أدرك كبار القادة العسكريين، من جورج باتون الذي عرف بتبختره مرتديا حذاء الفرسان وحاملا مسدسين بمقبضين عاجيين، إلى برنارد مونتغمري الذي اشتهر بتقشفه، أن معنويات الجنود ترتبط ارتباطا وثيقا بالصورة التي يرسمها القائد لنفسه، ومع ذلك، قلما تولى قائد منصبه محاطا بهالة أسطورية تضاهي تلك التي تحيط بميخايلو دراباتي، الذي عُين قائدا عاما للقوات المسلحة الأوكرانية في 21 يوليو/تموز، خلفا لألكسندر سيرسكي.
ويعلق كثيرون آمالا على أن يسهم تعيينه في تحديث القوات المسلحة الأوكرانية، فعلى الرغم من قدرتها غير المتوقعة على الابتكار والتكيف خلال السنوات التي تلت الغزو الروسي الشامل عام 2022، فإنها لم تنجح بعد في التحرر كليا من الجمود الخانق الذي يطبع هياكل القيادة الموروثة من الحقبة السوفياتية.
برز اسم الجنرال دراباتي، البالغ من العمر 43 عاما، للمرة الأولى عام 2014، حين كان ضابطا شابا برتبة رائد، بعدما حاول انفصاليون مدعومون من روسيا السيطرة على ماريوبول الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد، يومها، تقدم دراباتي الصفوف على رأس رتل من أربع مركبات مدرعة، واخترق حواجز المتمردين ليشق طريقه إلى داخل المدينة، وفي وقت لاحق من العام نفسه، قاد كتيبته في غارة امتدت على طول الحدود الروسية بهدف قطع خطوط إمداد المقاتلين الانفصاليين، غير أن قواته تعرضت لنيران روسية كثيفة، ووجدت نفسها محاصرة إلى جانب وحدات أخرى، وبعد استسلام كتيبة مجاورة، تمكن من قيادة نحو 260 جنديا، والانسحاب بهم بأمان إلى الخطوط الأوكرانية.
لم تُبن شهرته على الشجاعة العسكرية وحدها، بل عززها أيضا تعاطفه الواضح مع جنوده، فعندما تولى قيادة القوات البرية أواخر عام 2024، وهو منصب يركز على الإعداد والتدريب أكثر من إدارة المعارك ميدانيا، وضع في صدارة أولوياته تحسين الظروف المعيشية للمقاتلين، وتطوير آليات التجنيد، وتوظيف التقنيات الحديثة للحد من الخسائر البشرية، وسعى في الوقت نفسه إلى ترسيخ نمط قيادي مستوحى من العقيدة العسكرية الغربية، يقوم على منح الضباط والمرؤوسين صلاحيات أوسع، ولخص هذه الرؤية لاحقا في منشور على منصة "فيسبوك" قائلا: "تشهد منظومة القيادة تحولا تدريجيا من ثقافة الترهيب إلى ثقافة المسؤولية. وللمرة الأولى، لم تعد المبادرات الصادرة من الرتب الأدنى تشكل تهديدا للمستويات العليا، بل أصبحت موردا حيويا يمكن الإفادة منه". وكما منح مرؤوسيه مساحة أوسع لتحمل المسؤولية، أخضع نفسه للمعايير الصارمة ذاتها، ففي عام 2025، وبعد ضربة صاروخية روسية استهدفت قاعدة تدريب وأسفرت عن مقتل 12 جنديا، بادر إلى تقديم استقالته، تأكيدا لمبدأ المحاسبة الذاتية واستعداده لتحمل المسؤولية.
وانتقل لاحقا إلى منصب قيادي أتاح له مشاركة أكثر مباشرة في التخطيط للعمليات القتالية، فنال تقديرا واسعا من قادة الألوية العاملين تحت إمرته، لما أبداه من استعداد للاستماع إلى مطالبهم وحرص على دعمهم، وفي هذا الصدد، قال روب لي، الخبير المتخصص في الحرب الأوكرانية، إن دراباتي "يتخذ موقفا صريحا مناهضا للعقلية السوفياتية ولأسلوب الإدارة القائم على التدخل في أدق التفاصيل".

