بين حرب الناقلات وهرمز… ماذا تعلّم الخليج من أزمات الماضي؟

أربعة عقود من الحروب والأزمات تختبر قدرة دول الخليج على حماية اقتصاداتها وتنويع مسارات الطاقة والتجارة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
طائرات مقاتلة سعودية تقوم بعرض جوي فوق مدينة الكويت خلال احتفالات ذكرى يوم التحرير من الغزو العراقي، 26 فبراير/شباط 2023

بين حرب الناقلات وهرمز… ماذا تعلّم الخليج من أزمات الماضي؟

مرت الذكرى السادسة والثلاثون للاحتلال العراقي للكويت يوم الأحد 2 أغسطس/ آب من هذا العام والبلاد تعيش محنة الحرب الأميركية - الإيرانية. والمواطنون يشعرون بفقدان الأمن نتيجة المسيرات والصواريخ التي تطلقها إيران على الكويت والبحرين ودول خليجية أخرى، مستهدفة البنى التحتية ومرافق توليد الكهرباء وإنتاج المياه ومنشآت أمنية وعسكرية أو مطارات أو موانئ ومواقع نفطية.

وقد ظل الخليجيون، والكويتيون منهم، قادرين على التعامل مع هذه الاعتداءات ومواجهتها وإبطال مفعول غالبيتها، لكن لا يمكننا إغفال الأضرار التي نتجت من هذه الاعتداءات، فضلا عن الضحايا من الأفراد بين المواطنين والمقيمين.

لا شك أن الغزو العراقي للكويت كان بالغ القسوة، إذ ظلت البلاد ترزح تحت الاحتلال نحو سبعة أشهر، منذ 2 أغسطس/آب 1990 حتى تحريرها في 28 فبراير/شباط 1991. وبعد أن أخفق العراق في تنفيذ قرارات مجلس الأمن، أتاح القرار 678 استخدام القوة لإجباره على الانسحاب، لتتشكل قوات تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة بلغ قوامها نحو 680 ألف جندي، بينهم نحو 410 آلاف أميركي، وتمكنت خلال عملية "عاصفة الصحراء" من تحرير الكويت.

وفي هذه المناسبة، هل يمكن ردع إيران وإيقاف اعتداءاتها المتكررة التي زجت بدول الخليج في أتون الحرب دون مسوغات ومبررات مقنعة؟

أهم الدروس

لعل من أهم دروس الاحتلال العراقي والاعتداءات الإيرانية على الكويت ودول الخليج الأخرى، التعاضد الخليجي والترابط الأمني والعسكري والاقتصادي. فالسعودية شكّلت قاعدة أساسية لانطلاق عمليات تحرير الكويت عام 1991، إذ أتاحت أراضيها ومطاراتها ومرافقها للقوات الدولية، ومكّنت قوات التحالف من حشد قواتها ومعداتها وتنظيمها والاستعداد للانطلاق منها في العمليات العسكرية لتحرير الكويت.

لا يقتصر الدور السعودي اليوم على حماية أمن المملكة، بل تؤدي الرياض دورا محوريا في منظومة الأمن والدفاع الخليجي، مدعومة بقدرات عسكرية كبيرة.

فقد بلغ إنفاقها العسكري نحو 83.2 مليار دولار في 2025، لتكون أكبر منفق عسكري في الشرق الأوسط وثامن أكبر منفق عالميا. وقد ارتفع الإنفاق العسكري السعودي في الربع الأول من 2026 إلى 64.7 مليار ريال (17.2 مليار دولار)، بزيادة 26 في المئة على أساس سنوي، وفق بيانات وزارة المالية السعودية التي نقلتها "فايننشال تايمز" (Financial Times). كما تستضيف المملكة مقر القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون، بما يعزز التنسيق الدفاعي بين دول الخليج في مواجهة التهديدات الإقليمية، بما فيها الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية.

لا يقتصر الدور السعودي اليوم على حماية أمن المملكة، بل تؤدي الرياض دورا محوريا في منظومة الأمن والدفاع الخليجي، مدعومة بقدرات عسكرية كبيرة

وتحتاج دول الخليج إلى تطوير التعاون العسكري، من استجابة مؤقتة للأزمات إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تواكب تطور الصواريخ الباليستية والمسيّرات والهجمات المنخفضة التكلفة. ويشمل ذلك بناء منظومات دفاع جوي وصاروخي متكاملة تعتمد على الإنذار المبكر وتبادل البيانات وربط أجهزة الاستشعار والمنصات الاعتراضية، بما يسمح باكتشاف التهديد والتعامل معه قبل وصوله إلى الأهداف، بالتعاون مع الولايات المتحدة والدول الصديقة.

ولا يعني ذلك بالضرورة سباقا مفتوحا على شراء الأسلحة، بل البحث عن حلول دفاعية أكثر كفاءة من حيث التكلفة، تجمع بين الأنظمة الاعتراضية التقليدية والتقنيات الجديدة، والاستثمار في الإنذار المبكر والاستشعار والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، إلى جانب تطوير القدرات البحرية والبرية. ومع وصول الإنفاق العسكري العالمي إلى نحو 2.89 تريليون دولار في 2025، تبدو الحاجة أكبر إلى توجيه الإنفاق الدفاعي نحو القدرات التي تحقق أعلى كفاءة عملياتية، وليس مجرد زيادة حجم الترسانة.  

الأمن الاقتصادي

أكدت الأزمات والحروب التي مرت بدول الخليج ومن بينها الكويت، أهمية الأمن الاقتصادي. خلال الحرب العراقية-الإيرانية، تحولت مياه الخليج إلى ساحة لما عُرف بـ"حرب الناقلات"، التي استهدفت خلالها إيران والعراق السفن وناقلات النفط بهدف الضغط على اقتصاد الطرف الآخر.

أ.ف.ب
موكب يحمل الأعلام الكويتية، خلال مراسم الاحتفال بيوم الاستقلال وذكرى التحرير، 19 فبراير/شباط 2025

ومع تصاعد الهجمات الإيرانية على الناقلات الكويتية، طلبت الكويت حماية دولية، فوافقت الولايات المتحدة على إعادة تسجيل 11 ناقلة كويتية تحت العلم الأميركي، وأطلقت في يوليو/تموز 1987 عملية "إرنست ويل" (Operation Earnest Will) لمرافقتها وحمايتها، وكانت أكبر عملية قوافل بحرية منذ الحرب العالمية الثانية. 

واستمرت العملية حتى سبتمبر/أيلول 1988، وأسهم الوجود العسكري الأميركي في حماية جزء كبير من حركة الملاحة وردع بعض الهجمات، لكنه لم يكن السبب المباشر في إنهاء الحرب. فقد جاء وقف إطلاق النار بين العراق وإيران في 20 أغسطس/آب 1988، بعد قبول الطرفين تنفيذ قرار مجلس الأمن 598، في سياق عسكري وسياسي أوسع.

وخلال الحرب العراقية–الإيرانية، ظل الاقتصاد الكويتي، وبدرجات متفاوتة اقتصادات دول الخليج، معرضا لضغوط كبيرة نتيجة مخاطر الملاحة في الخليج وهجمات الناقلات، بما هدد تدفقات النفط والتجارة ورفع تكاليف التأمين والنقل.

أما الغزو العراقي للكويت عام 1990، فقد أحدث صدمة اقتصادية مختلفة جذريا، إذ توقفت التجارة الخارجية، وشُل سوق العمل، وتوقف إنتاج السلع والخدمات إلى حد كبير، ليهبط الناتج إلى ما يقدر بنحو 10–20 في المئة من مستواه قبل الغزو. كما أُحرق أكثر من 60 في المئة من آبار النفط، وتجاوزت الأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية 10 مليارات دولار، فيما قدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار الناجمة عن الأضرار المباشرة بأكثر من 21 مليار دولار. وبذلك لم يعد الأمر يتعلق بتهديد صادرات النفط أو تعطل جزء من النشاط الاقتصادي، وإنما بتدمير واسع للبنية الاقتصادية وتعطيل معظم مقومات الحياة الاقتصادية في البلاد.

مع ارتفاع تكلفة إعادة الإعمار، اضطرت الكويت إلى اللجوء إلى الاقتراض. ففي أكتوبر 1991 حصلت للمرة الأولى على قرض دولي مجمع بنحو 5 مليارات دولار لتمويل مشاريع إعادة الإعمار

كما اضطرت الحكومة الكويتية في المنفى إلى الاستعانة بالثروة السيادية للبلاد لتمويل عمل مؤسسات الدولة وتغطية احتياجاتها خلال الاحتلال، بعدما جُمّدت بعض أصول الكويت في الخارج. ولعب مكتب الاستثمار الكويتي، التابع للهيئة العامة للاستثمار، دورا محوريا في إدارة وتحويل الأموال إلى الحكومة في المنفى.

وبعد التحرير، استُخدمت أموال صندوق الأجيال القادمة وصندوق الاحتياطي العام، اللذين كانا يملكان قرابة 100 مليار دولار قبل الغزو، لتمويل تكاليف الحرب والتحرير وإعادة الإعمار. ويقدر صندوق النقد الدولي أن نحو 85 مليار دولار سُحبت من صندوق الأجيال القادمة بين 1990 و1994، فيما تراجعت محفظته الاستثمارية بنحو 30 مليار دولار خلال تلك الفترة.

ولا شك أن السعودية ودول الخليج الأخرى قدمت دعما مهما للكويت خلال الاحتلال، بما في ذلك استضافة أعداد كبيرة من الكويتيين والمشاركة في جهود الإغاثة والدعم المرتبطة بالأزمة. لكن العبء الاقتصادي الأكبر ظهر بعد التحرير، إذ وجدت الحكومة الكويتية نفسها أمام اقتصاد تعرض لدمار واسع، وانخفضت الإيرادات الحكومية بنسبة 66 في المئة في السنة المالية 1990/1991، بينما قفز الإنفاق 126 في المئة، وسجلت الموازنة عجزا يعادل نحو 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

أ.ف.ب
دخان حريق يتصاعد من إحدى صالات مطار الكويت الدولي، عقب استهداف إيراني، 1 أبريل/نيسان 2026

وعلى الرغم من استئناف إنتاج النفط وصادراته في يونيو/حزيران 1991، فإنه ظل منخفضا، فلم يبلغ نحو مليون برميل يوميا إلا في أغسطس/آب 1992. ومع ارتفاع تكلفة إعادة الإعمار، اضطرت الكويت إلى اللجوء إلى الاقتراض. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1991 حصلت للمرة الأولى على قرض دولي مجمع بنحو 5 مليارات دولار لتمويل مشاريع إعادة الإعمار.

العدوان الإيراني

أدت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز خلال الحرب الإيرانية–الأميركية إلى تعطيل جزء من صادرات النفط والغاز الخليجية، مما دفع شركات طاقة خليجية، ومنها شركة البترول الكويتية، إلى تفعيل بنود "القوة القاهرة". وكانت الكويت من أبرز المتضررين، فيما تكشف أرقام 2025 اعتمادها الكبير على المضيق، إذ مر عبره نحو 2.37 مليون برميل يوميا من خامها ومنتجاتها النفطية، بينما تمر عبره غالبية صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال.

وتضع هذه الاضطرابات المالية العامة لدول الخليج أمام اختبار صعب، خصوصا الدول الأكثر اعتمادا على عائدات النفط والغاز لتمويل الإنفاق الجاري والرأسمالي. وفي الكويت، التي دخلت الأزمة أصلا بموازنة تستهدف عجزاً قدره 9.8 مليار دينار (31.8 مليار دولار)، أي نحو 20 في المئة من الناتج المحلي، زادت خسائر الإيرادات النفطية الناجمة عن توقف الصادرات الضغوط على المالية العامة.

ودفعت الحاجة إلى تمويل العجز والسيولة الحكومة إلى زيادة الاقتراض، فأصدرت الكويت في يونيو/حزيران وحده أدوات دين بقيمة 550 مليون دينار (نحو 1.78 مليار دولار)، لترفع إصدارات الدين المحلية منذ بداية السنة المالية 2026/2027 إلى 1.25 مليار دينار (نحو 4.04 مليار دولار)، إضافة إلى طرح خاص بقيمة ملياري دولار في الأسواق الدولية.

بناء شبكة أوسع من خطوط الأنابيب ومرافئ التصدير البديلة لم يعد مجرد مشروع لزيادة الطاقة الاستيعابية، فقد غدا جزءا من استراتيجيا الأمن الاقتصادي والطاقة في الخليج

ولا يعني ذلك أن الحرب ستقود بالضرورة إلى عجز أوسع في جميع دول الخليج، إذ يمكن ارتفاع أسعار النفط أن يعوض جزءا من خسائر انخفاض الكميات المصدرة لدى بعض المنتجين. لكن استمرار تعطل الملاحة أو انخفاض الإنتاج لفترة طويلة سيضغط على الإيرادات النفطية، في وقت تواصل فيه الحكومات تنفيذ برامج إنفاق واستثمار ضخمة، وهو ما يفسر استمرار نشاط أسواق الدين الخليجية، التي شهدت إصدارات سندات وصكوك بقيمة 102.7 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026. تؤكد هذه الوضعية أهمية الانتباه لهذه المخاطر القابلة للتجدد من أجل حماية حقوق دول المنطقة في إنتاج النفط والغاز.

وأعادت أزمة مضيق هرمز تأكيد الحاجة إلى تعزيز مسارات تصدير النفط خارج مناطق الاختناق البحرية، من خلال توسيع شبكات الأنابيب القائمة وإنشاء مسارات جديدة. وتمثل السعودية والإمارات نموذجين واضحين، فقد رفعت السعودية قدرة خط الشرق–الغرب إلى نحو 7 ملايين برميل يوميا، منها نحو 5 ملايين برميل مخصصة للتصدير، فيما تصل الطاقة القصوى لخط أبوظبي–الفجيرة إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميا، مع خطة إماراتية لمضاعفتها في 2027.

أ.ف.ب
حقل الزور النفطي جنوب مدينة الكويت، 29 مايو/أيار 2024

وتتطلب زيادة هذه القدرات استثمارات بمليارات الدولارات، مما يطرح سؤالاً حول نموذج التمويل الأنسب: هل تتحمل شركات الطاقة الجزء الأكبر من التكلفة من تدفقاتها النقدية، أم تُستخدم أدوات الدين وتمويل المشاريع، أم تدخل الصناديق السيادية وشركاء القطاع الخاص في تمويل البنية التحتية الاستراتيجية؟ ولا ينبغي أن يكون الاقتراض الخيار الوحيد، خصوصا أن ارتفاع تكلفة التمويل قد يضيف ضغوطا إلى المالية العامة إذا تولت الحكومات تمويل المشاريع مباشرة.

لكن بناء شبكة أوسع من خطوط الأنابيب ومرافئ التصدير البديلة لم يعد مجرد مشروع لزيادة الطاقة الاستيعابية، فقد غدا جزءا من استراتيجيا الأمن الاقتصادي والطاقة في الخليج. فكل زيادة في القدرة على نقل النفط عبر مسارات لا تعتمد على مضيق هرمز توفر هامشا إضافيا لاستمرارية الصادرات وحماية الإيرادات النفطية في أوقات الأزمات.

وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية القائمة تستطيع معا توفير نحو 4.7 مليون برميل يوميا من القدرة على تجاوز المضيق، في حين مر عبره نحو 20.9 مليون برميل يوميا من النفط والسوائل النفطية في النصف الأول من 2025. 

يتعين على دول الخليج بناء منظومة دفاعية أكثر تكاملا ومواكبة للتطور المتسارع في التقنيات العسكرية، بما يعزز قدرتها على مواجهة الصواريخ الباليستية والمسيّرات والحرب الإلكترونية وغيرها من التهديدات الناشئة

ومع ذلك، فإن هذه البدائل لا تلغي أهمية هرمز، إذ تشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن خطوط الأنابيب الحالية في السعودية والإمارات لا توفر سوى جزء من التدفقات التي تمر عبر المضيق.

محنة الجغرافيا

أثبتت الأزمات المتعاقبة أن الجوار الجغرافي للكويت ودول الخليج مع العراق وإيران يفرض تعزيزا مستمرا لقدرتها على امتصاص الصدمات وحماية اقتصاداتها. فمنذ الحرب العراقية–الإيرانية في الثمانينات، مرورا بالغزو العراقي للكويت عام 1990، وصولا إلى اضطرابات الملاحة والطاقة في السنوات الأخيرة، تكررت الأزمات التي هددت التجارة وإمدادات الطاقة والاستقرار الاقتصادي، مما يجعل احتمال تجددها عاملا ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند صوغ السياسات الاقتصادية والأمنية للمنطقة.

يتعين على دول الخليج بناء منظومة دفاعية أكثر تكاملاً ومواكبة للتطور المتسارع في التقنيات العسكرية، بما يعزز قدرتها على مواجهة الصواريخ الباليستية والمسيّرات والحرب الإلكترونية وغيرها من التهديدات الناشئة. ولا تبدأ هذه الجهود من الصفر، فدول مجلس التعاون ترتبط باتفاقية دفاع مشترك، ولديها قيادة عسكرية موحدة، فيما تعمل على تطوير أنظمة الإنذار المبكر وربط مراكز العمليات والدفاع الجوي وتعزيز التكامل بين القوات المسلحة الخليجية.

واس
ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب اردوغان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في الديوان الملكي في قصر الصفا في مكة المكرمة، 7 أغسطس/آب 2026

إلى جانب الشراكات الدفاعية القائمة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، تتجه دول الخليج أيضا إلى تنويع شراكاتها الأمنية. فقد وقعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك في 2025، ثم انضمت تركيا إلى السعودية وباكستان في اتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس/آب 2026، بما يعكس اتجاها نحو بناء شبكات أمنية أوسع خارج الأطر التقليدية.

لكن الأهم هو تحويل هذه الشراكات المتعددة إلى منظومة دفاع خليجية مترابطة تستطيع الاستعانة بالدول الصديقة عند الحاجة، من دون أن تعتمد على شريك واحد أو منظومة واحدة. ويشمل ذلك توحيد معايير الإنذار والاستشعار، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وربط أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتكثيف التدريبات المشتركة، إلى جانب التعاون في الذكاء الاصطناعي والمسيّرات والحرب الإلكترونية والصناعات الدفاعية.

ومع ذلك، تطرح هذه المقاربة أسئلة مشروعة لدى عدد من الخبراء الاستراتيجيين الذين يؤيدون التحوط الأمني بمختلف أشكاله، من أبرزها: هل يمكن أن يسهم بناء علاقات اقتصادية أكثر عمقا مع دول الجوار، ولا سيما إيران والعراق، في تعزيز السلام والأمن الإقليميين وحماية مصالح دول المنطقة على المدى المنظور؟

تحسن البيئة السياسية والاقتصادية في أي من البلدين يمكن أن يفتح مجالا أوسع لعلاقات اقتصادية مع دول الخليج، وقد تجد الشركات والاستثمارات الخليجية فرصا للمساهمة في تنويع الاقتصادين العراقي والإيراني

تواجه إيران والعراق تحديات اقتصادية وهيكلية كبيرة تحد من قدرتهما على تحقيق نمو مستدام وتوفير فرص العمل. ففي العراق، بلغ معدل البطالة نحو 15.5 في المئة في 2025، بينما يستحوذ القطاع العام على نحو 37.4 في المئة من إجمالي العمالة، وفق متوسط البيانات المتاحة للفترة 2017–2022، بحسب البنك الدولي ، في وقت لا يزال الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط وتواجه الشركات الخاصة منافسة من الشركات المملوكة للدولة. وفي إيران، بلغ معدل البطالة 8.3 في المئة في 2025، وانكمش الاقتصاد بنحو 2.8 في المئة، بينما يظل الاقتصاد متأثرا بالعقوبات، وحضور الدولة الواسع، ونقص الاستثمار، ومشكلات الطاقة والمياه.

ومن هنا، فإن تحسن البيئة السياسية والاقتصادية في أي من البلدين يمكن أن يفتح مجالا أوسع لعلاقات اقتصادية مع دول الخليج، بما في ذلك التجارة والاستثمار وتطوير البنية التحتية والطاقة. وإذا توافرت قوانين مستقرة وشفافة، وضمانات للمستثمرين، وبيئة أعمال قادرة على حماية رأس المال وتحويل الأرباح، فقد تجد الشركات والاستثمارات الخليجية فرصا للمساهمة في تنويع الاقتصادين العراقي والإيراني وخلق فرص العمل. ويمكن مثل هذا التشابك الاقتصادي، إذا ترافق مع تحسن العلاقات السياسية والأمنية، أن يشكل عاملا داعما للاستقرار الإقليمي.

أ.ف.ب
أفراد فريق مكافحة حرائق الآبار النفطية أثناء عملهم على بئر نفطي متضرر جراء تخريب نفذته القوات العراقية المنسحبة في حقل الأحمدي النفطي جنوب الكويت، 1 أبريل/نيسان 1991

لكن هذا السيناريو يظل مشروطا بإصلاحات سياسية واقتصادية ومؤسسية عميقة، وبوجود بيئة تسمح للقطاع الخاص المحلي والأجنبي بالعمل على أسس واضحة ومستقرة. ولذلك، فإن الرهان على الاقتصاد كأداة لخفض التوتر الإقليمي ممكن، لكنه لا يمكن أن يحل محل المعالجات الأمنية والسياسية، ولا يمكن أن ينجح من دون تغييرات تضمن استدامة بيئة الاستثمار وحماية المصالح التجارية.

مما لا شك فيه أن دول الخليج لا تملك على صعيد الجغرافيا ترف اختيار جيرانها، لكنها تملك هامشا واسعا في كيفية إدارة علاقتها بهم والاستعداد لما قد تفرضه التحولات الإقليمية. وما أظهرته العقود الماضية أن الاستقرار لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، ولا على الانفتاح الاقتصادي وحده، وإنما على مزيج من الردع والمرونة الاقتصادية وتعدد الشراكات وامتلاك البدائل. وربما يكون الدرس الأهم من الأزمات المتعاقبة أن تكلفة الاستعداد، مهما بدت مرتفعة، تظل أقل من تكلفة التعافي بعد وقوع الصدمة.

font change

مقالات ذات صلة