سباق الخليج إلى الأمن المائي... استثمارات تتجاوز التحلية

محطات التحلية والخزانات الاستراتيجية تصبح أصولا سيادية تفرض معادلات جديدة للأمن الإقليمي

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
أكبر محطة تحلية مياه في رأس الخير، شرق السعودية 30 مارس 2023

سباق الخليج إلى الأمن المائي... استثمارات تتجاوز التحلية

مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها، برزت تحديات تواجه دول المنطقة، وفي مقدمتها الأمن المائي. فدول الخليج تُعدّ من بين أعلى دول العالم في استهلاك المياه للفرد وهو يبلغ 550 ليترا/اليوم، مقارنة بنحو 120 ليترا يوميا في ألمانيا، وفق البنك الدولي. في المقابل، تواجه هذه الدول أحد أشد مستويات الشح المائي في العالم، إذ يقل نصيب الفرد من الموارد المائية العذبة المتجددة في معظمها عن 100 متر مكعب سنويا، أي أقل بخمسة أضعاف من عتبة الشح المطلق البالغة 500 متر مكعب للفرد سنويا.

وتعتمد دول الخليج على تحلية مياه البحر كمصدر أساس للمياه، وهي تمتلك نحو 60 في المئة من القدرة الإنتاجية العالمية للتحلية، وتنتج قرابة 40 في المئة من إجمالي المياه المحلاة في العالم عبر أكثر من 400 محطة تحلية. وتتربع السعودية على رأس هذا القطاع، إذ تسهم الهيئة السعودية للمياه بنحو 20 في المئة من إنتاج المياه المحلاة عالميا، مما يجعلها أكبر جهة منتجة للمياه المحلاة في العالم.

فالسعودية تعول على محطات التحلية لتوفير نحو 50 في المئة من المياه الموزعة للسكان عبر شبكات الإمداد. أما الإمارات، فتعتمد على تحلية مياه البحر لتلبية نحو 80 في المئة من احتياجاتها من مياه الشرب. وفي سلطنة عمان، تصل نسبة الاعتماد على المياه المحلاة إلى أكثر من 86 في المئة من احتياجات مياه الشرب. وفي الكويت، تلبي محطات التحلية ما يقرب من 100 في المئة من احتياجات المياه العذبة، ونحو 90 في المئة من احتياجات مياه الشرب. وتُنتج المياه المحلاة عبر ست محطات تستخدم تقنية التبخير الومضي المتعدد المراحل (MSF)، وثلاث محطات تعتمد تقنية التناضح العكسي (RO). وتعد قطر والبحرين من أكثر دول العالم اعتمادا على تحلية مياه البحر، إذ توفر التحلية أكثر من 99 في المئة من مياه الشرب في قطر، وأكثر من 90 في المئة في البحرين.

هاجس المياه لا يفارق دول الخليج عند وضع خط ورؤيا تنموية، تأتي استدامة المياه على رأس أولويات الحكومات في بناء منظومات متكاملة تجعلها متقدمة عالميا في المجال المائي. وفي إطار الاستراتيجيا الخليجية الموحدة للمياه (2016-2035)، تستهدف دول مجلس التعاون أن تكون 10 في المئة على الأقل من إجمالي قدراتها في تحلية المياه مملوكة ومصنّعة محليا في حلول عام 2035، في خطوة تعزز الاكتفاء الذاتي وتوطين تقنيات التحلية.

أرقام قياسية سعودية في مجال تحلية المياه

تتعامل المملكة مع قضية المياه كعنصر حيوي وقومي حاضر في استراتيجيتها للتحول الوطني في ضوء رؤية 2030. ويقف هذا الملف في مقدمة أولوياتها خلال الأعوام الماضية، إذ تقدمت في مؤشر إدارة الموارد المائية من 57 في المئة إلى 83 في المئة، وهو من أسرع معدلات التحسن عالميا، مما دفع الأمم المتحدة إلى تصنيف السعودية نموذجا في التقدم نحو تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة الخاص بالمياه. كما تستعد الرياض لاستضافة المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه عام 2027

تضم المملكة أكبر منظومات تحلية المياه في العالم، تتقدمها محطة رأس الخير التي تنتج أكثر من مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميا

وتضم المملكة واحدة من أكبر منظومات تحلية المياه في العالم، تتقدمها محطة رأس الخير التي تنتج أكثر من مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميا، وتعتمد على مزيج من تقنيتي التناضح العكسي (ما نسبته 30 في المئة من إنتاج المشروع) والتبخير الوميضي المتعدد المراحل (بنسبة 70 في المئة من إنتاج المشروع).

وتعتمد تقنية التناضح العكسي على ضخ المياه المالحة تحت ضغط مرتفع عبر أغشية شبه نافذة تسمح بمرور الماء وتمنع الأملاح والشوائب، لينتج منها ماء منخفض الملوحة يُعاد تمعدنه قبل ضخه إلى شبكات التوزيع، مع إمكان استخدام مراحل متعددة لزيادة كفاءة التحلية وجودة المياه.

أما التبخير الوميضي متعدد المراحل فهو تقنية حرارية لتحلية المياه تقوم على تسخين مياه البحر وتمريرها عبر حجرات منخفضة الضغط، فتتبخر كمية من الماء بصورة وميضية في كل مرحلة، ثم يُكثَّف البخار لإنتاج المياه العذبة مع إعادة استخدام الحرارة لرفع كفاءة التشغيل.

أ.ف.ب.
محطة الجبيل لتحلية المياه، 95 كيلومترا شمال الدمام، السعودية 11 مارس 2019

وتقود الهيئة السعودية للمياه تحولًا نحو الاعتماد على تقنية التناضح العكسي الأعلى كفاءة والأقل استهلاكًا للطاقة، إذ أنهت مبكرًا تشغيل منظومة الشعيبة المعتمدة على الوقود العربي الخفيف، محققة وافرا ماليا تجاوز 4.1 مليارات ريال (نحو 1.1 مليار دولار)، مع خفض 45 مليون طن من الانبعاثات وتوفير أكثر من 22 مليون برميل نفط سنويًا.
وتمتلك المملكة أيضا منظومات متطورة في الخبر والجبيل وينبع والخفجي. وقد عززت الهيئة السعودية للمياه مكانتها كأكبر منتج للمياه المحلاة في العالم بإنتاج يتجاوز 11.5 مليون متر مكعب يوميًا، بعدما سجلت 9 أرقام قياسية في موسوعة غينيس، شملت أكبر محطة تحلية في العالم في رأس الخير بطاقة إنتاجية تقترب من 3 ملايين متر مكعب يوميًا، وأكبر خزان مغطى لتخزين مياه الشرب، وخزان بريمان الاستراتيجي في جدة، وخزان الرياض الاستراتيجي بسعة 4.79 ملايين متر مكعب، وأكبر نظام لنقل المياه المحلاة بالأنابيب بطول 14,217 كيلومترًا وسعة 19.429 مليون متر مكعب يوميًا، وأكبر محطة متنقلة للتحلية بطاقة 50 ألف متر مكعب يوميًا، وأكبر وحدة تحلية بالتقطير متعدد التأثيرات في الشعيبة بطاقة 91.2 ألف متر مكعب يوميًا، وأكبر شبكة خزانات لمياه الشرب بسعة إجمالية تبلغ 8.97 ملايين متر مكعب، إضافة إلى تسجيل أقل معدل عالمي لاستهلاك الطاقة في تحلية المياه عند أقل من 2.271 كيلوواط/ساعة لكل متر مكعب.

من المتوقع أن يدعم اتفاق التعاون السعودي–الأميركي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، الموقع في 23 يوليو/تموز 2026، جهود المملكة لتنويع مصادر الطاقة، بما قد يعزز مستقبلا تشغيل محطات تحلية ومعالجة المياه بمصادر طاقة منخفضة الانبعاثات

إلى جانب مجموعة من وحدات الإنتاج كالتي في ضبا وأملج، وجدة والعزيزة، فضلا عن منشآت عديدة أخرى. وتدعم المملكة أمنها المائي عبر منظومة واسعة من الخزانات الاستراتيجية لتخزين مياه الشرب. كما عززت الشركة الوطنية للمياه هذه المنظومة بافتتاح خمسة خزانات جديدة في غرب العاصمة خلال يوليو/تموز 2026، بتكلفة تجاوزت 128 مليون ريال (34.1 مليون دولار)، وبسعة تخزينية إجمالية بلغت 180 ألف متر مكعب، إلى جانب محطة ضخ بطاقة 125 ألف متر مكعب يوميا. بالإضافة إلى ذلك، ارتفع عدد السدود في المملكة إلى 574 سدا، بطاقة استيعابية بلغت 2.6 مليار متر مكعب، فيما ارتفعت سعة الخزن الاستراتيجي إلى 21.8 مليون متر مكعب.

ومن المتوقع أن يدعم اتفاق التعاون السعودي–الأميركي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، الموقع في 23 يوليو/تموز 2026، جهود المملكة لتنويع مصادر الطاقة، بما قد يعزز مستقبلا تشغيل محطات تحلية ومعالجة المياه بمصادر طاقة منخفضة الانبعاثات، ويسهم في خفض الاعتماد على الوقود التقليدي وتحسين كفاءة الإنتاج.

ولضمان استدامة قطاع المياه، أعدت المملكة خطة العرض والطلب على المياه للاستخدام الحضري حتى عام 2050، وتستهدف توفير نحو 21 مليون متر مكعب من المياه يوميا، من خلال التوسع في إنتاج المياه المحلاة، لتلبية احتياجات السكان في أكثر من 14,000 تجمعا سكانيا في مختلف مناطق المملكة.

.أ.ف.ب
وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان يلقي كلمة خلال المؤتمر العام السابع والستين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مقر الوكالة في فيينا، النمسا، في 25 سبتمبر 2023

ويأتي إعلان السعودية عام 2027 "عام الماء" تتويجا لمسيرة تحول في قطاع المياه، نجحت خلالها المملكة في تحويل تحديات ندرة الموارد المائية إلى نموذج عالمي في الإدارة والاستدامة، والاستثمار. وعملت خلال السنوات العشر الماضية على تعزيز الإنفاق الاستثماري في البنية التحتية ليبلغ نحو 220 مليار ريال (58.7 مليار دولار) لتطوير التشغيل ورفع إنتاجية القطاع، ونحو 60 مليار (16 مليار دولار) منها تدفقت عبر الاستثمار الأجنبي.

الإمارات تعزز أمنها المائي بالتقنية والشراكات

توفر محطات التحلية البالغ عددها نحو 70 محطة، ما يعادل 42 في المئة من إجمالي الاحتياجات المائية للدولة، فيما تمثل الإمارات نحو 14 في المئة من الإنتاج العالمي للمياه المحلاة. وقد أنجزت هيئة كهرباء ومياه دبي المرحلة الأولى من مشروع تخزين واسترجاع المياه المحلاة في الأحواض الجوفية، الذي يعد الأكبر من نوعه عالميا. ويتيح المشروع تخزين 6 مليارات غالون من المياه المحلاة، بما يوفر مخزونا استراتيجيا يمد الإمارة بأكثر من 50 مليون غالون يوميا لمدة 90 يوما في حالات الطوارئ. ويعتمد المشروع على تخزين فائض المياه المحلاة المنتجة بتقنية التناضح العكسي في الخزانات الجوفية وإعادة ضخها عند الحاجة، بما يعزز الأمن المائي واستدامة الإمدادات في دبي.

تستهدف الامارات تعزيز استدامة منظومة الإمدادات عبر رفع السعات التخزينية بما يضمن توافر المياه لمدة يومين في الظروف الاعتيادية، و16 يوما في حالات الطوارئ، وأكثر من 45 يوما في الظروف الاستثنائية

وتسعى الإمارات إلى التكيف مع المتغيرات وتعزيز أمنها المائي عبر استراتيجية الأمن المائي 2036، التي تستهدف زيادة إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 95 في المئة، كما تستهدف تعزيز استدامة منظومة الإمدادات عبر رفع السعات التخزينية بما يضمن توافر المياه لمدة يومين في الظروف الاعتيادية، و16 يوما في حالات الطوارئ، وأكثر من 45 يوما في الظروف الاستثنائية.

وتشمل الخطة إنشاء ست نقاط للربط بين شبكات المياه والكهرباء على مستوى الدولة لتعزيز مرونة الإمدادات. ووفق الحكومة الإماراتية، من المتوقع أن تحقق الاستراتيجيا وفورات تتجاوز 74 مليار درهم (20.15 مليار دولار)، إلى جانب خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بعمليات التحلية بنحو 100 مليون طن.

Shutterstock
صورة جوية لمنشأة صناعية إماراتية في الصحراء

وتبلغ السعة الإنتاجية لمحطات التحلية في الإمارات نحو 8.4 ملايين متر مكعب يوميا، بإنتاج سنوي وصل إلى 1.85 مليار متر مكعب في 2025. وتنفذ الدولة مشاريع جديدة تعتمد على تقنية التناضح العكسي، ستضيف أكثر من 2.5 مليون متر مكعب يوميا، مما يرفع الطاقة الإنتاجية بنحو 30 في المئة في حلول نهاية 2027.

وعززت الإمارات استثماراتها في البنية التحتية للمياه، إذ أرست دبي عقدا بقيمة 289 مليون درهم (79 مليون دولار) لتطوير شبكة نقل المياه المرتبطة بمحطة حصيان، فيما وقعت شركة الاتحاد للماء والكهرباء عقدا بقيمة 1.046 مليار درهم (285 مليون دولار) لإنشاء أول محطة لتحلية المياه في الفجيرة بتقنية التناضح العكسي، بطاقة 60 مليون غالون يوميا.

وفي يونيو/حزيران الماضي، فازت هيئة كهرباء ومياه دبي بجائزة "أفضل صفقة لتحلية المياه" عن مشروع حصيان، فيما حصلت هيئة البيئة – أبوظبي على أعلى اعتماد عالمي عن مشاريع، أبرزها نظام للتحلية بالطاقة الشمسية وترشيد مياه الري. كما وسعت الدولة تعاونها الدولي بتوقيع شراكة مع معهد تحلية مياه البحر في الصين لتطوير تقنيات وحلول مبتكرة تعزز الأمن المائي.

وتواصل الإمارات توسيع استثماراتها في قطاع المياه، إذ استقطبت هيئة كهرباء ومياه دبي أكثر من 43 مليار درهم (11.7 مليار دولار) عبر مشروعات المنتج المستقل للطاقة والمياه، يتصدرها مشروع محطة حصيان لتحلية مياه البحر باستثمار 3.37 مليار درهم (920 مليون دولار)، ضمن شراكة مع "أكوا باور" السعودية واتفاقية لشراء المياه لمدة 30 عاما، بطاقة إنتاجية تبلغ 180 مليون غالون يوميا. وتأتي هذه الاتفاقية في إطار خطة دبي الحضرية 2040، لمواكبة النمو المتسارع في الطلب على المياه وتعزيز الاعتماد على تقنيات الطاقة النظيفة، ومن المتوقع أن تسهم في رفع القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة في دبي من 490 مليون غالون يوميا إلى نحو 735 مليون غالون يوميا في حلول عام 2030.

عمان تعزز استثماراتها

تعتمد سلطنة عُمان بصورة رئيسة على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب، مستفيدة من موقعها على بحر العرب وخليج عُمان. ومع تزايد الطلب على المياه بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني، رفعت السلطنة قدرتها التشغيلية لإنتاج المياه إلى نحو 1.41 مليون متر مكعب يوميا عام 2025، فيما يأتي نحو 90 في المئة من إمداداتها المائية من محطات التحلية، مقابل نحو 10 في المئة من المياه الجوفية.

 تواصل السلطنة استقطاب الاستثمارات لتطوير البنية التحتية المائية، ومن أبرز المشاريع الجاري تنفيذها هي المرحلة الثالثة من محطة الغبرة لتحلية المياه، أكبر محطات التحلية في عُمان، والمقامة على مساحة تتجاوز 70 ألف متر مربع

ويحظى قطاع المياه بأولوية ضمن الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030)، التي تمثل البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية عُمان 2040، إذ تواصل السلطنة الاستثمار في توسيع البنية التحتية المائية لمواكبة نمو الطلب المتوقع بنحو 3 في المئة سنويا.

وتشمل المشروعات تطوير خدمات المياه والصرف الصحي في محافظة ظفار باستثمارات تتجاوز 100 مليون ريال عُماني (260 مليون دولار)، إلى جانب مشروع محطة تنقية مياه سد وادي ضيقة في ولاية قريات بتكلفة تفوق 55 مليون ريال (143 مليون دولار)، وبطاقة إنتاجية تبلغ 65 ألف متر مكعب يوميا، منها 35 ألف متر مكعب لمياه الشرب و30 ألف متر مكعب للاستخدام الزراعي، على أن يكتمل المشروع في مارس/آذار عام 2027.

أ.ف.ب.
عمال يعملون في محطة سور لتحلية المياه جنوب سلطنة عمان، في 27 نوفمبر 2019

كما تواصل السلطنة استقطاب الاستثمارات لتطوير البنية التحتية المائية، ومن أبرز المشاريع الجاري تنفيذها هي المرحلة الثالثة من محطة الغبرة لتحلية المياه، أكبر محطات التحلية في عُمان، والمقامة على مساحة تتجاوز 70 ألف متر مربع. وتنفذ المشروع شركة نماء لشراء الطاقة والمياه بالشراكة مع تحالف يضم شركة "جي اس إنيما" (GS Inima) الإسبانية و"شركة الجميح للطاقة والمياه السعودية"، وشركة "سوجكس عمان"، باستثمار يبلغ 125 مليون ريال عُماني (325 مليون دولار). وتعمل المحطة بتقنية التناضح العكسي بطاقة إنتاجية تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميا، ومن المقرر بدء تشغيلها التجاري في الربع الأول من عام 2027.

أولوية الاستثمار المائي في الكويت

تعد الكويت من أعلى دول العالم استهلاكا للمياه، في مقابل اعتماد شبه كامل على تحلية مياه البحر، التي تنتجها 9 محطات، ست منها هي محطات تقطير متعدد المراحل وثلاث تعمل بتقنية التناضح العكسي، بقدرة إنتاجية إجمالية تبلغ نحو 3.1 مليون متر مكعب يوميا. كما تواصل الدولة التوسع في قدراتها الإنتاجية لمواكبة الطلب المتزايد على المياه، مستهدفة رفع إنتاجها إلى 900 مليون غالون إمبراطوري يوميا (نحو 4.09 مليون متر مكعب يوميا) في حلول عام 2030.

يستحوذ قطاع المياه في الكويت على قائمة المشاريع التنموية بواقع 45 في المئة خصصت من الموازنة العامة لعام 2026

ووفق بيانات "ميد للمشاريع" (MEED Projects) التي أوردها تقرير لـ"كامكو إنفست"، استحوذ قطاع المياه على أكثر من 45 في المئة من إجمالي قيمة المشروعات التي تمت ترسيتها في الكويت خلال الربع الأول من عام 2026، بقيمة بلغت نحو 3.7 مليارات دولار، يوضح هذ المؤشر مدى أولوية الاستثمار في البنية التحتية المائية ضمن مسار تنفيذ رؤية الكويت 2035.

قطر توسع قدراتها المائية استعدادا للمستقبل

تعزز قطر أمنها المائي عبر سلسلة من المشاريع الاستراتيجية، أبرزها مشروع الخزانات العملاقة للأمن المائي باستثمار 14.5 مليار ريال قطري (نحو 4 مليارات دولار)، الذي رفع السعة التخزينية للمياه بنسبة 150 في المئة، بسعة تخزينية إجمالية تبلغ 2.27 مليار غالون إمبراطوري. ويعد المشروع أكبر مشروع لتخزين مياه الشرب في العالم، وافتتح عام 2018، وشمل في مرحلته الأولى إنشاء 24 خزانا عملاقا في خمسة مواقع رئيسة (أم بركة، أم صلال، روضة راشد، أبو نخلة، والثمامة)، وربطها عبر 650 كيلومترا من خطوط النقل، بما يضمن نقل المياه من أي محطة تحلية إلى أي خزان داخل الدولة. وقد صُمم لتأمين احتياجات قطر المائية حتى عام 2026، مع مراحل لاحقة تمتد إلى ما بعد 2036.

Shutterstock
صورة جوية من خلال نافذة الطائرة توضح محطة لتحلية المياه في الساحل القطري

وتقوم الدولة بتوسيع محطات التحلية، وقد رفعت القدرة الإنتاجية إلى 538 مليون غالون إمبراطوري يوميا بعد توسيع محطة أم الحول، وسترتفع إلى 648 مليون غالون في حلول 2028، بعد تشغيل محطة رأس أبو فنطاس الجديدة (المنشأة E) في عام 2028. كما تطور المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء مشروعا لتخزين المياه المحلاة في الخزانات الجوفية لتوفير احتياطي يكفي 90 يوما في حالات الطوارئ، بالتوازي مع تحديث شبكات النقل والتوزيع، وتعميم العدادات الذكية، وإصدار قانون المياه لتعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية.

وفي إطار التكيف مع ندرة المياه، عززت الدوحة الإطار التشريعي لقطاع المياه بإصدار قانون المياه رقم (23) لسنة 2025، الذي يهدف إلى تنظيم وإدارة الموارد المائية في الظروف الاعتيادية وحالات الطوارئ، وضبط إنتاج وتوزيع المياه المحلاة، وحماية المياه الجوفية، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة. كما أكدت المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء أن تنفيذ القانون يشمل تطوير البنية التحتية، واعتماد أحدث التقنيات، وتحسين كفاءة التشغيل، وتعزيز جاهزية منظومة المياه، بما يدعم تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030 والأمن المائي المستدام.

البحرين تتوسع في مشاريع التحلية

تركز البحرين على تعزيز أمنها المائي عبر التوسع في محطات التحلية الحديثة، وفي مقدمتها محطة الحد الجديدة بطاقة 60 مليون غالون يوميا، ومشروع سترة لإنتاج الكهرباء والمياه بطاقة 30 مليون غالون يوميا المتوقع تشغيله التجاري في الربع الثاني من عام 2029، إلى جانب محطة جزر حوار ومشروع الهملة، ضمن الاستراتيجيا الوطنية للمياه 2030 الرامية إلى رفع كفاءة إدارة الموارد وتنويع مصادر الإمداد.

لم يعد الأمن المائي قضية خدمية أو غذائية فحسب، بل تحول إلى إحدى ركائز الأمن القومي، مع ارتباطه باستقرار الدول واقتصاداتها. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات، باتت المياه أداة ضغط جيوسياسي استراتيجية تدفع الحكومات إلى استثمارات متزايدة لحماية هذا المورد الحيوي وتعزيز أمنها

وتعتمد البحرين بشكل شبه كامل على المياه المحلاة لتلبية احتياجات مياه الشرب، إلى جانب الاستفادة من المياه الجوفية المحلية، التي تغذيها خزانات مائية مشتركة تمتد جيولوجيا من شرق السعودية إلى البحرين عبر التدفق الطبيعي للمياه تحت سطح الأرض. ومنذ عام 2016، أصبحت البحرين تعتمد عمليا على المياه المحلاة لتوفير مياه الشرب، فيما احتُفظ بالمياه الجوفية كمورد استراتيجي يُستخدم في حالات الطوارئ.

ولا تتيح الطبيعة الجغرافية للبحرين، بوصفها جزيرة منخفضة التضاريس تفتقر إلى الأنهار الدائمة والأودية الكبيرة، الاعتماد على السدود كمصدر رئيس للمياه، لذلك ركزت المملكة على تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه المعالجة وإدارة مواردها الجوفية لتعزيز أمنها المائي.

ديانا إستيفانيا روبيو

وفي الوقت نفسه، شهدت البحرين نموا مطردا في الطلب على المياه خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، إذ ارتفع متوسط الاستهلاك اليومي بنحو 27 في المئة، من 129.4 مليون غالون عام 2009 إلى 164.7 مليون غالون في 2024، مما دفع المملكة إلى التوسع في مشاريع التحلية وزيادة قدراتها الإنتاجية لمواكبة الطلب المتنامي.

المياه أداة ردع وورقة ضغط

لم يعد الأمن المائي قضية خدمية أو غذائية فحسب، بل تحول إلى إحدى ركائز الأمن القومي، مع ارتباطه باستقرار الدول واقتصاداتها. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات باستهداف محطات التحلية في الخليج، باتت المياه أداة ضغط جيوسياسي استراتيجية تدفع الحكومات إلى استثمارات متزايدة لحماية هذا المورد الحيوي وتعزيز أمنها، إذ أصبح عنصرا أساسيا في معادلات الردع والأمن الإقليمي.

ويحذر تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن اعتماد الخليج على التحلية يجعل أمنه المائي عرضة للهجمات العسكرية والتلوث البحري والهجمات السيبرانية، إذ قد يؤدي استهداف محطات الكهرباء أو خطوط النقل أو مآخذ مياه البحر إلى تعطيل إنتاج المياه. ويرى التقرير أن إيران قد تستخدم هذا الاعتماد كورقة ضغط استراتيجية، رغم أن استهداف منشآت المياه المدنية محظور بموجب القانون الدولي.

عالجت دول الخليج هذه الندرة والاحتياج من خلال استراتيجيا المواكبة حتى انبثقت منها فرص حفزت الثقة وجذبت الاستثمارات، ليتحول القطاع من ضرورة إلى نموذج يوضح الطريق الصحيح إلى الاستدامة والتفوق بالتعامل والتقنيات مع الموارد المائية

فقد دفعت فترة حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم الغزو العراقي عام 1990، إلى تعزيز الكويت استثماراتها في منظومة مائية أكثر مرونة. وتجددت هذه المخاوف مع الهجمات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت محطة لتوليد الكهرباء وتقطير المياه، وأدت إلى اندلاع حريق وتعطل عدد من وحدات الإنتاج، مما أعاد تسليط الضوء على هشاشة البنية التحتية المائية في أوقات الأزمات.

وفي مارس/آذار الماضي، حذر رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني من أن أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية المطلة على الخليج قد يؤدي إلى تلوث مياه الخليج، مما يهدد إمدادات المياه المحلاة التي تعتمد عليها دول المنطقة. وقال إن قطر كانت ستنفد منها المياه خلال ثلاثة أيام لولا إنشاء خزانات استراتيجية، مؤكدا أن الخطر لا يزال قائما على دول الخليج. ولم تكن قطر بمنأى من التهديدات الإيرانية، إذ استهدفت الهجمات مدينة رأس لفان الصناعية وأحد خزانات المياه التابعة لمحطة مسيعيد للطاقة، مما أثار مخاوف في شأن أمن البنية التحتية الحيوية في البلاد.

أ.ف.ب.
محطة الزور لتحلية المياه جنوب الكويت، في 13 مارس 2013

وحتى وإن كانت دول الخليج تمتلك عشرات محطات التحلية، فإن بعضها يعتمد على مجمعات ضخمة يخدم كل منها أكثر من مليون نسمة، مما يجعل استهدافها أكثر تأثيرا. كما يشير التقرير إلى أن معظم دول الخليج، باستثناء خطوات اتخذتها الإمارات والسعودية لتعزيز التخزين الاستراتيجي، لا تمتلك احتياطيات مائية كافية لمواجهة انقطاع طويل، خاصة البحرين والكويت وقطر، الأمر الذي يجعل أي اضطراب محتمل تهديدا نفسيا واقتصاديا بقدر ما هو تهديد للبنية التحتية.

مما لا شك فيه أنه مع مرور السنين، عالجت دول الخليج هذه الندرة والاحتياج من خلال استراتيجيا المواكبة حتى انبثقت منها فرص حفزت الثقة وجذبت الاستثمارات، ليتحول القطاع من ضرورة إلى نموذج يوضح الطريق الصحيح إلى الاستدامة والتفوق بالتعامل والتقنيات مع الموارد المائية.

font change

مقالات ذات صلة