من هو قائد الجيش الأوكراني الجديد الذي يعوّل عليه زيلينسكي؟

ميخايلو دراباتي يسعى إلى خوض حرب أكثر حداثة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
ميخايلو دراباتي خلال اجتماع مع الرئيس الأوكراني في كييف، في 20 يوليو 2026

من هو قائد الجيش الأوكراني الجديد الذي يعوّل عليه زيلينسكي؟

أدرك كبار القادة العسكريين، من جورج باتون الذي عرف بتبختره مرتديا حذاء الفرسان وحاملا مسدسين بمقبضين عاجيين، إلى برنارد مونتغمري الذي اشتهر بتقشفه، أن معنويات الجنود ترتبط ارتباطا وثيقا بالصورة التي يرسمها القائد لنفسه، ومع ذلك، قلما تولى قائد منصبه محاطا بهالة أسطورية تضاهي تلك التي تحيط بميخايلو دراباتي، الذي عُين قائدا عاما للقوات المسلحة الأوكرانية في 21 يوليو/تموز، خلفا لألكسندر سيرسكي.

ويعلق كثيرون آمالا على أن يسهم تعيينه في تحديث القوات المسلحة الأوكرانية، فعلى الرغم من قدرتها غير المتوقعة على الابتكار والتكيف خلال السنوات التي تلت الغزو الروسي الشامل عام 2022، فإنها لم تنجح بعد في التحرر كليا من الجمود الخانق الذي يطبع هياكل القيادة الموروثة من الحقبة السوفياتية.

برز اسم الجنرال دراباتي، البالغ من العمر 43 عاما، للمرة الأولى عام 2014، حين كان ضابطا شابا برتبة رائد، بعدما حاول انفصاليون مدعومون من روسيا السيطرة على ماريوبول الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد، يومها، تقدم دراباتي الصفوف على رأس رتل من أربع مركبات مدرعة، واخترق حواجز المتمردين ليشق طريقه إلى داخل المدينة، وفي وقت لاحق من العام نفسه، قاد كتيبته في غارة امتدت على طول الحدود الروسية بهدف قطع خطوط إمداد المقاتلين الانفصاليين، غير أن قواته تعرضت لنيران روسية كثيفة، ووجدت نفسها محاصرة إلى جانب وحدات أخرى، وبعد استسلام كتيبة مجاورة، تمكن من قيادة نحو 260 جنديا، والانسحاب بهم بأمان إلى الخطوط الأوكرانية.

لم تُبن شهرته على الشجاعة العسكرية وحدها، بل عززها أيضا تعاطفه الواضح مع جنوده، فعندما تولى قيادة القوات البرية أواخر عام 2024، وهو منصب يركز على الإعداد والتدريب أكثر من إدارة المعارك ميدانيا، وضع في صدارة أولوياته تحسين الظروف المعيشية للمقاتلين، وتطوير آليات التجنيد، وتوظيف التقنيات الحديثة للحد من الخسائر البشرية، وسعى في الوقت نفسه إلى ترسيخ نمط قيادي مستوحى من العقيدة العسكرية الغربية، يقوم على منح الضباط والمرؤوسين صلاحيات أوسع، ولخص هذه الرؤية لاحقا في منشور على منصة "فيسبوك" قائلا: "تشهد منظومة القيادة تحولا تدريجيا من ثقافة الترهيب إلى ثقافة المسؤولية. وللمرة الأولى، لم تعد المبادرات الصادرة من الرتب الأدنى تشكل تهديدا للمستويات العليا، بل أصبحت موردا حيويا يمكن الإفادة منه". وكما منح مرؤوسيه مساحة أوسع لتحمل المسؤولية، أخضع نفسه للمعايير الصارمة ذاتها، ففي عام 2025، وبعد ضربة صاروخية روسية استهدفت قاعدة تدريب وأسفرت عن مقتل 12 جنديا، بادر إلى تقديم استقالته، تأكيدا لمبدأ المحاسبة الذاتية واستعداده لتحمل المسؤولية.

وانتقل لاحقا إلى منصب قيادي أتاح له مشاركة أكثر مباشرة في التخطيط للعمليات القتالية، فنال تقديرا واسعا من قادة الألوية العاملين تحت إمرته، لما أبداه من استعداد للاستماع إلى مطالبهم وحرص على دعمهم، وفي هذا الصدد، قال روب لي، الخبير المتخصص في الحرب الأوكرانية، إن دراباتي "يتخذ موقفا صريحا مناهضا للعقلية السوفياتية ولأسلوب الإدارة القائم على التدخل في أدق التفاصيل".

ينظر إلى سيرسكي أيضا بوصفه قائدا تكتيكيا بارعا، ولا سيما بعد إدارته الناجحة للدفاع عن العاصمة كييف عام 2022

ويتعارض هذا الأسلوب بصورة جذرية مع نهج الجنرال سيرسكي، الذي أقالته الرئاسة الأوكرانية عقب موجة احتجاجات واسعة طالبت برحيله، وكان سيرسكي قد لُقب بـ"جزار باخموت"، وهو وصف يراه بعضهم مجحفا، بسبب الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها القوات الأوكرانية خلال دفاعه العنيد عن المدينة عام 2023.

ويختزل كثير من المحللين الفارق بين دراباتي وسيرسكي في صراع بين جيلين، فالأول يمثل نموذجا لقائد شاب متمرس بالتكنولوجيا ومتحمس لاستخدام الطائرات المسيرة، بينما يجسد الثاني نمطا تقليديا من القيادة المنتمية إلى المدرسة السوفياتية القديمة، غير أن هذا التصوير يفرط في تبسيط المشهد ويتجاهل أوجها أخرى أكثر جوهرية للاختلاف بين الرجلين.

أ.ف.ب
زيلينسكي وميخايلو دراباتي وهما يتصافحان خلال اجتماع في كييف، في 20 يوليو 2026

لقد أشرف الجنرال سيرسكي على توسيع استخدام الطائرات المسيرة داخل الجيش الأوكراني على نطاق غير مسبوق، كما تبنى استراتيجية هجومية اعتمدت على الطائرات متوسطة المدى لعزل شبه جزيرة القرم، والطائرات بعيدة المدى لاستهداف المنشآت النفطية في عمق الأراضي الروسية، ومع ذلك، لم يصرفه هذا التوجه التكنولوجي عن إدراك أهمية العتاد العسكري التقليدي، مثل الدبابات والمدفعية، لما يؤديه من دور حاسم في صد الهجمات وتفكيكها قبل أن تخترق خطوط الدفاع التي لا تستطيع الطائرات المسيرة وحدها حمايتها.

وينظر إلى سيرسكي أيضا بوصفه قائدا تكتيكيا بارعا، ولا سيما بعد إدارته الناجحة للدفاع عن العاصمة كييف عام 2022، ثم قيادته بعد عامين هجوما مباغتا داخل الأراضي الروسية قرب كورسك، ومع ذلك، تمحورت أبرز المخاوف المرتبطة بقيادته حول ما وصفه بعضهم بأخطاء استراتيجية جسيمة، إلى جانب اتهامات بالمحاباة والانحياز في توزيع التعزيزات والعتاد العسكري.

شهدت المظاهرات مشاركة لافتة لجنود مصابين، من بينهم أندريه سيري (27 عاما)، الذي فقد قدمه في هجوم بطائرة مسيرة العام الماضي، وقد علق على عكازه لافتة كتب عليها: "لا أستطيع الوقوف، لكنني لن أصمت"

وفي هذا السياق، وجه ضباط غربيون شاركوا في التخطيط للهجوم الأوكراني المضاد صيف عام 2023 انتقادات حادة إلى سيرسكي، واتهموه بتشتيت الزخم العسكري عبر تحويل قوات إلى جبهة باخموت، بدلا من حشدها لشن هجوم مركّز وحاسم على المحور الجنوبي.

في المقابل، يدافع حلفاؤه عنه مؤكدين أنه كان يسعى إلى استنزاف القدرات الروسية وإبقاء قواتها منشغلة، ويرون أن مسؤولية أي خلل في توزيع القوات، إن وقع بالفعل، ينبغي أن يتحملها فاليري زالوجني، الذي كان القائد العام آنذاك.

واشتهر الجنرال سيرسكي بميله إلى المركزية المفرطة والتدخل في أدق التفاصيل، فضلا عن رفضه الإقرار الكامل بسلطة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف الذي يعد بدوره من أبرز دعاة التحديث بين القيادات الشابة، فقد عارض مساعي الوزير إلى دمج الوحدات المتعثرة وسيئة القيادة، واختار بدلا من ذلك تشكيل ألوية جديدة، ما أسهم في مزيد من تشتيت القوة البشرية المحدودة أصلا.

أ.ف.ب
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ووزير الدفاع الأوكراني بالوكالة يفغيني خمارا والقائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ميخايلو دراباتي، والقائد العام السابق للقوات المسلحة الأوكرانية أولكسندر سيرسكي، في 22 يوليو 2026

وفي هذا السياق، كتب جاك واتلينغ، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث يتخذ من لندن مقرا له، أن "سيرسكي أخذ عددا من أفضل الوحدات الأوكرانية ووزعها في تشكيلات مجزأة على أطراف متباعدة من الجبهة".

وبعد احتدام الخلاف مع الجنرال سيرسكي وفشل محاولاته لإبعاده، أقال زيلينسكي السيد فيدوروف في 15 يوليو/تموز، ما أشعل موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية والعسكرية المطالبة برحيل سيرسكي وعودة فيدوروف إلى منصبه، وتفيد التقارير بأن زيلينسكي عرض على فيدوروف تولي منصب جديد، لكن قبوله العرض لا يزال موضع شك، بعدما أضعف الخلاف ثقته بالرئيس الأوكراني، وفي الوقت نفسه، ألحق الغضب والفوضى اللذان أعقبا الإقالة ضررا بالغا بسلطة الرئاسة.

وشهدت المظاهرات مشاركة لافتة لجنود مصابين، من بينهم أندريه سيري، البالغ من العمر 27 عاما، الذي فقد قدمه في هجوم بطائرة مسيرة العام الماضي، وقد علق على عكازه لافتة كتب عليها: "لا أستطيع الوقوف، لكنني لن أصمت".

وأيا كانت كفاءة القائد العام الجديد، فإن التحديات التي تنتظره لا تملك حلولا سهلة.

font change