الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل وضعت روسيا في موقف صعب للغاية. وقضت الصواريخ الإسرائيلية والأميركية على آخر آمال موسكو بلعب دور وساطة كان يمكن أن يجنبها خيارات صعبة أحلاها مرّ؛ فدعم إيران عسكريا يعني الانحياز لها على حساب إسرائيل، والأهم إغضاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وانتظار تغيير في مواقف إدارته المحابية لموسكو فيما يتعلق بحرب روسيا "الوجودية" مع أوكرانيا.
وفي المقلب الآخر، فإن خسارة الحليف الثالث، في أقل من سنة ونصف السنة، والأكثر قربا لأيديولوجيا الكرملين في معاداة الغرب، ومشروعات بناء عالم متعدد الأقطاب، يشكل ضربة لجهود روسيا في بناء منظمات وتجمعات دولية منافسة للغرب، فضلا عن أنه يوجه ضربة قاسية لسمعة ومصداقية الرئيس فلاديمير بوتين في الدفاع عن حلفائه. وبإطلالات إيران الجغرافية المفتوحة على مناطق استراتيجية قرب حدود روسيا الجنوبية، فإن إسقاط النظام في إيران سوف يتسبب في انهيار منظومات الأمن في جنوب القوقاز وبحر قزوين، وزيادة التجارة غير المشروعة للأسلحة والمخدرات، كما أن موجات اللجوء إن حصلت ستؤدي إلى حالة عدم استقرار في جوار روسيا.
ومع أجواء عدم الثقة التاريخية منذ زمن الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية، من غير المستبعد أن أي نظام جديد في إيران، في حال نجح الغرب في إسقاط الحكم الحالي، سيدير وجهه لروسيا، كما أنه من غير المستبعد أن يراجع النظام الحالي، إن ظل في السلطة، علاقاته مع روسيا والقوى الدولية بناء على دروس واستخلاصات الحرب.
ووجهت الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي هاجمت بلدان الخليج العربي ضربة قاسية لاستراتيجية روسيا في الشرق الأوسط المبنية على توازنات دقيقة تنطلق من إمكانية الجمع بين علاقات استراتيجية على طرفي الخليج، ومحاولة بناء نظام أمني تشارك فيه جميع الأطراف الإقليمية والدولية الراغبة يراعي أمن ومخاوف جميع الأطراف. وفي محاولة للتخفيف من تبعات الهجمات الإيرانية على توازنات روسيا في المنطقة، بادر بوتين إلى الاتصال بقادة المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، وقطر، والبحرين. وأكد الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن بوتين سينقل إلى إيران مخاوف القادة العرب إزاء الهجمات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية النفطية في المنطقة، وأشار إلى أن بوتين "سيبذل بالتأكيد كل جهد للمساهمة في تحقيق قدر، ولو كان بسيطاً، من خفض التصعيد".
إدانات ووساطات
وبعد مرور نحو عشرة أيام على بداية الحرب، علا صوت روسيا بإدانات شديدة اللهجة للولايات المتحدة وإسرائيل، وفي المقابل، فإنها لم تقدم دعما عسكريا لحليفتها التي ساعدتها كثيرا في الحرب على أوكرانيا، وتجتمع معها على إدانة النظام العالمي أحادي القطب. وتذرعت روسيا بأن إيران لم تطلب دعما عسكريا، وأن اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لا يتضمن الدفاع المشترك.


