونيتسك، وعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف "الناتو"، وعدم نشر أي قوات أجنبية على أراضيها. وفي بعض التصريحات ذهب المسؤولون الروس إلى التشدد في المطالب، وتكاد لا تمر أسابيع من دون أن يذكر مسؤول روسي أن أوكرانيا كيان مصطنع مصيره التفكك. وفي اجتماع احتفالي بيوم البحرية الروسية أعاد بوتين التأكيد على أن قادة البلاشفة هم من أسسوا أوكرانيا على حساب الأراضي الروسية، وضموا إليها لاحقا أراضي من بولندا والمجر وغيرهما، ومع تشديده على أن روسيا كانت الضامن الوحيد لبقاء أوكرانيا، لم يستبعد بوتين تفكك أوكرانيا مستقبلا.

وفي مؤشر إلى استعداد روسيا لمواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها، تواصل روسيا رفع عديد الجيش وتزويده بمعدات إضافية. ووقع بوتين على مرسوم في 27 يونيو/حزيران الجاري لزيادة حجم الجيش الروسي إلى مليونين و426 ألفا، من ضمنهم مليون و535 ألف مقاتل. ويندرج المرسوم في إطار رفع تدريجي لعدد القوات المسلحة بلغ قرابة نصف مليون منذ بداية الحرب على أوكرانيا.

رغم الضغوط من المستبعد أن يقدم بوتين أي تنازلات جوهرية نظرا لأنه يرى أن المعركة الحالية في أوكرانيا تحدد مستقبل روسيا، ودورها كقوة عظمى في النظام العالمي الجديد

وعلى عكس الغاية المبتغاة، من غير المستبعد أن تستفيد روسيا من محاولات القادة الأوروبيين وأوكرانيا الانخراط في حوار معها. فمن شأن هذه المبادرات أن تعزز مكانة نظام بوتين داخل النخبة الروسية. كما يُرجح أن تؤدي إلى تشدد موسكو في موقفها بشأن شروط أي تسوية مستقبلية. وقد تعزز هذه الاتصالات أيضًا اعتقاد الكرملين بأن كلا من أوروبا وأوكرانيا لا تزالان تعتمدان على الولايات المتحدة. كذلك، قد تصعب أي مفاوضات محتملة توسيع نطاق المساعدات العسكرية الغربية لكييف أو زيادة الضغط عبر العقوبات على روسيا. كما يوفر استئناف الانخراط الدبلوماسي فرصًا إضافية لموسكو لاستغلال الانقسامات بين الحلفاء الغربيين، وكذلك بين أوكرانيا وشركائها.

وتدرك روسيا جيدا تردد أوروبا ومخاوفها وتستغل هذا التردد لأبعد الحدود. ومن المستبعد أن تأخذ روسيا بجدية مقترحات الدول الأوروبية وأوكرانيا وهي تراقب الإرادة السياسية الضعيفة، وانقلاب الرأي العام، وتصاعد الأحزاب اليمينية إلى السلطة.

الآفاق

ومن أجل تهيئة الظروف للدخول بأي مفاوضات محتملة لإنهاء الحرب من موقع قوة، انتهز الأوروبيون قمة مجموعة السبع الأخيرة في إيفيان وقمة حلف "الناتو" في تركيا واجتماع "تحالف الراغبين" لزيادة الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لأوكرانيا.

ومن الواضح أن الحرب في أوكرانيا تحولت في الشهور الأخيرة إلى سباق بين نظريتين متنافستين للنصر تعتمد كل منهما على الاستنزاف. وتركز أوكرانيا على زيادة إنتاج الطائرات المسيّرة إلى أقصى حد، إلى جانب الاستخدام المبتكر للذكاء الاصطناعي، وتنفيذ ضربات بعيدة المدى منخفضة التكلفة وعالية التأثير، مدمجة مع الحرب السيبرانية والحرب الإلكترونية، بهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية بروسيا على الجبهات، إضافة إلى إبقاء قطاعي النفط والغاز الروسيين، وبالتالي الاقتصاد الروسي، تحت التهديد، وتأليب مزيد من الروس ضد الحرب. في المقابل، تحاول روسيا زيادة حملة العقاب التي تشنها، من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية والمراكز السياسية والاقتصادية الرئيسة، مثل كييف، بهدف فرض مفاوضات تخدم مصالح الكرملين. وبينما لا تزال ساحة المعركة عاملًا حاسمًا، فإن حملات الضربات العميقة المتنافسة هذه هي الأكثر احتمالًا لفرض تسوية في الشهور المقبلة رغم حاجة جميع الأطراف إلى وقف الحرب بأقصى سرعة ممكنة.

ورغم الضغوط من المستبعد أن يقدم بوتين أي تنازلات جوهرية نظرا لأنه يرى أن المعركة الحالية في أوكرانيا تحدد مستقبل روسيا، ودورها كقوة عظمى في النظام العالمي الجديد الذي طرحه الكرملين منذ عودة بوتين إلى الحكم في ولايته الثالثة في عام 2012. وما زالت موسكو تفضل صفقة ثنائية مع ترمب لتقاسم النفوذ تكون أوروبا ضمن حصتها، مقابل دعم عقيدة "دونرو" (العقيدة المحدثة من قبل ترمب لمبدأ الرئيس جيمس مونرو).

وبعيدا عن التشكيك الروسي بدور أوروبا كوسيط نزيه، وإشارة المسؤولين الروس إلى أن ألمانيا وفرنسا عملتا على التوصل إلى اتفاقيات مينسك سابقا في 2015 بين روسيا وأوكرانيا، لكسب الوقت وتعزيز قوة كييف وإضعاف روسيا، فإن من تقديرات أوروبا بأن بوتين يمكن أن يوافق على وقف إطلاق النار قبل تحقيق أهداف حرب خاطئة.

من الواضح أن محاولات أوروبا فتح مفاوضات مع الكرملين، جاءت نتيجة تقديرات بأن أوكرانيا تملك أوراق قوة وتستطيع قلب موازين القوى

فقد أصبحت الحرب محور السياسة والاقتصاد في روسيا، ولا يمكن لبوتين أن يعلن فجأة عن وقف لإطلاق النار أو الدخول في مفاوضات بسقف زمني واضح. ومن المؤكد أن نظام بوتين سيكون أمام تهديد وجودي في حال إنهاء الحرب دون تحقيق كامل أهدافها، وسيكون هدفا سهلا للقوميين المتشددين النافين لفكرة وجود أوكرانيا كدولة، والليبراليين المعارضين للحرب، وحتى من المواطنين الذين بدأت تظهر عليهم علامات التعب والإرهاق والخيبة نتيجة نجاح أوكرانيا في تنفيذ ضربات موجعة في العمق.

من الواضح أن محاولات أوروبا فتح مفاوضات مع الكرملين، جاءت نتيجة تقديرات بأن أوكرانيا تملك أوراق قوة وتستطيع قلب موازين القوى، مع افتراض أن الهجمات الأوكرانية تحول دون تحقيق نصر روسي، ما يمهد الطريق أمام مفاوضات للتسوية السياسية بشروط مقبولة تختلف عن نهج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

 أ ف ب
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وهما يتصافحان ممسكين بوثائق ثنائية مُوقَّعة عقب اجتماعهما في كييف، وذلك في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا، 15 يوليو 2026

ومن دون التكهن بنتائج الحراك الأوروبي للحوار والتفاوض مع روسيا، فإن أسئلة ملحة يجب على أوروبا الإجابة عليها لتحديد أهداف وأفق الحوار والمفاوضات من أهمها: ما دور أوروبا على طاولة أي مفاوضات محتملة؟ وهل يمكن ممارسة ضغوط على أوكرانيا؟ وهل تقبل بفرض قيود على تعاونها الدفاعي مع أوكرانيا؟ وهل تستطيع إنهاء الخلافات في داخل البيت الأوروبي بشأن طبيعة العلاقات المستقبلية مع موسكو؟ وأخيرا كيف يمكن المحافظة على استقلال أوكرانيا وتحقيق السلام والأمن في أوروبا عبر المفاوضات مع روسيا، وضمان عدم تكرار الحرب بعد سنوات؟

font change

مقالات ذات صلة