ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أن الحرب على إيران قد تنتهي قريبا، قائلا إن الولايات المتحدة باتت متقدمة كثيرا على الجدول الزمني، وأن العمليات العسكرية الأميركية المشتركة مع إسرائيل شارفت على الإنجاز. لكن البنتاغون بعث، وفي اليوم نفسه، برسالة مغايرة تماما، فنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبارتين قويتين: "لا رحمة"، و"لقد بدأنا القتال للتو".
وإذا بدت رسائل إدارة ترمب بشأن الحرب على إيران ملتبسة ومربكة، فمن المهم التذكير بأن هذا هو المقصود أصلا. فاختلاط الرسائل وتناقض النبرة أمر متعمد، وليس مجرد نتيجة ارتباك أو ضعف في الكفاءة. وجانب أساسي من الاتصالات الاستراتيجية على الطريقة الترمبية يقوم على إبقاء الجميع في حال تخمين دائم، العالم كله، حلفاء وخصوما على السواء، سعيا إلى كسب أفضلية عبر إرباك الجميع برسائل متناقضة، تبقي الأضواء مسلطة عليه وحده.
وينسجم هذا النهج، الذي يبدو كأنه فوضى محسوبة، مع القالب الذي اعتمده فريق ترمب في الأسابيع التي سبقت الحرب، حين طرح سلسلة واسعة من المبررات لها، تراوحت بين تغيير النظام، وحماية الشعب الإيراني، والتعامل مع البرنامج النووي، والتصدي لخطر الصواريخ الباليستية.
غير أن لهذا الأسلوب كلفته المتراكمة، إذ يقيّد قدرة الإدارة على بناء تأييد أميركي ثابت للعمل العسكري، في ظل افتقار الحملة إلى هدف جامع ورسالة مركزية واضحة. وهذا التأييد الشعبي ضروري لنيل موافقة الكونغرس على تمويل إضافي تحتاجه واشنطن لتعويض الأسلحة التي استهلكها هذا النزاع.
ضعف التأييد الشعبي الأميركي للحرب على إيران في أيامها الأولى
مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، يبدي معظم الأميركيين اعتراضهم على الطريقة التي أدارها بها ترمب. فقد أظهر أحدث استطلاع أجرته "NPR" و"PBS News" و"Marist" أن 56 في المئة من الأميركيين يعارضون الحرب على إيران، في مقابل 44 في المئة أعربوا عن تأييدهم لها. ولم يعرب سوى 36 في المئة فقط من الأميركيين عن موافقتهم على طريقة تعامل ترمب مع إيران.
وتبدو هذه الأرقام متدنية جدا إذا قيست تاريخيا بمستوى الرأي العام الأميركي عند انطلاق الحملات العسكرية. فقد حظيت حربا العراق وأفغانستان في العقد الأول من الألفية، وكذلك الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العقد الثاني منها، بدعم أغلبية الأميركيين عند بدايتها، وإن تراجع ذلك التأييد بمرور الوقت، مع ارتفاع كلفة تلك الحروب في أرواح الأميركيين وأموال دافعي الضرائب.
وعادة ما يسعى الرؤساء الأميركيون إلى بناء إجماع وطني يوحد البلاد في زمن الحرب، لكن ترمب لا يتحرك على هذا النحو. فقد استغل خطاب "حالة الاتحاد" الشهر الماضي لتعميق الانقسام داخل البلاد في طيف واسع من القضايا الداخلية والخارجية، ولم يأت على ذكر إيران إلا لماما في ختام خطاب طويل.

